طقس العالم

صيف 2026 يختتم موسمه على وقع موجات حر وجفاف وحرائق واسعة في نصف الكرة الشمالي

مع دخول نصف الكرة الشمالي فصل الخريف المناخي، يترك صيف عام 2026 وراءه سلسلة واسعة من الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة، من موجات الحر الطويلة والقياسية إلى الجفاف وحرائق الغابات، في وقت سجلت فيه مساحات واسعة من اليابسة والمحيطات درجات حرارة مرتفعة بشكل استثنائي.

وقالت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إن درجات حرارة قياسية لسطح اليابسة والبحار، إلى جانب موجات الحر والجفاف والحرائق والفيضانات، شكلت أبرز ملامح حالة المناخ خلال يوليو وبداية أغسطس 2026.

حرارة استثنائية امتدت عبر مناطق واسعة

لم تكن الحرارة المرتفعة خلال صيف 2026 مقتصرة على منطقة جغرافية واحدة، إذ شهدت أجزاء من أوروبا وأمريكا الشمالية وآسيا ومناطق أخرى موجات حر متكررة وطويلة الأمد.

وأظهرت بيانات خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ أن يوليو 2026 جاء في المرتبة الثانية بالمشاركة بين أكثر أشهر يوليو حرارة على مستوى العالم، متعادلاً مع يوليو 2024، مع تسجيل فروق حرارية كبيرة عن المعدلات المعتادة في مناطق واسعة، ولا سيما أوروبا.

وفي أوروبا، بدأت موجات الحر مبكراً خلال الموسم واستمرت على فترات متكررة حتى أغسطس، مع تسجيل درجات حرارة مرتفعة للغاية في عدد من الدول. وأشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن الحرارة الشديدة ساهمت في تفاقم الجفاف وارتفاع خطر حرائق الغابات وتسجيل أرقام قياسية وطنية في درجات الحرارة.

أما في الولايات المتحدة، فقد شهد الغرب الأمريكي موجات حر قوية خلال أغسطس، وصلت خلالها درجات الحرارة في بعض المناطق إلى مستويات قريبة من الأرقام القياسية، بالتزامن مع ظروف جافة رفعت خطر اندلاع وانتشار الحرائق.

الجفاف يضغط على أوروبا والقطاع الزراعي

كان الجفاف أحد أبرز ملامح صيف 2026، وظهر تأثيره بوضوح في عدد من المناطق الأوروبية.

وأفادت أسوشيتد برس بأن الجفاف الذي ضرب أجزاء واسعة من أوروبا خلال الصيف ألحق أضراراً بالمحاصيل الزراعية، من البطاطا والبصل في هولندا إلى محاصيل الحبوب في مناطق أخرى، مع تراجع الرطوبة في التربة وارتفاع الضغوط على القطاع الزراعي.

ولا يقتصر تأثير الجفاف على الزراعة، إذ يمكن أن يؤدي انخفاض رطوبة التربة والغطاء النباتي إلى زيادة قابلية اندلاع الحرائق وانتشارها، كما يضغط على الموارد المائية والأنظمة البيئية.

وفي مناطق من جنوب وشرق أوروبا، تزامنت درجات الحرارة المرتفعة مع فترات طويلة من نقص الأمطار، ما جعل ظروف الغطاء النباتي أكثر جفافاً وقابلية للاشتعال.

حرائق الغابات تضيف بعداً آخر للصيف المتطرف

كان موسم الحرائق من أبرز مظاهر الصيف في عدد من مناطق نصف الكرة الشمالي.

ففي أوروبا، ساهمت الحرارة المرتفعة والجفاف في زيادة مخاطر الحرائق، بينما شهدت مناطق من أمريكا الشمالية أيضاً حرائق واسعة في ظل ظروف جوية وبيئية مواتية لانتشار النيران.

وفي جنوب شرق آسيا، ازدادت المخاوف من حرائق الغابات والأراضي الخثية في إندونيسيا، حيث اضطرت السلطات إلى تكثيف عمليات مكافحة الحرائق الجوية والبرية، فيما امتد الدخان إلى أجزاء من ماليزيا. وربطت تقارير حديثة بين ظروف الجفاف المرتبطة بتطور ظاهرة إل نينيو وازدياد قابلية الأراضي للاشتعال.

وتأتي هذه التطورات في سياق عالمي شهد ارتفاعاً في نشاط الحرائق، إذ أشارت تقارير حديثة إلى أن تغير المناخ أدى إلى زيادة الظروف التي تساعد على اندلاع وانتشار الحرائق في مناطق مختلفة من العالم.

تغير المناخ يرفع شدة موجات الحر

لا يعني تزامن موجات الحر والجفاف والحرائق خلال موسم واحد أن جميع هذه الأحداث سببها عامل مناخي واحد، لكن العلماء يؤكدون أن الاحترار العالمي يرفع خط الأساس لدرجات الحرارة، ما يجعل موجات الحر الشديدة أكثر احتمالاً وأكثر حدة في العديد من المناطق.

وقالت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إن فترات الحرارة الشديدة أصبحت أكثر تواتراً وشدة وطولاً مع استمرار ارتفاع حرارة الكوكب.

وفي السياق ذاته، أوضحت تحليلات علمية نقلتها أسوشيتد برس أن موجات الحر التي شهدتها مناطق عدة خلال صيف 2026 لا يمكن تفسيرها بظاهرة إل نينيو وحدها، إذ إن التأثير الرئيسي على حرارة الصيف جاء من الاحترار العالمي الناتج عن تراكم غازات الدفيئة، بينما يُتوقع أن تظهر التأثيرات الأكبر لإل نينيو على أنماط الطقس العالمية خلال الأشهر المقبلة.

المحيطات تضيف مزيداً من الحرارة إلى النظام المناخي

لم تكن اليابسة وحدها في مواجهة الحرارة القياسية، إذ ظلت المحيطات والبحار شديدة الدفء خلال عام 2026.

وتكتسب حرارة المحيطات أهمية خاصة لأنها تخزن القسم الأكبر من الطاقة الحرارية الإضافية الناتجة عن الاحترار العالمي، كما يمكن لارتفاع حرارة سطح البحر أن يزيد كمية الرطوبة المتاحة للغلاف الجوي ويؤثر في بعض أنماط الطقس المتطرف.

وأشارت تحليلات مناخية حديثة إلى أن مساحات واسعة من المحيطات شهدت موجات حر بحرية خلال 2026، في مؤشر إضافي على استمرار الاضطراب الحراري في النظام المناخي العالمي.

إل نينيو يفتح الباب أمام خريف وشتاء أكثر اضطراباً

ومع انتهاء الصيف، تتجه أنظار علماء المناخ إلى المحيط الهادئ الاستوائي، حيث تتطور ظاهرة إل نينيو بصورة قوية.

وأكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن إل نينيو يواصل التعزز، ومن المتوقع أن يصبح أحد العوامل الرئيسية المؤثرة في أنماط المناخ العالمية خلال الفترة المقبلة.

وتشير المنظمة إلى أن إل نينيو يمكن أن يؤدي إلى تغيرات كبيرة في أنماط درجات الحرارة والهطولات والنشاط الجوي في مناطق مختلفة من العالم، إلا أن تأثيراته تختلف من منطقة إلى أخرى ولا تعني بالضرورة ظروفاً متطرفة في كل مكان.

كما حذرت تقارير دولية من أن تطور إل نينيو القوي، بالتزامن مع استمرار الاحترار العالمي، قد يزيد الضغوط على بعض المناطق التي تعاني أصلاً من الجفاف أو الحرارة المرتفعة.

صيف متطرف ولكن بصورة غير متجانسة

ورغم الصورة العامة التي طغت عليها الحرارة والجفاف والحرائق، فإن صيف 2026 لم يكن متشابهاً في جميع أنحاء نصف الكرة الشمالي.

ففي الوقت الذي عانت فيه مناطق من موجات حر وجفاف وحرائق، تعرضت مناطق أخرى لأمطار غزيرة وفيضانات وظواهر جوية عنيفة. وهذا التباين نفسه يعد سمة أساسية في النظام المناخي المتغير، إذ لا يؤدي الاحترار العالمي إلى ارتفاع درجات الحرارة بصورة متساوية في كل مكان، بل يمكن أن يغير توزيع الحرارة والرطوبة وأنماط دوران الغلاف الجوي، ما يزيد احتمالات بعض أشكال الطقس المتطرف.

وأكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن صيف 2026 شهد مزيجاً من الحرارة الشديدة والجفاف والحرائق والفيضانات في مناطق مختلفة، ما يعكس استمرار ارتفاع مخاطر الظواهر الجوية والمناخية عالية التأثير.

ماذا بعد الصيف؟

مع بداية سبتمبر، لا يعني انتهاء الصيف المناخي انتهاء خطر الطقس المتطرف. فارتفاع حرارة البحار، واستمرار آثار الجفاف في بعض المناطق، وتطور إل نينيو، كلها عوامل ستبقى تحت المراقبة خلال الخريف والأشهر التالية.

وبالنسبة لمنطقة المتوسط وشرق المتوسط، تكتسب حرارة سطح البحر أهمية خاصة مع الانتقال التدريجي نحو موسم الأمطار، إذ يمكن أن توفر البحار الدافئة كميات كبيرة من الرطوبة للأنظمة الجوية عندما تتوافر الظروف الديناميكية المناسبة.

ويؤكد خبراء المناخ أن التحدي لم يعد يقتصر على تسجيل أرقام قياسية جديدة للحرارة، بل يتمثل في تزايد تكرار الأحداث المتطرفة وتداخل آثارها، مثل اجتماع الحرارة والجفاف والحرائق، أو الحرارة المرتفعة مع الأمطار الغزيرة والفيضانات في فترات زمنية متقاربة.

ومع دخول الخريف، يبقى السؤال الأهم هو مدى استمرار هذا النمط المتطرف، وكيف ستتفاعل حرارة المحيطات مع تطور إل نينيو والأنظمة الجوية خلال الأشهر المقبلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى