صواعق جافة وسحب نارية.. لماذا يحترق العالم؟

لم تعد حرائق الغابات التي تجتاح عدة قارات مجرد كوارث موسمية ترتبط بارتفاع درجات الحرارة خلال الصيف، بل أصبحت مؤشرا على تغير عميق في المناخ العالمي.
فمن جنوب أوروبا إلى شمال أفريقيا، ومن أمريكا الشمالية إلى أمريكا الجنوبية، تتسع رقعة النيران بوتيرة غير مسبوقة، وسط تحذيرات من أن عام 2026 قد يكون من بين أسوأ الأعوام المسجلة من حيث عدد الحرائق والمساحات التي التهمتها وفق المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
ويؤكد خبراء المناخ أن العالم لا يواجه مجرد موسم حرائق استثنائي، بل سلسلة متداخلة من الأزمات المناخية، تتصدرها موجات الحر القياسية والجفاف الممتد، والتي حولت الغابات إلى وقود جاهز للاشتعال، لتصبح أي شرارة قادرة على إشعال حرائق يصعب احتواؤها.
تشهد مناطق واسعة من جنوب أوروبا وشمال غرب أفريقيا درجات حرارة قياسية اقتربت من 50 درجة مئوية في بعض مناطق شمال أفريقيا، فيما تجاوزت 40 درجة مئوية في أجزاء واسعة من جنوب ووسط أوروبا.
وتقول بيانات كوبرنيكوس إن هذه الدرجات المرتفعة أدت إلى تبخر الرطوبة من التربة والنباتات، وتحويل الغابات إلى ما يشبه “صندوق أعواد الثقاب”، حيث تصبح الأشجار والأعشاب والمخلفات النباتية وقودا شديد الاشتعال، ما يسمح للنيران بالانتشار خلال دقائق بمجرد حدوث أي شرارة، سواء كانت طبيعية أو ناتجة عن نشاط بشري.
الرياح تضاعف الكارثة
لا تتوقف خطورة موجات الحر عند تجفيف الغطاء النباتي، بل تترافق مع رياح ساخنة وجافة، مثل رياح السيروكو القادمة من الصحراء الكبرى نحو البحر المتوسط.
وتؤدي هذه الرياح دورا محوريا في تسريع الكارثة، إذ تدفع ألسنة اللهب بسرعة كبيرة بين الأشجار، وتنقل الجمر المشتعل إلى مسافات بعيدة، ما يؤدي إلى اندلاع حرائق متزامنة في عدة مواقع، ويصعب مهمة فرق الإطفاء والطائرات المخصصة لمكافحة الحرائق، وفقا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ.
حرائق على عشرات الجبهات
أصبحت الحكومات تواجه عشرات الحرائق الكبرى في وقت واحد، وهو ما يضع أنظمة الطوارئ تحت ضغط غير مسبوق.
ففي الجزائر، سجل أكثر من 1400 حريق منذ بداية يوليو، بينما شهدت تونس مئات الحرائق خلال أسابيع قليلة، في حين اندلعت حرائق واسعة في مقاطعات متعددة بإسبانيا وفرنسا واليونان وبريطانيا، حيث شهدت الأخيرة أكثر من 200 حريق خلال 12 يوما، الأمر الذي دفع بعض الدول إلى طلب دعم دولي والاستعانة بآليات الحماية المدنية الأوروبية.
هذا التزامن يستنزف الموارد البشرية واللوجستية ويجعل السيطرة على الحرائق أكثر صعوبة مع استمرار موجات الحر.
القبة الحرارية.. المحرك الخفي
يرجع العلماء جزءا كبيرا من موجات الحر الحالية إلى ظاهرة تعرف بـ”القبة الحرارية”، وهي أنظمة ضغط جوي مرتفع تعمل كغطاء يحبس الهواء الساخن قرب سطح الأرض، ويمنع تشكل السحب أو تحرك الكتل الهوائية الباردة.
كما يسهم ما يعرف بـ”انسداد أوميغا” في دفع كتل هوائية شديدة السخونة من الصحراء الكبرى نحو أوروبا، لتبقى مستقرة فوق القارة لأيام أو أسابيع، وهو ما يفسر استمرار موجات الحر لفترات أطول من المعتاد.
ويؤدي الجفاف الناتج عن هذه الموجات إلى حلقة مفرغة، فكلما جفت التربة ارتفعت درجة حرارتها أكثر، لتزداد موجات الحر شدة في الأيام التالية، وفق ما ذكرته تقارير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
سحب نارية وصواعق جافة
يرى علماء المناخ أن التغير المناخي لا يشعل الحرائق مباشرة، لكنه يهيئ البيئة المثالية لتحويل أي شرارة صغيرة إلى كارثة واسعة.
فارتفاع متوسط حرارة الأرض بنحو 1.5 درجة مئوية منذ الثورة الصناعية رفع خط الأساس الحراري للكوكب، ما جعل موجات الحر الحالية أشد بكثير مما كانت عليه قبل عقود.
كما أدت التغيرات المناخية إلى انخفاض معدلات الأمطار في العديد من المناطق الحرجية، وارتفاع درجات الحرارة الليلية، الأمر الذي يحرم الغابات من فرصة استعادة رطوبتها، ويطيل موسم الحرائق حتى أواخر الخريف.



