أخبار سوريا

حوران بالأرقام: نصف قرن من الاحترار وتحديات جديدة للزراعة… وهنا تتقاطع قصة المناخ مع قصة الآبار

إذا كانت ذاكرة المزارع تخبرنا بأن مواسم المطر أصبحت أكثر اضطرابًا وأن الصيف أصبح أشد حرارة، فإن البيانات المناخية تسمح لنا بالنظر إلى هذا التغير بالأرقام.

لكن هناك ملاحظة منهجية مهمة قبل الدخول في الأرقام: سجلات الرصد المناخي في سوريا ليست متصلة ومتجانسة بالدرجة نفسها طوال العقود الماضية، ولذلك فإن أفضل طريقة لدراسة التغير طويل الأجل في درعا هي الجمع بين بيانات الرصد المتاحة وبين قواعد بيانات إعادة التحليل المناخي العالمية، مثل ERA5 وERA5-Land وCRU/WorldClim، مع عدم الخلط بينها وبين القياسات المباشرة من محطة الأرصاد.

وتزداد أهمية ذلك لأن دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة Climate Dynamics عام 2026 حللت التغيرات المناخية المتطرفة في سوريا خلال الفترة 1950–2024 باستخدام بيانات ERA5-Land بدقة تقارب 9 كيلومترات، ووجدت اتجاهًا واضحًا نحو الاحترار على نطاق سوريا، مع انخفاض في التطرفات الباردة وزيادة في التطرفات الحارة.

الحرارة: التغير الأكثر وضوحًا

تظهر بيانات المناخ الخاصة بمدينة درعا اتجاهًا حراريًا واضحًا خلال العقود الأخيرة.

فوفق تحليل مبني على بيانات CRU TS v4.09 وWorldClim للفترة 1970–2024، بلغ الاتجاه الخطي لدرجة الحرارة السنوية في درعا نحو:

+0.41 درجة مئوية لكل عقد

وهو اتجاه قوي إحصائيًا في هذه السلسلة، مع قيمة R2 بلغت نحو 0.71. ويعني ذلك، إذا نظرنا إلى الاتجاه الخطي على امتداد الفترة كلها، احترارًا يقارب 2.2 درجة مئوية بين بداية الفترة ونهايتها من حيث مقدار الاتجاه المقدّر، وليس بالضرورة فرقًا مباشرًا بين متوسط سنة بعينها وأخرى.

وهذه نقطة مهمة جدًا.

فزيادة قدرها 0.4 درجة مئوية خلال عقد واحد قد تبدو صغيرة عندما تُذكر منفردة، لكن تراكمها عبر نصف قرن يغير طبيعة البيئة الزراعية بصورة ملموسة.

وبحسب السلسلة نفسها، بلغ المتوسط السنوي لدرجة الحرارة نحو:

  • 18.6°C خلال الفترة 1970–2024.
  • 19.0°C خلال الفترة المرجعية 1991–2020.
  • وكانت الحرارة الأعلى في المتوسط خلال أغسطس، بينما كان يناير أبرد الشهور.

وللمقارنة مع سجل مناخي أقدم، تُظهر بيانات مناخية تستند إلى بيانات WMO أن متوسط درجة الحرارة السنوية في درعا خلال 1972–2004 كان نحو 17.5°C، مع متوسط هطول سنوي يقارب 251 ملم.

ولا ينبغي التعامل مع الفرق بين 17.5 و19.0°C باعتباره قياسًا مباشرًا للاحترار، لأن الفترتين ومصادر البيانات ليستا متطابقتين تمامًا، لكنهما تعطيان إشارة مستقلة إلى اختلاف المستوى الحراري بين الفترات المناخية.


ليست الحرارة وحدها التي تغيرت

الأهم بالنسبة للزراعة ليس متوسط الحرارة السنوي فقط، فالزراعة تتأثر بما يحدث في الأيام والليالي المتطرفة أيضًا.

وتشير الدراسة السورية الحديثة التي غطت الفترة 1950–2024 إلى انخفاض واسع في مؤشرات البرد، بما في ذلك عدد أيام الصقيع، وزيادة واضحة في مؤشرات الحرارة القصوى والليالي الدافئة في معظم مناطق سوريا.

وفي المناطق الجنوبية والغربية من البلاد، سجلت الدراسة زيادات قوية في درجات الحرارة القصوى والدنيا المتطرفة، بينما انخفضت مؤشرات البرودة.

وهذا يحمل معنى زراعيًا مهمًا، فارتفاع متوسط الحرارة درجة أو درجتين ليس وحده المشكلة. المشكلة تصبح أكبر عندما تترافق معه:

حرارة أعلى + أيام حارة أكثر + ليالٍ دافئة أكثر + انخفاض في الصقيع.

وهذا يعني أن النبات لا يتعرض فقط إلى موسم أكثر دفئًا، وإنما إلى إجهاد حراري أطول خلال أجزاء من دورة نموه.


ماذا حدث للأمطار؟

هنا تصبح الصورة أكثر تعقيدًا من الحرارة. ففي درعا، لا تظهر البيانات اتجاهًا هابطًا بسيطًا ومستمرًا في كمية المطر السنوية مثلما يظهر الاحترار في درجات الحرارة.

وفق تحليل CRU/WorldClim للفترة 1970–2024، بلغ متوسط الهطول السنوي نحو:

289 ملم سنويًا

وقدّر التحليل الاتجاه الخطي للهطول بنحو:

−5.8 ملم لكل عقد

لكن هناك تفصيل إحصائي بالغ الأهمية:

قيمة R2 لهذا الاتجاه بلغت نحو 0.018 فقط.

وهذا يعني أن الاتجاه الخطي الهابط في كمية المطر السنوية ضعيف جدًا من الناحية الإحصائية مقارنة بقوة اتجاه الاحترار، ولا ينبغي استخدامه للقول إن «أمطار درعا تنخفض بمقدار 5.8 ملم كل عقد» باعتبارها حقيقة مناخية ثابتة.

وهنا تظهر واحدة من أهم النقاط في فهم مناخ درعا:

المشكلة ليست بالضرورة أن السماء أصبحت تمنح درعا كمية أقل من المطر كل عام بصورة منتظمة، وإنما أن توزيع المطر وتقلبه من موسم إلى آخر أصبح أكثر أهمية وخطورة بالنسبة إلى الزراعة.


درعا بين 190 و350 ملم في السنة

الأرقام السنوية تكشف شيئًا لا يستطيع المتوسط وحده أن يظهره.

ففي السجل المتاح لمدينة درعا، تراوحت كميات الأمطار السنوية بصورة كبيرة من سنة إلى أخرى.

وتظهر بيانات السنوات الحديثة، على سبيل المثال، قيمًا تقارب:

السنةالهطول السنوي التقريبي
2022221 ملم
2023263 ملم
2024190 ملم
2025202 ملم

وهذه القيم تختلف قليلًا بحسب مصدر البيانات وطريقة احتسابها، ولذلك يجب اعتبارها مؤشرات مناخية تقريبية وليست بديلًا عن سجل محطة أرصاد موحد. وتظهر قواعد بيانات إعادة التحليل المستقلة قيمًا مشابهة من حيث وجود تذبذب كبير بين السنوات؛ فبيانات NASA POWER لنقطة تمثل مركز محافظة درعا تعطي نحو 241 ملم في 2022، و288 ملم في 2023، و183 ملم في 2024، و190 ملم في 2025. وهذه البيانات هي إعادة تحليل وليست متوسطًا مقاسًا لمحافظة درعا.

وهذا التذبذب هو ما يجعل الزراعة البعلية شديدة الحساسية. فالمزارع لا يحتاج فقط إلى «مجموع سنوي جيد» بل يحتاج إلى: مطر في الوقت المناسب.


المطر الذي يأتي في الوقت الخطأ

قد تحصل درعا على كمية إجمالية قريبة من المتوسط، لكن إذا جاءت نسبة كبيرة من المطر خلال عدد محدود من العواصف، بينما مرّت أسابيع طويلة جافة خلال مراحل حرجة من نمو القمح، فإن أثر ذلك على المحصول قد يكون أسوأ بكثير مما يوحي به الرقم السنوي.

وهذه مسألة أصبحت أكثر أهمية في دراسة تغير المناخ.

فالدراسة المنشورة في Climate Dynamics عام 2026 وجدت أن التغير في الهطول في سوريا ليس موحدًا جغرافيًا، وأن النظام المطري أصبح في مناطق مختلفة أكثر تعقيدًا من مجرد زيادة أو انخفاض في المجموع السنوي، مع تغير في فترات الجفاف والهطولات الشديدة وتوزيعها الزمني.

كما خلصت دراسة حديثة عن الجفاف في سوريا إلى أن البلاد اتجهت بين 1981 و2021 نحو ظروف أكثر جفافًا، مع تكرر سنوات جفاف شديدة كان لها تأثير مباشر في الزراعة والأمن الغذائي.

وهنا نصل إلى نقطة جوهرية بالنسبة إلى حوران، بالنسبة إلى القمح، ليست كل المليمترات متساوية، 20 ملم في مرحلة حرجة من الموسم قد تكون أكثر قيمة زراعية من كمية أكبر تهطل بعد انتهاء حاجة النبات إليها.


لماذا أصبح ارتفاع الحرارة أخطر عندما لا تنخفض الأمطار كثيرًا؟

هذه ربما أهم نتيجة يمكن استخلاصها من الأرقام، لنفترض أن كمية المطر بقيت قريبة من متوسطها طويل الأجل، إذا ارتفعت الحرارة في المقابل، فإن الطلب التبخري على المياه يزداد.

أي أن:

الماء المتاح ≠ الماء الذي يحتاجه النبات.

عندما تكون الحرارة أعلى، تفقد التربة المياه بسرعة أكبر، ويزداد استهلاك النبات للماء، خصوصًا خلال فترات الحر.

ولهذا يمكن أن تصبح سنة ذات أمطار «متوسطة» أقل فائدة زراعيًا في مناخ أكثر حرارة، وهذا أحد الأسباب التي تجعل تغير المناخ مشكلة أكبر من مجرد سؤال:

هل زادت الأمطار أم نقصت؟

السؤال الزراعي الأدق هو: ما مقدار الماء الذي بقي في التربة بعد أن نأخذ الحرارة والتبخر واحتياجات المحصول بالحسبان؟


صيف حوران: مناخ جاف بطبيعته

توضح البيانات المناخية أن درعا تمتلك أصلًا فصلًا صيفيًا شديد الجفاف.

في الفترة المرجعية 1991–2020، كان متوسط الهطول في يونيو وفق بيانات CRU/WorldClim قريبًا من الصفر، بينما يتركز معظم المطر في أشهر الشتاء. ويبلغ متوسط الهطول السنوي نحو 282 ملم في الفترة المرجعية، مع أعلى معدلات المطر في يناير.

وهذا يفسر تاريخيًا نجاح القمح والشعير في المنطقة، فهما ينموان خلال الموسم المطري، ويكملان جزءًا كبيرًا من دورة حياتهما قبل الدخول في أشهر الصيف شديدة الجفاف.

لكن عندما تحاول الزراعة إنتاج محاصيل صيفية تحتاج إلى الماء، يصبح الاعتماد على المياه الجوفية أكبر بكثير.

وهنا تتقاطع قصة المناخ مع قصة الآبار.


2024 و2025: عندما ظهر أثر الجفاف بوضوح

كان موسم 2024–2025 واحدًا من أقسى الاختبارات الحديثة للزراعة السورية.

وبحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO، انخفض إنتاج الحبوب في سوريا عام 2025 إلى نحو 1.2 مليون طن، أي أكثر من 60% دون متوسط السنوات السابقة، نتيجة الجفاف الشديد وانخفاض الأمطار.

لكن من المهم ألا ننسب هذا الرقم إلى درعا وحدها؛ فهو رقم على مستوى سوريا، والسبب في إدخاله في دراسة درعا هو أنه يوضح البيئة المناخية الأوسع التي تعمل ضمنها الزراعة الجنوبية.


ثم جاء 2026 ليذكرنا بأن المناخ ليس خطًا مستقيمًا

الموسم التالي قدم صورة مختلفة.

فوفق أحدث تقديرات FAO، تحسنت ظروف الأمطار خلال موسم 2025–2026، وارتفع إنتاج القمح السوري إلى نحو 2.7 مليون طن، أي أكثر من 50% فوق متوسط السنوات الخمس السابقة. وهذا يؤكد أن النظام الزراعي السوري ما زال قادرًا على الاستجابة بسرعة لموسم مطري جيد.

لكن هذه القفزة لا تعني أن التغير المناخي اختفى، بل تكشف شيئًا أكثر أهمية:

كلما أصبح المناخ أكثر تقلبًا، أصبح المزارع أكثر تعرضًا للتذبذب بين سنة شديدة الجفاف وسنة أفضل بكثير.

وهذا أصعب اقتصاديًا من انخفاض ثابت يمكن التخطيط له.


ماذا تعني الأرقام لزراعة درعا؟

إذا جمعنا الأرقام السابقة، تظهر أمامنا صورة أكثر وضوحًا:

الحرارة

هناك اتجاه قوي نحو الاحترار، يقدّر في إحدى سلاسل بيانات درعا بنحو +0.41°C لكل عقد خلال 1970–2024.

المطر

لا يوجد في السلسلة نفسها اتجاه هابط قوي إحصائيًا في إجمالي المطر السنوي؛ الاتجاه المقدّر هو −5.8 ملم/عقد، لكنه ضعيف التفسير الإحصائي.

التذبذب

تختلف كميات المطر السنوية بصورة كبيرة بين السنوات، ما يجعل الزراعة البعلية أكثر تعرضًا لتقلب الموسم.

الجفاف

الدراسات السورية الحديثة تشير إلى تغيرات ملحوظة في مؤشرات الجفاف والحرارة والهطولات المتطرفة خلال العقود الأخيرة.

النتيجة الزراعية

حتى في حالة عدم وجود انخفاض خطي قوي في المطر السنوي، فإن ارتفاع الحرارة وتغير توزيع المطر وزيادة الضغط على المياه الجوفية يمكن أن يقلل من كمية المياه المتاحة فعليًا للمحاصيل.


الرقم الذي يجب أن يقلق المزارع أكثر من غيره

ربما ليس 0.41 درجة، ولا حتى −5.8 ملم، الرقم الأهم بالنسبة للمزارع هو الفرق بين:

المياه التي تدخل النظام الزراعي و المياه التي يحتاجها النبات لكي يعطي محصولًا جيدًا.

ومع ارتفاع الحرارة، يتسع هذا الفرق إذا لم تتغير طريقة الزراعة. وهنا نفهم لماذا يمكن أن نرى في درعا عودة بعض المزارعين إلى القمح والشعير بعد جفاف الآبار.

فالمحصول الأقل استهلاكًا للمياه يصبح، في بيئة شحيحة المياه، ليس بالضرورة المحصول الأعلى ربحًا، لكنه قد يصبح المحصول الأكثر قابلية للاستمرار.


درعا في القرن الحادي والعشرين: المشكلة ليست نقص المطر فقط

الأرقام تقودنا في النهاية إلى تصحيح فكرة شائعة، ليس من الدقة القول: «درعا أصبحت أكثر جفافًا لأن المطر انخفض باستمرار.»

الأدق علميًا هو:

درعا أصبحت أكثر حرارة، بينما ظل المطر شديد التذبذب، وتزامن ذلك مع ضغوط متزايدة على المياه الجوفية، ما جعل الزراعة أكثر حساسية للجفاف حتى في السنوات التي لا يكون فيها مجموع المطر السنوي منخفضًا بصورة استثنائية.

وهذا فرق جوهري، لأن الحل في الحالة الأولى سيكون البحث عن مزيد من المطر، أما في الحالة الثانية، فإن الحل يجب أن يشمل:

إدارة المياه + اختيار المحاصيل + كفاءة الري + حفظ رطوبة التربة + أصناف مقاومة للحرارة والجفاف + مراقبة مناخية دقيقة.

وهنا يعود التاريخ ليقدم درسًا جديدًا، فالقمح والشعير اللذان جعلا حوران مشهورة قبل قرون لم يكونا مجرد محاصيل غذائية؛ كانا أيضًا جزءًا من نظام زراعي متكيف مع موسم المطر والمناخ شبه الجاف.

وقد يكون مستقبل درعا الزراعي مرتبطًا مرة أخرى بهذه الفكرة، ولكن باستخدام العلم الحديث بدل الاكتفاء بخبرة الماضي.


ملاحظة منهجية

الأرقام الخاصة بدرعا في هذا الفصل تجمع بين مصادر مختلفة: بيانات مناخية تاريخية منسوبة إلى WMO، وتحليل CRU TS/WorldClim للفترة 1970–2024، وإعادة تحليل ERA5/ERA5-Land، وبيانات NASA POWER لبعض السنوات الحديثة. وهذه المصادر ليست متطابقة في الدقة والموقع والمنهج، لذلك لا ينبغي دمجها في سلسلة واحدة كما لو كانت جميعها قياسات محطة أرصاد واحدة.

أما الاتجاه الوطني طويل الأجل، فقد أصبح أكثر وضوحًا بفضل دراسة Aksu وPektaş وAlsenjar المنشورة في Climate Dynamics عام 2026، والتي استخدمت ERA5-Land للفترة 1950–2024 ووجدت احترارًا واسع النطاق في سوريا وزيادة في التطرفات الحارة وانخفاضًا في التطرفات الباردة، إلى جانب تغيرات معقدة في خصائص الهطول وفترات الجفاف.

المراجع الخاصة بهذا الفصل

  • Aksu, H., Pektaş, M. H., & Alsenjar, O. (2026). Climate change-induced variabilities and most recent normal in climate extremes using ERA5-Land reanalysis data in Syria from 1950 to 2024. Climate Dynamics, 64, 196. DOI: 10.1007/s00382-026-08130-2.
  • WorldClim / CRU TS v4.09، تحليل مناخ درعا 1970–2024، مع الفترة المرجعية WMO 1991–2020.
  • WMO-based historical climate normals for Daraa، 1972–2004.
  • NASA POWER / MERRA-2، بيانات الهطول السنوي لنقطة مركز محافظة درعا؛ وهي إعادة تحليل وليست قياسات محطة.
  • دراسة Integrating climate indices and land use practices for comprehensive drought monitoring in Syria: Impacts and implications، Environmental and Sustainability Indicators, 2025.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى