جاري تحميل الطقس...

كوارث طبيعية

موجات الحر تتصدر أسباب الجفاف في أوروبا.. دراسة دولية تكشف تحولًا مقلقًا في طبيعة الأزمة

المركز السوري للطقس والمناخ | تقرير خاص

أصبحت موجات الحر الشديدة، وليس انخفاض معدلات هطول الأمطار وحده، العامل الأكثر تأثيرًا في تفاقم الجفاف الذي تشهده أوروبا خلال السنوات الأخيرة، وفقًا لتحليلات علمية حديثة تؤكد أن تغير المناخ يعيد رسم ملامح الجفاف في القارة الأوروبية ويزيد من حدته واتساع نطاقه.

وتشير أحدث الدراسات الصادرة عن World Weather Attribution (WWA)، والمدعومة ببيانات من هيئات أرصاد أوروبية ودولية، إلى أن الارتفاع المتواصل في درجات الحرارة أدى إلى زيادة معدلات تبخر المياه من التربة والأنهار والنباتات، الأمر الذي تسبب في تراجع سريع لرطوبة التربة حتى في المناطق التي لم تشهد انخفاضًا كبيرًا في كميات الأمطار.

الحرارة أصبحت المحرك الرئيسي للجفاف

اعتمد الباحثون في الدراسة على تحليل بيانات الهطول المطري، ورطوبة التربة، ومؤشرات التبخر المحتمل، إلى جانب سجلات من مراكز الأرصاد الأوروبية، بهدف تقييم تأثير الاحترار العالمي على موجة الجفاف الحالية.

وأظهرت النتائج أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد من قدرة الغلاف الجوي على سحب الرطوبة من سطح الأرض، ما يجعل التربة تفقد مخزونها المائي بوتيرة أسرع بكثير من قدرتها على التعويض عبر الأمطار، وهو ما يحول فترات الجفاف الطبيعية إلى موجات أكثر شدة واستمرارًا.

ويرى خبراء المناخ أن هذه الظاهرة أصبحت السمة الأبرز للجفاف في أوروبا خلال العقد الأخير، مع تسجيل مستويات حرارة غير مسبوقة في العديد من الدول الأوروبية.

ارتفاع كبير في احتمالات الجفاف الزراعي

تشير الدراسة إلى أن تغير المناخ رفع احتمالية حدوث الجفاف الزراعي في أوروبا الغربية بنحو خمسة أضعاف مقارنة بالمناخ الطبيعي، بينما ارتفعت هذه الاحتمالات في أوروبا الشرقية إلى نحو 11 ضعفًا نتيجة استمرار الظروف الجافة لأشهر متتالية.

كما أظهرت التحليلات أن موجات الحر التي تضرب أوروبا الغربية أصبحت أكثر احتمالًا بنحو 80 مرة مقارنة بعالم لا يشهد تغيرًا مناخيًا، فيما ارتفعت احتمالية حدوثها في أوروبا الشرقية إلى نحو 40 مرة.

ويؤكد علماء المناخ أن ارتفاع درجات الحرارة أصبح العامل الأكثر تأثيرًا في فقدان رطوبة التربة، حتى خلال فصل الربيع، قبل بداية موسم الصيف.

آثار واسعة على الزراعة والطاقة

بدأت آثار الجفاف تنعكس بوضوح على القطاعات الاقتصادية المختلفة، حيث تشير تقديرات زراعية إلى أن فرنسا تتجه نحو أحد أضعف مواسم إنتاج الذرة منذ عقود، بينما تعرضت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في رومانيا لخسائر كبيرة بسبب نقص الرطوبة.

كما أدى انخفاض مناسيب العديد من الأنهار الأوروبية إلى اضطرابات في حركة الملاحة النهرية، وانخفاض إنتاج الطاقة الكهرومائية، إضافة إلى تراجع كفاءة عمليات التبريد في بعض محطات توليد الكهرباء.

وتحذر وكالات الأرصاد الأوروبية من أن استمرار موجات الحر خلال فصل الصيف قد يؤدي إلى تفاقم هذه التأثيرات، خاصة مع انخفاض احتياطيات المياه في عدد من الأحواض المائية الرئيسية.

تهديد متزايد للأمن الغذائي

يرى خبراء المناخ أن تداعيات الجفاف لم تعد تقتصر على القطاع الزراعي، بل تمتد إلى الاقتصاد الأوروبي بأكمله، مع توقعات بارتفاع أسعار المواد الغذائية والطاقة نتيجة انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع الطلب على المياه والطاقة خلال فترات الحر الشديد.

كما تواجه الأسر ذات الدخل المحدود مخاطر أكبر بسبب زيادة تكاليف المعيشة المرتبطة بارتفاع أسعار الغذاء والكهرباء.

دعوات لتعزيز التكيف مع تغير المناخ

تشدد الهيئات العلمية الدولية على ضرورة تسريع إجراءات التكيف مع المناخ، من خلال تحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير أنظمة الري، وزراعة أصناف أكثر مقاومة للجفاف، إلى جانب توسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة والحد من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

وتؤكد تقارير صادرة عن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO) وخدمة كوبرنيكوس الأوروبية لتغير المناخ (C3S) أن أوروبا تُعد من أسرع مناطق العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة، وهو ما يجعل موجات الحر والجفاف أكثر تكرارًا وشدة خلال العقود المقبلة إذا استمرت الانبعاثات العالمية عند مستوياتها الحالية.

خلاصة

تشير الأدلة العلمية المتزايدة إلى أن الجفاف في أوروبا لم يعد مرتبطًا فقط بندرة الأمطار، بل أصبح مدفوعًا بصورة متزايدة بارتفاع درجات الحرارة وتسارع فقدان الرطوبة من التربة. ويحذر العلماء من أن استمرار هذا الاتجاه سيؤدي إلى ضغوط متزايدة على الأمن الغذائي والموارد المائية وإنتاج الطاقة، ما يجعل التكيف مع التغير المناخي وتعزيز إدارة المياه من أبرز التحديات التي تواجه القارة خلال السنوات المقبلة.

المصادر: World Weather Attribution (WWA)، المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، خدمة كوبرنيكوس الأوروبية لتغير المناخ (C3S)، المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى (ECMWF)، وبرامج الرصد المناخي الأوروبية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى