كوارث طبيعية

كارثة فيضانات شمال نيبال: 270 قتيلاً ومئات المفقودين.. كيف تحولت انهيارات الجليد إلى جدار مدمر من المياه والحطام؟

تحولت مناطق واسعة من شمال نيبال، على الحدود مع الصين والتبت، إلى مسرح لكارثة طبيعية مدمرة بعد فيضانات خاطفة اجتاحت الوديان والبلدات الجبلية، مخلفة مئات القتلى والمفقودين ودماراً واسعاً في الطرق والجسور والمباني والمنشآت الحيوية.

وبحسب أحدث البيانات التي نشرتها السلطات النيبالية، ارتفع عدد القتلى في الجانب النيبالي إلى 270 شخصاً، فيما أُبلغ عن فقدان 644 شخصاً من المسجلين ضمن قطاع السياحة، بينهم 127 نيبالياً و517 أجنبياً ينتمون إلى نحو 30 دولة. ومع استمرار عمليات البحث، بقيت الأرقام مرشحة للارتفاع، خصوصاً مع صعوبة الوصول إلى المناطق الجبلية المتضررة.

ماذا حدث؟

بدأت الكارثة يوم 26 أغسطس/آب عندما شهدت منطقة جبلية في شمال نيبال انهياراً هائلاً لكتلة من الجليد والصخور من أحد المنحدرات الجليدية في جبال الهيمالايا.

وسقطت الكتلة المنهارة في مجرى مائي جبلي، ما أدى إلى إزاحة كميات ضخمة من المياه والطين والصخور، وتشكيل ما يشبه جداراً من المياه والحطام اندفع بسرعة كبيرة باتجاه المناطق الواقعة أسفل الجبال.

وتشير تقارير رويترز إلى أن تدفق الحطام قطع مسافة تزيد على 20 كيلومتراً، متسبباً في تدمير قرى ومنشآت وبنى تحتية على امتداد مساره.

ولم تكن المشكلة في كمية المياه وحدها؛ إذ حملت السيول معها كميات هائلة من الصخور والطين والجليد، الأمر الذي جعلها أشبه بتدفق كثيف من الحطام قادر على اقتلاع المباني وجرف المركبات والطرق والجسور.

هل كان زلزالاً؟

في الساعات الأولى للكارثة، ظهرت تقارير تربط الانهيار بزلزال، لكن الصورة العلمية بدأت تتضح لاحقاً.

وبحسب المعطيات التي نقلتها وسائل إعلام دولية عن هيئة المسح الجيولوجي الأميركية، فإن النشاط الزلزالي الذي رُصد في المنطقة كان مرتبطاً على الأرجح بانهيار الكتلة الجليدية والصخرية نفسها، وليس دليلاً على أن زلزالاً كبيراً كان السبب الأساسي للكارثة.

وتشير تقارير علمية إلى أن الانهيار الجليدي أحدث نشاطاً زلزالياً يعادل تقريباً زلزالاً بقوة 5.2 درجات، وهو ما ساهم في الالتباس الأولي حول طبيعة الحدث.

لماذا كانت الكارثة بهذه القوة؟

السبب المباشر كان انهيار الجليد والصخور، لكن السؤال الأهم هو: لماذا أصبحت المنحدرات والأنهار الجليدية في الهيمالايا أكثر عرضة لمثل هذه الأحداث؟

يرى خبراء أن ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الأنهار الجليدية وذوبان الجليد الدائم في المناطق الجبلية يمكن أن يؤدي إلى زيادة عدم استقرار المنحدرات، وبالتالي ارتفاع احتمالات حدوث انهيارات جليدية وصخرية مفاجئة.

وعندما تصل كتلة ضخمة من الجليد والصخور إلى وادٍ نهري ضيق، يمكن أن تؤدي إلى سد مؤقت للمياه، ثم انهيار هذا السد بصورة مفاجئة، ما يطلق موجة مائية شديدة القوة باتجاه المناطق المنخفضة.

ولهذا فإن الخطر في جبال الهيمالايا لا يرتبط بالفيضانات المطرية وحدها، بل بما يعرف بسلسلة المخاطر المتتابعة: ذوبان الجليد، انهيار جليدي أو صخري، سد نهر، ثم فيضان خاطف يحمل كميات هائلة من الحطام.

كارثة عابرة للحدود

لم تقتصر آثار الفيضانات على الأراضي النيبالية، إذ امتدت الكارثة إلى الجانب التبتي من الحدود الصينية.

