دراسات مناخية

إل نينيو يتجه نحو ذروة استثنائية.. ماذا ينتظر سوريا وشرق المتوسط في شتاء 2026–2027؟

3 سبتمبر/أيلول 2026المركز السوري للطقس والمناخ

إل نينيو يدخل المرحلة الأخطر.. والنماذج ترفع مستوى التحذير

تقترب ظاهرة إل نينيو 2026–2027 من واحدة من أهم مراحل تطورها، بعدما أظهرت أحدث البيانات الدولية استمرار ارتفاع حرارة المحيط الهادئ الاستوائي واتساع نطاق التأثيرات الجوية المرتبطة بالظاهرة.

وتشير أحدث التقييمات الدولية إلى أن إل نينيو يتجه خلال الخريف نحو فئة «قوي جدًا»، مع احتمال كبير لبلوغ ذروة القوة خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر وديسمبر 2026.

لكن أهمية الحدث لا تتوقف عند المحيط الهادئ. فالتطور الحالي يفتح الباب أمام تغيرات واسعة في أنماط الأمطار ودرجات الحرارة حول العالم خلال الأشهر المقبلة، في وقت تدخل فيه سوريا وشرق المتوسط الموسم المطري الجديد وسط مجموعة معقدة من المؤثرات المناخية.

وبحسب أحدث توقعات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن احتمال استمرار إل نينيو حتى فبراير/شباط 2027 يقترب من 100%، بينما تظهر النماذج احتمالًا مرتفعًا جدًا لاستمرار الحالة القوية خلال شتاء النصف الشمالي.


حرارة المحيط الهادئ تواصل الارتفاع

تُعد حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائي المؤشر الأساسي لمراقبة تطور إل نينيو، إلا أن العلماء يراقبون في الوقت نفسه الحرارة المخزنة تحت سطح المحيط، لأنها تساعد على تحديد قدرة الظاهرة على الاستمرار والتعزز.

وأظهرت بيانات معهد IRI أن مؤشر Niño 3.4 وصل إلى نحو +2.03 درجة مئوية خلال يوليو 2026، بينما بلغت إحدى أحدث القيم الأسبوعية المتاحة نحو +2.7 درجة مئوية.

وتكتسب هذه الأرقام أهمية خاصة لأن بلوغ شذوذ Niño 3.4 مستوى +2 درجة مئوية أو أكثر يضع الحدث ضمن الفئة القوية جدًا في التصنيفات المستخدمة لمراقبة ENSO.

كما ظهرت خلال الصيف حرارة شديدة في الطبقات تحت السطحية من المحيط الهادئ، وهو ما يوفر دعمًا إضافيًا لاستمرار التطور الحالي خلال الخريف.

وتشير أحدث النماذج إلى أن هذه الحرارة لا تزال قادرة على تغذية سطح المحيط خلال الأشهر المقبلة، ما يفسر استمرار السيناريوهات التي تتوقع ذروة قوية جدًا للظاهرة.


15 نموذجًا تتوقع +3 درجات مئوية أو أكثر

تكشف توقعات IRI متعددة النماذج عن مدى قوة الإشارة الحالية.

فمن بين 26 نموذجًا مشاركًا في التوقعات، يتوقع 25 نموذجًا بقاء Niño 3.4 ضمن فئة إل نينيو القوي جدًا خلال الفترة أكتوبر–ديسمبر 2026.

والأكثر أهمية أن 15 نموذجًا من أصل 26 تتوقع وصول الشذوذ الحراري إلى +3 درجات مئوية أو أكثر خلال الفترة نفسها.

ولا يعني ذلك أن الوصول إلى +3 درجات أصبح أمرًا مؤكدًا، لكنه يكشف أن احتمال حدوث إل نينيو استثنائي القوة أصبح سيناريو رئيسيًا في مجموعة التوقعات، وليس احتمالًا هامشيًا.

كما تبقي نماذج IRI احتمال استمرار إل نينيو عند مستويات مرتفعة جدًا خلال شتاء 2026–2027.


لماذا قد تكون هذه الظاهرة مؤثرة عالميًا؟

إل نينيو لا يغير الطقس فوق المحيط الهادئ فقط، بل يعيد تنظيم أجزاء من الدورة الجوية العالمية.

فعندما ترتفع حرارة المحيط الهادئ الاستوائي بصورة كبيرة، تتغير مناطق صعود الهواء وهبوطه والحمل الحراري، وتتأثر الرياح التجارية، ثم تنتقل هذه التغيرات عبر الغلاف الجوي على شكل موجات واسعة يمكن أن تؤثر في التيارات النفاثة ومسارات العواصف في مناطق بعيدة جدًا عن المحيط الهادئ.

ولهذا يمكن أن تشهد مناطق من العالم زيادة في الأمطار، بينما تتعرض مناطق أخرى للجفاف والحرارة والحرائق.

وهذه الاستجابة ليست متطابقة في كل حدث من أحداث إل نينيو، كما أن تأثير الظاهرة يتداخل مع مؤثرات أخرى مثل ثنائي قطب المحيط الهندي IOD والتذبذبات الجوية في شمال الأطلسي والبحر المتوسط.


من أستراليا إلى شرق أفريقيا.. خريطة التأثير العالمي تتغير

من المناطق التي ترتبط تقليديًا بإل نينيو أستراليا وإندونيسيا وجنوب شرق آسيا، حيث يمكن أن ترتفع مخاطر الحرارة والجفاف والحرائق خلال مراحل معينة من الظاهرة.

وفي المقابل، تظهر أجزاء من شرق أفريقيا عادةً ضمن المناطق التي يمكن أن تستفيد من زيادة الهطولات خلال موسم الأمطار القصيرة الممتد في نهاية العام.

أما أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، فتتغير فيها أنماط الأمطار ودرجات الحرارة ومسارات العواصف بصورة تختلف من منطقة إلى أخرى.

وفي جنوب آسيا، يمكن أن تتأثر الرياح الموسمية الهندية، مع احتمال تغير توزيع الأمطار بين الفترات الجافة والهطولات الشديدة.

وهنا تظهر إحدى خصائص إل نينيو الأساسية: قوة الظاهرة لا تعني أن جميع مناطق العالم ستتعرض لتأثير واحد.


IOD يدخل المشهد ويزيد تعقيد التوقعات

في الوقت الذي يشتد فيه إل نينيو، تشير النماذج أيضًا إلى استمرار ثنائي قطب المحيط الهندي IOD في الجانب الإيجابي خلال الخريف.

وهذا العامل مهم بالنسبة إلى الشرق الأوسط، لأن تغير حرارة الجزء الغربي والشرقي من المحيط الهندي يؤثر في الحمل الحراري والرطوبة والدوران الجوي فوق مناطق واسعة من آسيا والمحيط الهندي.

وتشير توقعات IRI إلى بقاء الإشارة الإيجابية لـIOD خلال جزء كبير من الخريف وحتى نهاية العام، قبل اتجاهها نحو الحياد مع بداية 2027.

لكن العلاقة بين IOD والأمطار في بلاد الشام ليست بسيطة، إذ أظهرت دراسات حديثة أن بعض حالات IOD الإيجابي يمكن أن ترتبط بزيادة احتمالات فترات الجفاف الشتوية المستمرة في منطقة بلاد الشام.

وهذا يوضح سبب ضرورة عدم استخدام إل نينيو وحده لتوقع موسم سوريا.


ماذا تقول النماذج عن سوريا؟

هنا تصبح الصورة أكثر أهمية بالنسبة إلى المنطقة.

فعلى الرغم من أن إل نينيو لا يملك علاقة مباشرة وبسيطة مع طقس سوريا، فإن أحدث التوقعات الموسمية متعددة النماذج تعطي إشارة إيجابية لهطولات الشرق الأوسط خلال خريف وشتاء 2026–2027.

ويظهر ذلك بصورة واضحة في توقعات IRI، التي تعطي احتمالات مرتفعة لهطول أعلى من المعدل على الشرق الأوسط خلال الفترات الموسمية الممتدة من الخريف إلى الشتاء.

وهذه الإشارة مهمة لأنها لا تأتي من نموذج واحد فقط، وإنما من نظام تنبؤ موسمي متعدد النماذج.

لكنها تبقى إشارة احتمالية وليست توقعًا قطعيًا لكمية الأمطار في سوريا.


ECMWF يرسم تحولًا واضحًا من الخريف إلى الشتاء

تقدم بيانات ECMWF SEAS5 المتاحة من تشغيل أغسطس 2026 صورة أكثر تفصيلًا للتطور داخل الموسم.

وتظهر القيم النموذجية منخفضة خلال أغسطس وسبتمبر، قبل حدوث ارتفاع واضح اعتبارًا من أكتوبر، ثم استمرار الزيادة خلال نوفمبر وديسمبر ويناير.

وتشير هذه البيانات إلى انتقال واضح من النشاط المطري المحدود في نهاية الصيف وبداية الخريف إلى موسم أكثر نشاطًا خلال أكتوبر–يناير.


هل نحن أمام شتاء ممطر في سوريا؟

وفق المعطيات المتاحة حتى 3 سبتمبر 2026، تميل الكفة في التوقعات الموسمية إلى الجانب الرطب أكثر من الجانب الجاف بالنسبة إلى الشرق الأوسط.

لكن التعبير العلمي الأدق هو:

هناك إشارة موسمية نحو احتمالات هطول أعلى من المعدل، وليس توقعًا مؤكدًا لشتاء شديد الأمطار في سوريا.

وهذا الفرق مهم للغاية.

فالتنبؤ الموسمي يستطيع أن يعطي احتمالات لانحراف الموسم عن معدله المناخي، لكنه لا يستطيع تحديد عدد المنخفضات الجوية أو توقيت العواصف أو كمية المطر التي ستسقط خلال كل منخفض.

قد يكون الموسم أعلى من المعدل بسبب عدد محدود من الحالات الغزيرة، بينما تمر فترات طويلة دون أمطار.


أكتوبر قد يكون نقطة التحول

إذا حافظت النماذج على الإشارة الحالية، فقد يكون أكتوبر 2026 أحد الأشهر التي يبدأ خلالها الفرق بين نهاية الصيف والموسم المطري بالظهور بوضوح.

وتظهر بيانات ECMWF ارتفاعًا ملحوظًا في الهطول النموذجي منذ أكتوبر، بينما يصبح النشاط المطري أكثر وضوحًا خلال نوفمبر وديسمبر ويناير.

وهذا لا يعني أن أول منخفض قوي سيحدث بالضرورة في أكتوبر، وإنما يعني أن النظام المناخي يدخل تدريجيًا المرحلة التي تصبح فيها الظروف أكثر ملاءمة للنشاط المطري في شرق المتوسط.


البحر المتوسط قد يكون العامل الحاسم

بالنسبة إلى سوريا وبلاد الشام، قد يكون البحر المتوسط أكثر أهمية من إل نينيو نفسه عندما ننتقل إلى التفاصيل الإقليمية.

فالأمطار الشتوية في سوريا تعتمد بصورة كبيرة على المنخفضات المتوسطية ومساراتها، وعلى تفاعلها مع الهواء البارد القادم من أوروبا والأناضول.

وتشير دراسة حديثة في Weather and Climate Dynamics إلى أن تغيرات حرارة البحر المتوسط وامتصاصه للحرارة يمكن أن تحمل إشارات مبكرة مرتبطة بهطولات الشتاء في بلاد الشام، من خلال تأثيرها في التيار النفاث ومسارات العواصف المتوسطية.

ولهذا السبب، ستصبح مراقبة حرارة البحر المتوسط والتيار النفاث ومجال الضغط عند 500 هكتوباسكال خلال سبتمبر وأكتوبر أكثر أهمية عند تقييم فرص موسم سوريا.


ماذا عن الحرارة؟

المفارقة المهمة أن زيادة احتمالات الأمطار لا تعني بالضرورة شتاءً باردًا.

فالتوقعات العالمية الحالية تميل بقوة إلى استمرار درجات الحرارة فوق المعدل في مناطق واسعة من العالم، نتيجة الجمع بين الاحترار العالمي المستمر والتأثير الحراري لإل نينيو.

وبالتالي، من الممكن مناخيًا أن يتزامن:

موسم مطري أعلى من المعدل + متوسط حراري أعلى من المعدل.

وهذا قد يحدث إذا تركزت الأمطار خلال فترات قصيرة بينما استمرت فترات الاستقرار والدفء لفترات أطول.


وهل يعني ذلك ثلوجًا أكثر في سوريا؟

لا يمكن الوصول إلى هذه النتيجة من التوقعات الحالية.

فالثلوج تحتاج إلى اجتماع عدة عوامل في الوقت نفسه، أهمها:

درجة حرارة الطبقات الجوية، سماكة الهواء البارد، ارتفاع مستوى التجمد، مسار المنخفض، اتجاه الرياح، وارتفاع المنطقة عن سطح البحر.

لذلك فإن وجود إشارة موسمية إيجابية للأمطار لا يعني تلقائيًا زيادة الثلوج.

والتوقعات الخاصة بالثلوج تحتاج إلى نماذج عددية قصيرة ومتوسطة المدى عندما تقترب الحالات الجوية من المنطقة.


ماذا نراقب خلال الأسابيع المقبلة؟

ستكون تحديثات سبتمبر وأكتوبر حاسمة لتقييم ما إذا كانت الإشارة الحالية ستستمر.

ومن أهم المؤشرات التي ينبغي مراقبتها:

مؤشر Niño 3.4 لمعرفة ما إذا كان إل نينيو سيواصل الاقتراب من مستويات +3°C.

IOD لمعرفة ما إذا كان الطور الإيجابي سيستمر حتى نهاية الخريف.

ضغط 500 هكتوباسكال فوق أوروبا وشرق المتوسط لمعرفة نمط التوزيع الجوي.

التيار النفاث شبه المداري والقطبي لمعرفة مسارات العواصف.

حرارة البحر المتوسط باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تغذية المنخفضات المتوسطية.

تحديثات ECMWF وC3S وIRI متعددة النماذج لمعرفة ما إذا كانت الإشارة الرطبة للشرق الأوسط ستستمر أو تتراجع.


الخلاصة: إشارة رطبة.. لكن لا يمكن إعلان «شتاء استثنائي» بعد

حتى 3 سبتمبر 2026، تشير البيانات الدولية إلى أن إل نينيو يتجه بقوة نحو ذروة قوية جدًا خلال أواخر 2026، مع إجماع مرتفع بين النماذج على استمرار الظاهرة خلال شتاء 2026–2027.

وعالميًا، يمكن أن يؤدي هذا الحدث إلى إعادة توزيع كبيرة لمناطق الأمطار والجفاف والحرارة، مع احتمال استمرار تأثيراته الحرارية إلى عام 2027.

أما في سوريا وشرق المتوسط، فالصورة أكثر تعقيدًا.

النماذج الموسمية الحالية لا تظهر إشارة واضحة إلى شتاء جاف بسبب إل نينيو. بل تميل التوقعات متعددة النماذج إلى زيادة احتمالات الهطول فوق المعدل في الشرق الأوسط خلال الخريف والشتاء، بينما يظهر تشغيل ECMWF المتاح تحولًا نحو نشاط مطري أكبر في سوريا منذ أكتوبر واستمراره خلال أشهر الشتاء.

لكن لا توجد حتى الآن مبررات علمية كافية لوصف شتاء 2026–2027 بأنه «استثنائي» أو «عاصف» أو «ثلجي».

الرسالة الأهم في هذه المرحلة هي أن ميزان التوقعات يميل إلى موسم مطري نشط نسبيًا، وليس إلى سيناريو جاف واضح، بينما ستحدد تفاعلات إل نينيو مع IOD والبحر المتوسط والتيارات النفاثة شكل الشتاء الفعلي في بلاد الشام.

وخلال الأسابيع المقبلة، ستكون قيمة التوقعات أعلى بكثير عندما تبدأ النماذج بإظهار تفاصيل أكثر ثباتًا في توزيع الضغط الجوي ومسارات المنخفضات المتوسطية.

المركز السوري للطقس والمناخ
متابعة مستمرة لتطور إل نينيو وتوقعات خريف وشتاء 2026–2027 في سوريا وشرق المتوسط.

المصادر العلمية

المنظمة العالمية للأرصاد الجوية WMO – ENSO والتوقعات المناخية الموسمية.

المعهد الدولي لبحوث المناخ والمجتمع IRI – تحديث ENSO والتوقعات الموسمية متعددة النماذج، أغسطس 2026.

المركز الأمريكي للتنبؤ المناخي NOAA/CPC – مراقبة ENSO والتوقعات الموسمية.

المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى ECMWF – نظام SEAS5 للتنبؤات الموسمية.

خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ C3S – التوقعات الموسمية متعددة النماذج.

دراسات حديثة حول قابلية التنبؤ بهطولات الشتاء في بلاد الشام وتفاعل البحر المتوسط وIOD مع الدورة الجوية الإقليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى