اقتصاد

صندوق النقد الدولي: الاقتصاد السوري يتجه إلى نمو بمعدل يفوق 10% في 2026 رغم التحديات

دمشق – 5 آب/أغسطس 2026

أعلن صندوق النقد الدولي أن الاقتصاد السوري يشهد تسارعاً في وتيرة التعافي، متوقعاً أن يسجل نمواً من خانتين عشريتين خلال عام 2026، مع استمرار النمو القوي في عام 2027، في تحول لافت مقارنة بالسنوات السابقة التي شهدت انكماشاً حاداً للاقتصاد السوري.

وجاء ذلك في ختام بعثة لصندوق النقد الدولي إلى دمشق أجريت خلال الفترة بين 19 و23 تموز/يوليو 2026، حيث قيّم فريق الصندوق التطورات الاقتصادية والإصلاحات الجارية وأولويات السياسة الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.

نمو من خانتين عشريتين

بحسب البيان الرسمي لصندوق النقد، فإن الاقتصاد السوري يتجه في عام 2026 إلى تسجيل نمو بمعدل من خانتين عشريتين، أي أكثر من 10%، مع توقع استمرار النمو القوي خلال عام 2027.

وأكد الصندوق أن هذا التقدير لا يمثل نتيجة قطاع واحد، وإنما يأتي نتيجة تحسن مجموعة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، أبرزها:

  • تحسن الإنتاج الزراعي بعد تحسن معدلات الهطول المطري.
  • ارتفاع إنتاج النفط والغاز.
  • تحسن إمدادات الكهرباء.
  • نمو التجارة.
  • تحسن نشاط قطاع الخدمات.
  • زيادة أعداد الزوار.
  • استمرار عودة اللاجئين.
  • ارتفاع الإنفاق الحكومي.
  • تحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين.
  • إعادة اندماج سوريا تدريجياً في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

وقال رون فان رودن، رئيس بعثة صندوق النقد إلى سوريا، إن التعافي الاقتصادي السوري يتسارع، مشيراً إلى أن الاقتصاد بدأ بالفعل مسار التعافي خلال عام 2025، قبل أن تزداد وتيرته خلال 2026.

2025 كان نقطة التحول الأولى

يشير صندوق النقد إلى أن الاقتصاد السوري بدأ التعافي خلال عام 2025، مدفوعاً بتحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين بعد التحولات السياسية، إلى جانب عودة نحو 1.5 مليون لاجئ وإعادة اندماج سوريا تدريجياً مع الاقتصاد الإقليمي والعالمي.

وساعدت هذه العوامل في تعويض جزء من التأثير السلبي للجفاف الشديد الذي أضر بالإنتاج الزراعي خلال عام 2025.

ويأتي هذا التقييم في سياق اقتصادي شديد الصعوبة؛ فقد أشار البنك الدولي في تقييماته السابقة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لسوريا انكمش بأكثر من 50% منذ عام 2010، بينما بلغ الانكماش نحو 53% بين 2010 و2022 وفق أحدث التقييمات التي استشهد بها البنك الدولي.

وهذا يعني أن تسجيل نمو يتجاوز 10% في عام واحد لا يعني أن الاقتصاد السوري استعاد حجمه السابق للحرب، وإنما يعكس بدرجة كبيرة مرحلة تعافٍ من قاعدة اقتصادية منخفضة جداً.

الزراعة والطاقة في مقدمة محركات النمو

يرى صندوق النقد أن تحسن الظروف الزراعية سيكون أحد أهم محركات النمو خلال 2026.

فبعد التأثر الكبير بالجفاف خلال 2025، ساهم تحسن الأمطار في تعزيز التوقعات الخاصة بالإنتاج الزراعي، في وقت يشهد فيه قطاع الطاقة أيضاً تحسناً نتيجة زيادة إنتاج المحروقات وتحسن إمدادات الكهرباء.

ويُضاف إلى ذلك توسع النشاط التجاري والخدمي، الأمر الذي يوفر قاعدة أوسع للنمو الاقتصادي بدلاً من الاعتماد على قطاع واحد فقط.

وبحسب صندوق النقد، فإن تحسن إنتاج المحروقات والكهرباء، إلى جانب الزراعة والتجارة والخدمات، يشكل مجموعة العوامل الرئيسية وراء توقعات النمو القوي في 2026.