وأفادت تقارير دولية بأن السيول والحطام اجتاحت مناطق في إقليم التبت، ودمرت منشآت وطرقاً ومعابر حدودية، فيما سجلت السلطات الصينية أيضاً قتلى ومفقودين.

وبحسب أحدث التقارير، تجاوز عدد القتلى في نيبال والتبت معاً 350 شخصاً، بينما تجاوز عدد المفقودين ألف شخص، ما يجعل الكارثة واحدة من أكبر الكوارث الطبيعية التي شهدتها منطقة الهيمالايا خلال السنوات الأخيرة.

السياح والأجانب في قلب عمليات البحث

زاد وجود أعداد كبيرة من السياح والحجاج والعمال الأجانب في المناطق المتضررة من تعقيد عمليات البحث.

وأعلنت السلطات النيبالية أن 644 شخصاً مرتبطين بقطاع السياحة أُبلغ عن فقدانهم، بينهم مئات الأجانب من نحو 30 دولة.

وتشير التقارير إلى وجود مواطنين من دول عديدة بين المفقودين، فيما تواجه السلطات صعوبة في تحديد مصير بعض الأشخاص بسبب انقطاع الاتصالات وتدمير الطرق والجسور وصعوبة الوصول إلى المناطق الجبلية.

عمليات الإنقاذ تواجه ظروفاً صعبة

دفعت نيبال بقوات من الجيش وفرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، فيما تستخدم المروحيات لإجلاء الناجين ونقل المساعدات والمواد الطبية إلى المناطق التي قطعت عنها الطرق.

لكن عمليات البحث تواجه تحديات كبيرة، أبرزها استمرار خطر الانهيارات الأرضية، وتضرر الطرق والجسور، وصعوبة الوصول إلى الأودية الجبلية، إضافة إلى احتمال حدوث فيضانات جديدة في بعض المناطق نتيجة تراكم المياه خلف الانهيارات.

وتخشى فرق الإنقاذ من أن تكون بعض المناطق قد دُفنت بالكامل تحت الطين والصخور، الأمر الذي يجعل عمليات تحديد أعداد الضحايا والمفقودين عملية صعبة وقد تستغرق وقتاً طويلاً.

هل التغير المناخي مسؤول؟

من المبكر علمياً القول إن التغير المناخي تسبب وحده في هذه الكارثة، لكن العلماء يرون أن ارتفاع حرارة منطقة الهيمالايا وتراجع الأنهار الجليدية يزيدان من المخاطر التي يمكن أن تقود إلى كوارث من هذا النوع.

فذوبان الجليد لا يعني بالضرورة حدوث فيضان مباشر، لكنه قد يغير استقرار المنحدرات ويزيد احتمالات تشكل البحيرات الجليدية أو انهيار الكتل الجليدية والصخرية.

وتحذر الدراسات العلمية من أن منطقة هندوكوش والهيمالايا تواجه تغيرات متسارعة في الأنهار الجليدية والتربة الصقيعية، وهو ما يمكن أن يزيد مخاطر الانهيارات والفيضانات الجليدية المفاجئة في المستقبل.

كارثة تكشف هشاشة المناطق الجبلية

تكشف كارثة شمال نيبال أن الخطر المناخي في المناطق الجبلية لا يأتي دائماً على شكل أمطار غزيرة أو فيضانات تقليدية.

في هذه الحالة، بدأت الكارثة من ارتفاعات شاهقة، حيث انهارت كتلة ضخمة من الجليد والصخور، ثم تحولت إلى موجة مدمرة من المياه والطين والحطام اجتاحت المناطق الواقعة أسفلها خلال فترة قصيرة جداً.

وهذا النوع من الكوارث يمثل تحدياً كبيراً لأن الوقت المتاح للتحذير والإخلاء قد يكون محدوداً للغاية.

ومع استمرار عمليات البحث عن المفقودين، تبقى الحصيلة النهائية للكارثة غير معروفة، فيما تستمر السلطات النيبالية والصينية في عمليات الإنقاذ وتقييم حجم الأضرار.

وتؤكد كارثة نيبال مجدداً أن تغير المناخ في المناطق الجبلية لا يعني فقط ذوبان الأنهار الجليدية، بل يمكن أن يخلق سلسلة معقدة من المخاطر الطبيعية، تبدأ من الجليد وتنتهي بفيضانات خاطفة قادرة على محو قرى ومنشآت كاملة خلال دقائق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى