موجة حر قوية تضرب جنوب أوروبا والبحر المتوسط.. القبة الحرارية تعيد درجات الحرارة إلى مستويات قياسية

إعداد: المركز السوري للطقس والمناخ
6 سبتمبر/أيلول 2026
تشهد أجزاء واسعة من جنوب وغرب أوروبا ومحيط البحر المتوسط موجة حر قوية وغير اعتيادية خلال الأيام الأولى من سبتمبر، مع استمرار درجات الحرارة عند مستويات شديدة الارتفاع في إسبانيا وفرنسا وأجزاء من إيطاليا وحوض المتوسط.
ولا تقتصر أهمية الحالة على ارتفاع درجات الحرارة فقط، بل تأتي في وقت يفترض فيه أن تبدأ القارة الأوروبية انتقالها التدريجي نحو أجواء الخريف، ما يجعل استمرار الحرارة الشديدة خلال سبتمبر أكثر لافتًا من الناحية المناخية.
أرقام قياسية في إسبانيا
بلغت شدة الموجة ذروتها مبكرًا في إسبانيا، حيث سجلت محطة El Granado في مقاطعة هويلفا 45.7°م يوم 3 سبتمبر، وهي قيمة تعادل أعلى درجة حرارة مسجلة في إسبانيا خلال شهر سبتمبر.
كما سجلت محطات في إشبيلية وفوينتس دي أندالوسيا وأندوجار درجات تجاوزت 44°م في اليوم نفسه. وفي 4 سبتمبر بقيت مناطق أخرى من إسبانيا شديدة الحرارة، مع تسجيل 44.7°م في فوينكالينتي و43.1°م في مونتورو.
وهذه الأرقام تؤكد أن الحالة ليست مجرد ارتفاع حراري متوقع، بل موجة حر بدأت بالفعل وحققت قيمًا استثنائية في بعض المناطق.
لماذا ترتفع الحرارة بهذه القوة؟
السبب الرئيسي هو تشكل مرتفع جوي قوي وممتد فوق أجزاء من غرب وجنوب أوروبا والبحر المتوسط، مع امتداد مرتفع علوي يعمل على تثبيت الكتلة الهوائية ومنع الأنظمة الجوية الباردة من التحرك بسهولة نحو المنطقة.
في مثل هذا النمط، يهبط الهواء داخل المرتفع الجوي، ومع هبوطه يتعرض للانضغاط والتسخين أديباتيًا. وفي الوقت نفسه يؤدي استقرار الغلاف الجوي إلى انخفاض تكوّن السحب وزيادة ساعات الإشعاع الشمسي.
وتتزامن هذه العملية مع اندفاع كتلة هوائية دافئة جدًا من شمال إفريقيا باتجاه أوروبا، ما يؤدي إلى تراكم الحرارة يومًا بعد آخر.
ولهذا يستخدم الإعلام وقطاع الأرصاد مصطلح “القبة الحرارية – Heat Dome” لوصف هذا النوع من الحالات عندما يصبح المرتفع الجوي قويًا وثابتًا نسبيًا لفترة تسمح بتراكم الحرارة.
وتشير التوقعات المنشورة إلى أن الكتلة الدافئة القادمة من شمال إفريقيا والمرتفع المستقر فوق المتوسط هما العاملان الأساسيان في هذه الموجة.
فرنسا تدخل ذروة جديدة من الحرارة
تشير أحدث التوقعات الفرنسية إلى استمرار ارتفاع الحرارة في جنوب فرنسا، مع إمكانية وصول درجات الحرارة إلى 40°م يوم الأحد 6 سبتمبر في أجزاء من الجنوب الغربي وخصوصًا أوكسيتانيا.
وقد أصدرت Meteo Consult تحذيرات من ارتفاع شديد للحرارة في عدد من المقاطعات الفرنسية، مع توقعات باستمرار المرحلة الأشد حتى يوم الاثنين 7 سبتمبر على الأقل في بعض المناطق.
وهذا يعني أن فرنسا لا تواجه مجرد يوم حار عابر، وإنما امتدادًا واضحًا للكتلة الهوائية الحارة فوق جنوب البلاد.
وماذا عن إيطاليا؟
إيطاليا تقع على الطرف الآخر من النظام الحراري، لكن شدة الحرارة تختلف بصورة كبيرة من منطقة إلى أخرى.
وتشير التوقعات الحالية إلى أجواء حارة ومستقرة في أجزاء من إيطاليا، مع درجات تقترب من منتصف الثلاثينيات في مناطق واسعة، بينما يمكن أن تكون القيم أعلى في بعض المناطق الداخلية والمنخفضة.
لذلك فإن الحديث عن 44°م في كل إيطاليا سيكون مبالغة؛ فالحرارة القصوى تختلف بشدة بحسب الموقع والتضاريس والقرب من البحر.
لماذا لا تتأثر بريطانيا بالطريقة نفسها؟
الفارق الجغرافي والديناميكي مهم جدًا.
بينما يتمركز الجزء الأقوى من المرتفع والكتلة الهوائية الحارة فوق جنوب وغرب أوروبا والمتوسط، تبقى المملكة المتحدة على هامش النظام.
وتتوقع هيئة الأرصاد البريطانية وصول الحرارة إلى نحو 27°م في جنوب شرق إنجلترا يوم الأحد 6 سبتمبر، مع أجواء دافئة ورطبة مؤقتًا، قبل وصول تغير جوي أكثر برودة وأمطارًا خلال الأيام التالية.
وتشير توقعات Met Office إلى أن درجات الحرارة ستعود نحو المعدلات المعتادة في بداية الأسبوع، مع وصول أجواء أكثر انتعاشًا بعد عبور الأمطار.
وهذا يوضح أن الموجة ليست قارة أوروبية شاملة، وإنما تتركز بشكل أساسي في جنوب وغرب القارة وحوض المتوسط.
كم ستستمر الموجة؟
وفق المعطيات المتاحة حتى 6 سبتمبر 2026، فإن الموجة ليست متوقعة أن تنتهي في غضون 24 أو 48 ساعة بالنسبة لجميع المناطق.
الأقرب علميًا هو تقسيمها إلى مراحل:
| الفترة | تطور الحالة |
|---|---|
| 3–5 سبتمبر | بدء/تصاعد الحرارة الشديدة في إسبانيا وأجزاء من غرب المتوسط |
| 6–7 سبتمبر | ذروة الحرارة في أجزاء من جنوب فرنسا وإسبانيا ومناطق متوسطية |
| 8–10 سبتمبر | بداية تراجع تدريجي في بعض المناطق مع تغير توزيع المرتفع والكتل الهوائية |
| بعد 10 سبتمبر | استمرار الدفء في بعض مناطق المتوسط مع تراجع واضح للحرارة القصوى في المناطق التي تتأثر بكتل هوائية أكثر اعتدالًا |
وبالتالي، فإن المرحلة الأشد من الموجة يُرجح أن تستمر نحو 2–4 أيام إضافية في بعض المناطق، بينما قد يستمر أثر الكتلة الحارة بصورة أضعف لنحو أسبوع أو أكثر في أجزاء أخرى من حوض المتوسط.
ومن المهم عدم التعامل مع الرقم “44°م” على أنه حد ثابت لكل المنطقة؛ فالتوزيع الجغرافي للحرارة سيتغير يومًا بعد يوم.
عامل آخر يزيد خطورة الموجة: جفاف التربة
لا تأتي الحرارة الحالية فوق بيئة طبيعية رطبة.
فصيف 2026 شهد ظروفًا حرارية استثنائية في أجزاء واسعة من أوروبا، مع استمرار آثار الجفاف والحرائق في العديد من المناطق.
عندما تكون التربة جافة، تقل كمية الطاقة التي تُستهلك في تبخر المياه، وتتحول نسبة أكبر من الطاقة الشمسية إلى تسخين سطح الأرض والهواء القريب منه.
وهذا يمكن أن يزيد من شدة الحرارة السطحية ويؤدي إلى ارتفاع أسرع في درجات الحرارة خلال ساعات النهار.
هل تغير المناخ هو سبب الموجة؟
من المهم علميًا التمييز بين سبب الحالة الجوية المباشر والخلفية المناخية التي تزيد من شدة الظواهر المتطرفة.
المسبب المباشر للموجة الحالية هو النمط الجوي المتمثل في المرتفع الجوي القوي، والهواء الحار القادم من شمال إفريقيا، والاستقرار الجوي.
لكن ارتفاع حرارة المناخ يجعل الوصول إلى درجات الحرارة القصوى أكثر احتمالًا، كما يجعل بعض موجات الحر أطول وأكثر شدة مقارنة بما كان معتادًا في المناخ السابق.
ويشير المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى ECMWF وخدمة كوبرنيكوس إلى أن أوروبا شهدت خلال 2026 سلسلة من موجات الحر الشديدة، وأن ارتفاع درجات الحرارة وتكرار موجات الحر أصبحا من أبرز مظاهر التغير المناخي في القارة.
كما أكد تقرير حالة المناخ الأوروبي أن ارتفاع الحرارة في أوروبا أصبح مرتبطًا بزيادة مخاطر موجات الحر والجفاف وحرائق الغابات، ولا سيما في منطقة المتوسط.
وبالنسبة لسوريا وشرق المتوسط، فإن السؤال الأهم الآن ليس فقط: هل ستنتهي موجة أوروبا؟ بل هل سيتحرك محور المرتفع والكتلة الحارة شرقًا خلال الأيام التالية؟ وهذا هو الجزء الذي يستحق المتابعة، لأن تغير موقع المرتفع قد يؤثر في درجات الحرارة والرياح والاستقرار الجوي فوق بلاد الشام.
المصادر:
AEMET – وكالة الأرصاد الجوية الإسبانية.
Met Office – هيئة الأرصاد البريطانية.
Météo Consult – التحذيرات والتوقعات الفرنسية.
ECMWF / Copernicus – المركز الأوروبي للتنبؤات وخدمة تغير المناخ.
Severe Weather Europe – تحليل بنية القبة الحرارية وتطور الكتلة الحارة.



