«إل نينيو» يشتعل والبحر المتوسط يغلي.. خريف 2026 قد يحمل مفاجآت جوية لسوريا

المركز السوري للطقس والمناخ
14 أيلول 2026
يدخل شرق المتوسط موسم الخريف هذا العام في ظروف مناخية تستحق المتابعة عن قرب. فالمحيط الهادئ الاستوائي يشهد واحدة من أقوى حالات «إل نينيو» المسجلة في العقود الأخيرة، بينما يواصل البحر المتوسط اتجاهه نحو الاحترار، مع ارتفاع ملحوظ في درجات حرارة مياهه الشرقية.
قد يبدو الربط بين ظاهرة تحدث على بعد آلاف الكيلومترات وبين طقس سوريا أمراً بعيداً، إلا أن الغلاف الجوي لا يتعامل مع المناطق المناخية باعتبارها أنظمة منفصلة. التغير الكبير في أحد أجزاء المحيطات يمكن أن يعيد ترتيب أنماط الضغط والتيارات النفاثة في مناطق بعيدة، وهذا هو السبب الذي يجعل تأثير «إل نينيو» موضوعاً مهماً عند دراسة خريف وشتاء 2026–2027.
لكن السؤال الأكثر دقة ليس ما إذا كان «إل نينيو» سيجلب الأمطار إلى سوريا، وإنما كيف يمكن أن يؤثر في البيئة الجوية التي تتحرك من خلالها المنخفضات نحو شرق المتوسط.
«إل نينيو» لا يتحرك باتجاه سوريا
«إل نينيو» هو في الأساس تغير واسع النطاق في درجات حرارة سطح البحر والحمل الحراري في المنطقة الاستوائية من المحيط الهادئ. وعندما يكون الحدث قوياً، فإنه يؤثر في توزيع الطاقة والحركة الصاعدة والهابطة للهواء في المناطق المدارية، فتتولد استجابات تمتد عبر الغلاف الجوي لمسافات بعيدة.
أحد أهم هذه الاستجابات يتمثل في موجات روسبي، وهي اضطرابات واسعة النطاق يمكن أن تغير شكل التيار النفاث ومواقع المرتفعات والأخاديد الجوية.
ومن هنا يبدأ المسار غير المباشر للتأثير: تغيرات في المحيط الهادئ يمكن أن تنتقل عبر الدورة الجوية العالمية، فتصل آثارها إلى أوروبا وحوض المتوسط.
وقد أظهرت دراسات منشورة في Geophysical Research Letters وجود علاقة بين حالات ENSO والتغيرات في الدورة الجوية والهطول فوق أجزاء من أوروبا والمتوسط، لكن العلاقة تختلف باختلاف الفصل والموقع، ولا يمكن تحويلها إلى قاعدة بسيطة تقول إن «إل نينيو يعني أمطاراً أكثر في سوريا».
وهذه نقطة مهمة جداً عند قراءة التوقعات الموسمية.
قوة «إل نينيو» هذا العام تجعل الخريف أكثر إثارة للاهتمام
بحسب آخر تحديثات مركز التنبؤات المناخية الأميركي، يستمر «إل نينيو» في التعزز خلال سبتمبر، مع تسجيل شذوذات مرتفعة جداً في حرارة سطح البحر في المحيط الهادئ الاستوائي، فيما تشير التوقعات إلى احتمال مرتفع لاستمرار الحدث بقوة كبيرة خلال الخريف والشتاء.
لكن تأثير هذا الحدث على سوريا لن يتحدد بقوته وحدها. فالغلاف الجوي فوق أوروبا والبحر المتوسط يتأثر في الوقت نفسه بعوامل أخرى، من بينها تذبذب شمال الأطلسي، وحالة المحيط الهندي، ودرجات حرارة المحيط الأطلسي، إضافة إلى التوزيع الحراري فوق القارة الأوروبية.
لذلك فإن قيمة «إل نينيو» بالنسبة للمتنبئ الجوي تكمن في كونه عاملاً يعيد تشكيل الاحتمالات، وليس مفتاحاً منفرداً للتنبؤ.
البحر المتوسط يدخل المعادلة
إذا كان «إل نينيو» يستطيع التأثير بصورة غير مباشرة في حركة الغلاف الجوي، فإن البحر المتوسط يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في خصائص المنخفض الذي يصل إلى المنطقة.
الدراسات الحديثة تشير إلى ارتفاع واضح في حرارة البحر المتوسط خلال العقود الماضية، وكان الاحترار في شرق الحوض من بين الأعلى. وتشير دراسة منشورة في Geophysical Research Letters إلى أن الاحترار بين عامي 1982 و2023 بلغ في المتوسط نحو درجتين مئويتين في شرق المتوسط، مقابل معدلات أقل في أجزاء من غرب الحوض.
هذه الزيادة ليست مجرد رقم في سجلات المناخ.
فالماء الأكثر دفئاً يعني قدرة أكبر على التبخر، وبالتالي وجود كمية أكبر من بخار الماء يمكن أن تدخل الغلاف الجوي عندما تكون الظروف الجوية مناسبة.
لكن البحر الدافئ لا يستطيع بمفرده إنشاء منخفض جوي. العامل الحاسم هو وجود منظومة ديناميكية مناسبة تسمح للهواء بالصعود وتطور السحب والمنخفض.
وهنا تكمن أهمية التفاعل بين الاثنين.
عندما يلتقي الهواء البارد بالبحر الدافئ
أحد السيناريوهات التي تستحق المراقبة خلال الخريف هو اندفاع كتلة هوائية باردة من أوروبا أو البلقان باتجاه شرق المتوسط فوق مياه لا تزال دافئة.
في هذه الحالة يمكن أن يصبح الفارق الحراري بين سطح البحر والهواء القادم من الشمال كبيراً، ما يزيد من عدم الاستقرار الجوي.
إذا تزامن ذلك مع أخدود بارد في الطبقات العليا وتدفق مناسب للرطوبة، فقد تتطور بيئة ملائمة للأمطار الغزيرة والعواصف الرعدية.
وهذه ليست فرضية نظرية فقط. فقد أظهرت أبحاث حول عواصف متوسطية قوية، بينها العاصفة دانيال عام 2023، أن ارتفاع حرارة سطح البحر يمكن أن يساهم في تعزيز شدة بعض العواصف وكميات الهطول عندما تتوافر العوامل الجوية الأخرى.
لكن من الخطأ استخدام هذه النتائج للقول إن كل منخفض يمر فوق البحر المتوسط سيصبح عاصفة شديدة. درجة حرارة البحر عامل مساعد، وليست العامل الوحيد.
ماذا يمكن أن يعني ذلك لسوريا؟
بالنسبة لسوريا، قد تكون القضية الأهم خلال خريف 2026 هي مسار المنخفضات وليس عددها فقط.
فعندما يتعمق أخدود علوي فوق جنوب شرق أوروبا، يمكن أن تتجه المنخفضات نحو بحر إيجه وقبرص وشرق المتوسط. وإذا تطور منخفض سطحي في الموقع المناسب، يمكن أن يدخل الساحل السوري ضمن منطقة التأثير.
وفي مثل هذه الحالة تصبح المناطق الساحلية والجبال الغربية أول المناطق المرشحة للتأثر، قبل أن يمتد النشاط، وفق موقع المنخفض ومحور الأخدود، نحو حمص وحماة ودمشق وريفها.
أما درعا والسويداء وبقية الجنوب السوري، فلا ينبغي استبعادها من التحليل، لكن وصول التأثير إليها يعتمد بصورة كبيرة على مدى تعمق الأخدود جنوباً وشرقاً وموقع مركز المنخفض.
وهنا يمكن لمسافة لا تتجاوز بضع مئات من الكيلومترات في موقع المنخفض أن تحدث فرقاً كبيراً في توزيع الأمطار داخل سوريا.
أما الرقة ودير الزور والحسكة والبادية، فتحتاج عادة إلى امتداد أعمق للمنخفض أو الأخدود نحو الشرق، مع توفر الرطوبة والرفع الجوي المناسبين.
هل يعني ذلك خريفاً ماطراً في سوريا؟
حتى الآن، سيكون من غير العلمي إصدار مثل هذا الحكم.
العلاقة بين ENSO وأمطار شرق المتوسط ليست مستقرة بما يكفي لاستخدام «إل نينيو» وحده للتنبؤ بموسم كامل. كما أن تأثير تغير المناخ يضيف عاملاً آخر إلى المعادلة.
فمن جهة، يميل المتوسط على المدى الطويل نحو ظروف أكثر جفافاً في أجزاء واسعة منه، ومن جهة أخرى يمكن أن تصبح بعض الحالات المطرية القصيرة أكثر شدة نتيجة زيادة الرطوبة المتاحة في الغلاف الجوي.
وهذا يقود إلى احتمال مهم بالنسبة لسوريا:
ليس بالضرورة أن نشهد عدداً أكبر من المنخفضات، وإنما قد تصبح بعض الحالات أكثر تركّزاً وشدة عندما تتوافر الظروف المناسبة.
وهذا الفرق بين «موسم ماطر» و«موسم يتضمن حالات مطرية شديدة» مهم جداً عند تقييم مستقبل الأمطار في المنطقة.