عودة اللاجئين والزوار تعزز النشاط الاقتصادي

أحد العوامل التي لفت إليها صندوق النقد هو استمرار عودة السوريين من الخارج.

وقدّر الصندوق أن نحو 1.5 مليون لاجئ عادوا إلى سوريا خلال الفترة السابقة، مع استمرار حركة العودة، وهو ما يمكن أن ينعكس على الطلب المحلي وسوق العمل والاستثمار والنشاط العقاري والخدمات.

كما سجلت سوريا زيادة كبيرة في أعداد الزوار، وهو ما يدعم قطاعات النقل والفنادق والمطاعم والتجارة والخدمات.

لكن الصندوق شدد في الوقت نفسه على أن آثار التعافي ليست متساوية بين جميع المناطق السورية.

التضخم لا يزال يمثل تحدياً

رغم التفاؤل بشأن النمو، فإن صندوق النقد حذر من استمرار ضغوط الأسعار.

وأشار إلى أن التضخم تباطأ خلال 2025 إلى مستويات منخفضة من خانة العشرات، لكنه ارتفع بشكل ملحوظ خلال 2026 نتيجة ارتفاع أسعار الواردات، وخاصة الوقود والغذاء، إلى جانب قوة الطلب المحلي وارتفاع أجور القطاع العام وأسعار الخدمات والمرافق وتكاليف السكن.

ويتوقع الصندوق أن تتراجع الضغوط التضخمية خلال عام 2027 إذا انخفضت ضغوط أسعار الواردات واستمرت السياسات المالية والنقدية المنضبطة.

تحسن المالية العامة

أشار صندوق النقد أيضاً إلى تحسن الأداء المالي للحكومة السورية.

فقد أنهت الموازنة المركزية عام 2025 بفائض صغير، بينما ارتفعت الإيرادات خلال النصف الأول من 2026 نتيجة تحسن الإيرادات الضريبية والجمركية، إلى جانب زيادة إيرادات المحروقات وبعض الإيرادات الاستثنائية، بما فيها رسوم تراخيص الاتصالات ورسوم عبور الوقود.

ويشير الصندوق إلى أن هذه التطورات ستسمح للحكومة بتنفيذ معظم النفقات المدرجة في موازنة 2026، وإن كانت القيود على الموارد ستبقي الإنفاق الرأسمالي تحت الضغط.

البنك الدولي أكثر تحفظاً

من المهم عند قراءة توقعات صندوق النقد عدم تجاهل اختلاف التقديرات الدولية.

فالبنك الدولي كان أكثر تحفظاً في تقييمه للاقتصاد السوري، إذ قدر أن الناتج المحلي الحقيقي نما خلال 2025 ضمن نطاق 2% إلى 4% وفق أحدث صفحة له عن سوريا، مع توقع استمرار التحسن الاقتصادي بشكل تدريجي خلال 2026، لكنه حذر من أن الصراع الإقليمي قد يؤثر سلباً في التجارة والسياحة والاستثمار وإمدادات الكهرباء.

كما كان البنك الدولي قد توقع في يوليو/تموز 2025 نمواً بنسبة 1% فقط خلال 2025، في وقت كانت فيه البيئة الاقتصادية لا تزال تعاني من القيود المالية وضعف الاستثمار واستمرار آثار الحرب والعقوبات.

وبالتالي فإن الانتقال من تقديرات نمو منخفضة في 2025 إلى توقعات نمو من خانتين عشريتين في 2026 يمثل تغيراً كبيراً في النظرة الدولية للاقتصاد السوري.

لماذا لا يعني نمو 10% أن الاقتصاد السوري عاد إلى مستواه السابق؟

رغم أهمية الرقم، يجب التعامل معه بحذر.

فالنمو الاقتصادي يقيس التغير في الناتج مقارنة بالعام السابق، وليس حجم الاقتصاد مقارنة بما كان عليه قبل الحرب.

وبما أن الاقتصاد السوري تعرض لانكماش هائل خلال أكثر من عقد، فإن تسجيل نمو بنسبة 10% أو أكثر يمكن أن يحدث خلال مرحلة إعادة بناء الاقتصاد حتى مع بقاء الناتج المحلي أقل بكثير من مستواه قبل عام 2011.

ولهذا فإن المؤشر الأهم خلال السنوات المقبلة لن يكون معدل النمو وحده، وإنما قدرة سوريا على تحويل هذا النمو إلى:

استثمارات جديدة + وظائف + إنتاج صناعي وزراعي أعلى + صادرات + تحسن في دخل الأسر + استقرار مالي ونقدي.

القطاع المصرفي يمثل نقطة ضعف رئيسية

ورغم توقعات النمو المرتفعة، يرى صندوق النقد أن النظام المصرفي السوري لا يزال يواجه مشكلات كبيرة.

وأكدت بعثة الصندوق أن النظام المصرفي يحتاج إلى إعادة تأهيل عاجلة حتى يتمكن من أداء دوره في الوساطة المالية وتمويل النشاط الاقتصادي وتسهيل المدفوعات المحلية والدولية.

كما دعا الصندوق إلى تحديث القوانين المصرفية وقوانين البنك المركزي، وتعزيز الرقابة على المصارف، وتقييم أوضاعها المالية وفق المعايير الدولية.

ويرى الصندوق أن إعادة بناء النظام المصرفي ستكون عاملاً أساسياً في جذب الاستثمارات وتحويل التعافي الاقتصادي إلى نمو مستدام.

الفقر لا يزال واسع الانتشار

ورغم التوقعات الإيجابية، شدد صندوق النقد على أن الفقر لا يزال منتشراً على نطاق واسع في سوريا، وأن ثمار النمو لا تتوزع بالتساوي بين المناطق.

وهذه النقطة مهمة للغاية، لأن ارتفاع الناتج المحلي لا يعني بالضرورة تحسناً فورياً في مستوى معيشة جميع السوريين.

ويرى الصندوق أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خلق فرص عمل منتجة، وتحسين الخدمات العامة، وإعادة بناء المساكن والبنية التحتية، إضافة إلى توفير الدعم المالي الدولي اللازم للتعافي والتنمية.

ما الذي يعنيه ذلك للاقتصاد السوري؟

إذا تحققت توقعات صندوق النقد، فإن عام 2026 قد يمثل أول عام من التعافي الاقتصادي القوي في سوريا منذ سنوات طويلة.

لكن نجاح هذا التعافي على المدى الطويل سيعتمد على قدرة الحكومة على استثمار النمو الحالي في إعادة بناء القطاعات الإنتاجية، وليس فقط زيادة النشاط الاستهلاكي أو الإنفاق الحكومي.

ويضع صندوق النقد عدة أولويات أمام سوريا، أبرزها:

  1. مواصلة الإصلاحات المالية والنقدية.
  2. تحسين تحصيل الضرائب والجمارك.
  3. تعزيز إدارة المالية العامة.
  4. إعادة تأهيل القطاع المصرفي.
  5. تحسين الإحصاءات الاقتصادية.
  6. جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
  7. زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي.
  8. تحسين قطاع الطاقة والكهرباء.
  9. إعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي.
  10. توفير فرص عمل منتجة للعائدين والنازحين.

الخلاصة

التوقع الجديد لصندوق النقد يمثل تحولاً مهماً في النظرة الدولية للاقتصاد السوري.

فالصندوق يتوقع أن يدخل الاقتصاد السوري في عام 2026 مرحلة نمو من خانتين عشريتين، أي أكثر من 10%، مدعوماً بتحسن الزراعة والطاقة والكهرباء والتجارة والخدمات وعودة اللاجئين والزوار.

لكن الرقم لا يعني أن الاقتصاد السوري تجاوز أزمته بالكامل؛ فالفقر لا يزال واسعاً، والتضخم ارتفع مجدداً، والقطاع المصرفي يحتاج إلى إصلاحات عميقة، كما أن الاقتصاد لا يزال بعيداً عن مستويات ما قبل الحرب.

وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للاقتصاد السوري لن يكون تحقيق نمو مرتفع في 2026 فقط، وإنما الحفاظ على نمو مستدام خلال السنوات المقبلة وتحويله إلى زيادة حقيقية في الإنتاج وفرص العمل ومستويات المعيشة.

المصدر الرئيسي: صندوق النقد الدولي – بيان بعثة سوريا، 3 آب/أغسطس 2026.

مصادر مساندة: البنك الدولي، ووكالات ومؤسسات إعلامية دولية تناولت التقييم الجديد لصندوق النقد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى