كارثة مائية تلوح في الأفق.. أكبر خزانين في أمريكا يسجلان أدنى منسوب في التاريخ

أزمة غير مسبوقة في نهر كولورادو.. انخفاض تاريخي في بحيرتي ميد وباول يهدد المياه والطاقة في الولايات المتحدة
المركز السوري للطقس والمناخ | تقرير خاص
تشهد الولايات المتحدة واحدة من أخطر أزمات المياه في تاريخها الحديث، بعد وصول منسوب المياه في بحيرتي ميد وباول، أكبر خزانين مائيين في البلاد، إلى مستويات تاريخية متدنية، في ظل استمرار الجفاف طويل الأمد وارتفاع درجات الحرارة وتراجع الغطاء الثلجي في جبال الروكي، التي تغذي حوض نهر كولورادو.
وتؤكد بيانات مكتب استصلاح الأراضي الأمريكي (U.S. Bureau of Reclamation)، إلى جانب تقارير علمية حديثة، أن الانخفاض المتواصل في منسوب البحيرتين يعكس الضغوط المتزايدة التي يواجهها نهر كولورادو، المصدر الرئيس للمياه لنحو 40 مليون شخص وري أكثر من 5 ملايين فدان من الأراضي الزراعية في جنوب غرب الولايات المتحدة.
مستويات تاريخية تنذر بتفاقم الأزمة
أظهرت القياسات المسجلة خلال شهر يوليو أن بحيرة باول انخفض منسوبها إلى نحو 3524 قدمًا فوق سطح البحر، بما يعادل نحو 23% من سعتها التخزينية، فيما تراجع منسوب بحيرة ميد إلى أقل من 1043 قدمًا، أي ما يقارب 27% من طاقتها الاستيعابية.
ويرى خبراء الهيدرولوجيا أن هذه المستويات تُعد من الأدنى منذ بدء تشغيل السدين في منتصف القرن الماضي، مع توقعات باستمرار الانخفاض خلال الأشهر المقبلة إذا لم يشهد حوض النهر موسمًا ثلجيًا استثنائيًا.
تغير المناخ يضاعف آثار الجفاف
تشير دراسات منشورة في دوريات علمية مثل Nature Water وProceedings of the National Academy of Sciences (PNAS) إلى أن نحو نصف التراجع في تدفقات نهر كولورادو خلال العقود الأخيرة يرتبط بشكل مباشر بارتفاع درجات الحرارة الناتج عن تغير المناخ.
فمع ازدياد حرارة الغلاف الجوي، ترتفع معدلات التبخر من الخزانات والتربة، بينما تستهلك النباتات كميات أكبر من المياه، ما يؤدي إلى انخفاض كفاءة ذوبان الثلوج التي تمثل المصدر الأساسي لتغذية النهر.
كما أدى الشتاء الماضي، الذي اتسم بارتفاع درجات الحرارة وضعف تراكم الثلوج في أجزاء واسعة من جبال الروكي، إلى انخفاض كميات المياه الواصلة إلى الخزانات، في ظاهرة يصفها العلماء بـ”الجفاف الثلجي”، حيث تكون كميات الثلوج أقل من المعدلات الطبيعية أو تذوب مبكرًا.
تهديد لإنتاج الطاقة الكهرومائية
يحذر خبراء إدارة الموارد المائية من أن استمرار انخفاض منسوب بحيرة باول قد يدفعها إلى الاقتراب من ما يُعرف بـالحد الأدنى لتوليد الكهرباء في سد غلين كانيون، وهو المستوى الذي تصبح عنده التوربينات غير قادرة على إنتاج الطاقة بكفاءة.
وفي حال الوصول إلى هذه المرحلة، قد تتأثر إمدادات الكهرباء لملايين المستهلكين في ولايات الغرب الأمريكي، إضافة إلى زيادة الضغوط على شبكات الطاقة خلال فترات الحر الشديد.
صراع متزايد على المياه
تأتي هذه التطورات في وقت تخوض فيه الولايات السبع الواقعة ضمن حوض نهر كولورادو مفاوضات معقدة لإعادة توزيع حصص المياه، في ظل تراجع الموارد المائية مقارنة بما افترضته اتفاقية تقاسم المياه الموقعة عام 1922.
وتسعى السلطات الفيدرالية إلى التوصل إلى إطار تشغيلي جديد يحقق توازنًا بين احتياجات السكان والزراعة وإنتاج الطاقة، مع الأخذ في الاعتبار الواقع المناخي الجديد الذي يشير إلى انخفاض دائم في تدفقات النهر.
ويرى مختصون في إدارة المياه أن الاعتماد على سنوات رطبة أو مواسم ثلجية استثنائية لم يعد استراتيجية كافية، مؤكدين أن التكيف مع الواقع الجديد يتطلب إصلاحات هيكلية تشمل تحسين كفاءة الري، وتقليل استهلاك المياه، وتطوير سياسات أكثر استدامة لإدارة الموارد المائية.
أزمة مرشحة للاستمرار
وتؤكد تقارير الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) أن جنوب غرب الولايات المتحدة يُعد من أكثر مناطق العالم تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة، مع توقع استمرار موجات الحر والجفاف خلال العقود المقبلة نتيجة تغير المناخ.
ويرى الباحثون أن مستقبل نهر كولورادو سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرة الولايات الأمريكية على تنفيذ إصلاحات طويلة الأمد في إدارة المياه، بدلاً من الاعتماد على تحسن مؤقت في الظروف الجوية.
خلاصة
يمثل الانخفاض القياسي في منسوب بحيرتي ميد وباول مؤشرًا واضحًا على التحولات المناخية التي يشهدها غرب الولايات المتحدة، حيث أصبح تغير المناخ، إلى جانب الطلب المتزايد على المياه، عاملين رئيسيين في تعميق أزمة نهر كولورادو. ويحذر العلماء من أن استمرار هذا المسار قد يفرض تحديات متزايدة على الأمن المائي والغذائي وإنتاج الطاقة، ما يجعل الإدارة المستدامة للموارد المائية ضرورة ملحة خلال السنوات القادمة.
المصادر: مكتب استصلاح الأراضي الأمريكي (U.S. Bureau of Reclamation)، الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA)، المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، دورية Nature Water، دورية PNAS، وتقارير CNN وAssociated Press وReuters.



