كوارث طبيعية

أمريكا أمام خطر زلزالي أكبر؟ ما الذي تقوله أحدث البيانات العلمية؟

تحديثات علمية ترفع تقديرات الخطر الزلزالي في مناطق أميركية واسعة.. لكن لا يوجد أي تنبؤ بزلزال كبير وشيك

عاد الحديث في الولايات المتحدة عن احتمال وقوع ما يعرف إعلاميًا بـ«الزلزال الكبير» أو Big One، بعد تحديثات وأبحاث جديدة مرتبطة بنموذج الخطر الزلزالي الوطني الأميركي، الذي تستخدمه هيئة المسح الجيولوجي الأميركية USGS لتقييم احتمالات الاهتزازات الأرضية الخطرة في مختلف أنحاء البلاد.

لكن خلافًا لما توحي به بعض العناوين المتداولة، فإن البيانات الجديدة لا تمثل توقعًا بوقوع زلزال كبير خلال الأيام أو الأشهر المقبلة، ولا تشير إلى أن العلماء تمكنوا من تحديد موعد الزلزال المقبل.

ما تغير هو تقدير مستوى الخطر طويل الأمد في عدد من المناطق، نتيجة إدخال بيانات جيولوجية وزلزالية أحدث وتحسين نماذج الفوالق وحركة الموجات الزلزالية.

ارتفاع واضح في تقديرات التعرض للزلازل

يعتمد نموذج National Seismic Hazard Model – NSHM على مجموعة واسعة من البيانات، تشمل النشاط الزلزالي التاريخي والحديث، ومعدلات حركة الفوالق، واحتمالات حدوث زلازل بأحجام مختلفة، إضافة إلى نماذج حركة الأرض والخصائص الجيولوجية المحلية.

وتوضح USGS أن خرائط الخطر لا تتنبأ بزلزال محدد، وإنما تحسب احتمال تجاوز مستويات معينة من الاهتزاز خلال فترات زمنية محددة. فعلى سبيل المثال، تعرض الخرائط احتمال تجاوز مستوى معين من التسارع الأرضي خلال 50 عامًا.

وتشير الأبحاث الحديثة المرتبطة بتطوير النموذج إلى أن تحسين البيانات والنماذج يمكن أن يؤدي إلى تغيرات مهمة في تقدير المخاطر، خصوصًا عند إدخال عوامل مثل انهيارات الأرض والسيولة الزلزالية وغيرها من التأثيرات الثانوية التي قد تحدث أثناء الزلازل.

وفي دراسة منشورة عام 2026 في مجلة Earthquake Spectra، أوضح باحثون من USGS أن استخدام نماذج أكثر تطورًا لتقييم البنية التحتية يمكن أن يكشف عن مخاطر كانت النماذج التقليدية تقلل من تقديرها، وفي بعض السيناريوهات يمكن أن يؤدي تجاهل مخاطر فشل التربة إلى التقليل من حجم الخسائر الإقليمية بأكثر من الضعف.

هل يعني ذلك أن «الزلزال الكبير» أصبح قريبًا؟

الخطر الزلزالي يختلف عن التنبؤ بالزلزال. يستطيع العلماء تقدير احتمال حدوث اهتزاز قوي في منطقة معينة خلال فترة زمنية طويلة، لكن العلم لا يستطيع حاليًا تحديد اليوم والساعة والمكان الدقيق والقوة لزلزال طبيعي كبير قادم.

وتؤكد USGS أن الارتفاع أو الانخفاض المؤقت في عدد الزلازل لا يمثل بحد ذاته مؤشرًا موثوقًا على أن زلزالًا كبيرًا أصبح وشيكًا.

وبالتالي، فإن عبارة «أمريكا تستعد للزلزال الكبير» ينبغي فهمها باعتبارها دعوة إلى الاستعداد وتقليل المخاطر، وليس باعتبارها تحذيرًا من حدث زلزالي وشيك.

أين يتركز الخطر الأكبر؟

لا يوجد «فالق أميركي واحد» يمكن اختزاله في مصطلح Big One، فالولايات المتحدة تضم عدة مناطق زلزالية مهمة، أبرزها:

كاليفورنيا:
حيث توجد منظومة واسعة من الفوالق النشطة، وفي مقدمتها فالق سان أندرياس.

منطقة كاسكاديا في شمال غرب الولايات المتحدة:
حيث توجد منطقة اندساس قادرة من الناحية الجيولوجية على إنتاج زلازل شديدة القوة، ولذلك يحظى سيناريو «الزلزال الكبير» هناك باهتمام خاص من السلطات والباحثين.

ألاسكا:
وهي من أكثر المناطق نشاطًا زلزاليًا في الولايات المتحدة، وتضم مناطق اندساس وفوالق قادرة على إنتاج زلازل كبيرة.

وسط وشرق الولايات المتحدة:
وتوجد فيهما أيضًا مناطق ذات نشاط زلزالي، رغم أنها أقل ارتباطًا في الوعي العام بفكرة الزلازل الكبرى مقارنة بالساحل الغربي.

وتوضح USGS أن نموذج الخطر الوطني يغطي الولايات المتحدة ويعتمد على معدلات النشاط الزلزالي ومعدلات انزلاق الفوالق واحتمالات الزلازل بمختلف الأحجام، مع الأخذ بالاعتبار تأثير الخصائص الجيولوجية المحلية على شدة الاهتزاز.

لماذا ترتفع تقديرات الخطر؟

ارتفاع تقدير الخطر لا يعني بالضرورة أن الأرض أصبحت فجأة أكثر نشاطًا.

هناك عدة أسباب يمكن أن تغير الخرائط والنماذج، أهمها:

  • اكتشاف أو إعادة تقييم فوالق نشطة.
  • الحصول على بيانات زلزالية أطول وأكثر دقة.
  • تحسين تقديرات معدل انزلاق الفوالق.
  • تطوير نماذج جديدة لحركة الموجات الزلزالية.
  • إدخال خصائص التربة والصخور في حساب شدة الاهتزاز.
  • تحسين تقدير مخاطر الانهيارات الأرضية والسيولة الزلزالية.
  • استخدام نماذج حاسوبية أكثر تطورًا لحساب الاحتمالات.

ولهذا فإن تغير خريطة الخطر لا يعني بالضرورة أن معدل حدوث الزلازل نفسه ارتفع فجأة.

ماذا يعني ذلك بالنسبة للأميركيين؟

المغزى الحقيقي من هذه الدراسات هو الاستعداد وليس التنبؤ.

فكلما تحسنت تقديرات الخطر، أصبحت السلطات أكثر قدرة على تحديد المناطق التي تحتاج إلى:

تدعيم المباني القديمة، تحديث قوانين البناء، حماية المستشفيات والمنشآت الحيوية، تأمين شبكات الكهرباء والمياه والاتصالات، وتحسين خطط الإخلاء والاستجابة للطوارئ.

وهذا مهم بشكل خاص في المدن الكبرى، حيث يمكن لزلزال قوي أن يؤدي إلى خسائر كبيرة ليس فقط بسبب انهيار المباني، وإنما بسبب الحرائق وانقطاع الخدمات والانهيارات الأرضية وتعطل البنية التحتية.

وماذا عن عبارة «ارتفاع الخطر لأول مرة منذ 12 عامًا»؟

هذه العبارة المتداولة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر.

فالمصادر الرسمية لـUSGS لا تقدم الأمر باعتباره إنذارًا جديدًا بزلزال كبير أو إعلانًا عن دخول الولايات المتحدة فترة استثنائية ستشهد فيها زلزالًا وشيكًا.

كما أن نماذج الخطر الزلزالي تُحدّث بصورة دورية، مع إدخال بيانات وأساليب جديدة. وقد شهدت الولايات المتحدة تحديثات متتالية للنماذج خلال السنوات الماضية، بما في ذلك تحديث النموذج الوطني للولايات المتحدة المتصلة في 2023، وتحديثات لاحقة لمناطق مثل بورتوريكو وجزر العذراء الأميركية.

لذلك فإن استخدام عبارة «لأول مرة منذ 12 عامًا» دون تحديد أي مؤشر زلزالي، وأي منطقة، وأي نموذج تتم مقارنته يمكن أن يعطي القارئ انطباعًا خاطئًا بأن العلماء رصدوا تغيرًا مفاجئًا في نشاط الأرض.

وتؤكد USGS أن الهدف الأساسي من نموذج الخطر الزلزالي الوطني هو توفير أساس علمي لتحسين تقييم المخاطر، وتصميم المباني والمنشآت، والتخطيط للطوارئ وتقليل الخسائر البشرية والاقتصادية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى