أخبار سوريا

زراعة القطن في الجزيرة السورية بين ارتفاع الحرارة والمياه…مناخ الجزيرة السورية إلى أين؟

في الجزيرة السورية، لا تبدو أزمة المناخ في ارتفاع درجات الحرارة وحده. التحدي الأكبر يظهر عندما تلتقي الحرارة المتزايدة مع مورد أكثر حساسية: المياه.

وهنا تصبح قصة القطن في محافظة الحسكة مثالًا واضحًا على التغير الذي يمكن أن يطرأ على الزراعة خلال العقود المقبلة. فالقطن محصول صيفي يحتاج إلى الري خلال فترة نموه، وبالتالي فإن السؤال المناخي الأهم ليس فقط: هل أصبحت المنطقة أكثر حرارة؟ بل أيضًا: ماذا يعني ارتفاع الحرارة بالنسبة إلى كمية المياه التي يحتاجها المحصول، في منطقة تعتمد الزراعة فيها أصلًا بدرجة كبيرة على الري؟

هذه العلاقة بين الحرارة والمياه والزراعة هي التي تحدد إلى حد كبير مستقبل القطن في الحسكة والقامشلي.

الحسكة.. زراعة مرتبطة بالمياه أكثر مما تبدو عليه

تاريخيًا، تطورت الزراعة المروية في شمال شرقي سورية على نطاق واسع، وكانت محافظة الحسكة من أهم مناطق التوسع في استخدام مياه الآبار للري.

وتشير بيانات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) إلى أن نحو 44% من المساحات المروية بالآبار في سورية كانت موجودة في محافظة الحسكة ضمن حوض الخابور في أواخر التسعينيات وبدايات الألفية. وكانت المنظمة قد أشارت آنذاك إلى ضغوط كبيرة على الموارد المائية في حوض الخابور نتيجة التوسع في المساحات المروية، وزيادة الاعتماد على الآبار، وتكرار فترات الجفاف.

هذه الأرقام تاريخية ولا يمكن استخدامها بوصفها قياسًا مباشرًا للوضع المائي في عام 2026، لكنها تكشف شيئًا مهمًا عن بنية الزراعة في المنطقة: المياه الجوفية والموارد المحلية وشبكات الري كانت وما تزال جزءًا أساسيًا من المعادلة الزراعية في الحسكة.

ولم يختفِ دور الخابور من المشهد الزراعي. ففي السنوات الأخيرة نفذت منظمة الأغذية والزراعة، بالتعاون مع برنامج الأغذية العالمي، أعمالًا لتقييم وإعادة تأهيل أنظمة الري ومنشآت حصاد المياه على نهر الخابور في محافظة الحسكة، إلى جانب تدريب جمعيات مستخدمي المياه على إدارة منشآت الري وتنظيم جداول الري وفق احتياجات المحاصيل ومساحات الأراضي.

وهذا يعكس واقعًا مهمًا: المشكلة ليست في كمية المياه وحدها، وإنما في كيفية إدارتها واستخدامها أيضًا.

لماذا لا يكفي الحديث عن الأمطار؟

قد يبدو من السهل الربط بين تراجع الأمطار وتراجع إنتاج القطن، لكن هذه العلاقة ليست مباشرة.

القطن في الحسكة محصول صيفي مروي، ولذلك فإن الأمطار الصيفية ليست المصدر الرئيسي للمياه التي يحصل عليها النبات خلال موسم نموه. المصدر المباشر هو مياه الري.

ولهذا فإن تأثير تغير المناخ على القطن يمر عبر مسار أكثر تعقيدًا:

ارتفاع الحرارة → زيادة الطلب التبخري للغلاف الجوي → زيادة فقدان المياه بالتبخر والنتح → ارتفاع الاحتياجات المائية للمحصول → ضغط أكبر على مياه الري.

أما الأمطار فتظل مهمة بصورة غير مباشرة، لأنها تؤثر في تغذية الموارد المائية، ورطوبة التربة، وتغذية بعض مصادر المياه الجوفية، وتوافر المياه في الأحواض والأنهار والمنشآت المائية.

بمعنى آخر، ليس السؤال ببساطة: كم هطلت الأمطار؟

بل السؤال الأهم للزراعة المروية هو:

كم من المياه يحتاج المحصول، وكم من المياه يمكن توفيرها فعليًا؟

الحرارة هي الجزء الذي بدأ يتغير بوضوح

تظهر الدراسات المناخية الحديثة اتجاهًا واضحًا نحو ارتفاع درجات الحرارة في سورية.

دراسة حديثة نُشرت عام 2026 في مجلة Climate Dynamics، واعتمدت على بيانات ERA5-Land للفترة 1950–2024، وجدت ارتفاعًا واسع النطاق في درجات الحرارة في سورية، مع انخفاض في مؤشرات البرد وارتفاع في مؤشرات التطرف الحراري، إلى جانب زيادة واضحة في تواتر وشدة بعض مؤشرات الحرارة القصوى.

وتتميز هذه الدراسة بأهميتها لأنها تغطي فترة طويلة تمتد لأكثر من سبعة عقود، وتعتمد على إعادة التحليل المناخي ERA5-Land بدقة مكانية تقارب 9 كيلومترات.

لكن الدراسة نفسها تشير إلى أن تغيرات الأمطار أكثر تعقيدًا وتباينًا من تغيرات الحرارة، ولذلك لا يمكن اختزال مستقبل المناخ السوري في عبارة مثل “الأمطار تتراجع في كل مكان وبالمعدل نفسه”.

بالنسبة إلى الحسكة، هذه نقطة مهمة جدًا.

ارتفاع الحرارة أكثر وضوحًا واتساقًا من اتجاهات الأمطار، ولهذا يجب أن يكون محورًا أساسيًا عند دراسة مستقبل الزراعة المروية.

ماذا تعني درجة حرارة إضافية للقطن؟

النبات لا يشعر بدرجة الحرارة بالطريقة التي نشعر بها نحن.

بالنسبة للمحصول، ارتفاع الحرارة يعني غالبًا ارتفاع الطلب التبخري للغلاف الجوي، خصوصًا عندما يترافق مع انخفاض الرطوبة أو زيادة سرعة الرياح وارتفاع الإشعاع الشمسي.

ولهذا تستخدم الدراسات الزراعية مفهوم البخر-نتح المرجعي ETo، وهو تقدير لكمية المياه التي يمكن أن يفقدها سطح مرجعي نتيجة التبخر والنتح في ظروف جوية محددة.

ولا يعتمد ETo على الحرارة وحدها؛ فالحرارة والرطوبة والرياح والإشعاع الشمسي كلها تدخل في الحساب.

بعد ذلك يمكن تقدير احتياجات المحصول نفسه من خلال:

ETc = Kc × ETo

حيث:

  • ETc = البخر-نتح للمحصول.
  • ETo = البخر-نتح المرجعي.
  • Kc = معامل المحصول، ويتغير حسب مرحلة نمو النبات.

وهنا تظهر أهمية هذه المعادلة بالنسبة للقطن في الحسكة.

إذا ارتفع ETo نتيجة تغير الظروف المناخية، فإن احتياجات القطن المائية قد ترتفع أيضًا، حتى لو لم يحدث تغير كبير في كمية الأمطار السنوية.

القطن في شمال سورية.. الماء يغير النتيجة

هناك دليل زراعي مهم من شمال سورية نفسه.

ففي دراسة ميدانية نفذها باحثون من المركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA) بين عامي 2004 و2006، تمت دراسة استهلاك المياه وإنتاجية القطن تحت مستويات مختلفة من الري باستخدام الري بالتنقيط.

وأظهرت التجارب أن كمية المياه المتاحة للنبات كان لها تأثير واضح في النمو والإنتاج والبخر-نتح الفعلي للمحصول.

بلغ متوسط إنتاج القطن في التجربة نحو 2500 كغ/هكتار تقريبًا، بينما تراوح الإنتاج بين نحو 1520 كغ/هكتار عند مستوى ري منخفض ونحو 3460 كغ/هكتار عند الري الكامل في ظروف التجربة.

كما بلغ متوسط إنتاجية المياه المحسوبة على أساس البخر-نتح الفعلي نحو 0.36 كغ من القطن لكل متر مكعب من المياه المستهلكة في المحصول.

هذه النتائج لا تعني أن المزارع في الحسكة سيحصل على الأرقام نفسها اليوم؛ فالنتيجة تختلف حسب الصنف والتربة ودرجة الحرارة وطريقة الري والأسمدة وخصائص الموسم.

لكن الدراسة تقدم رسالة مهمة جدًا: إدارة المياه يمكن أن تكون حاسمة بقدر كمية المياه نفسها.

وهذا يعني أن مستقبل القطن لا يعتمد فقط على تأمين مياه إضافية، وإنما أيضًا على رفع كفاءة استخدام كل متر مكعب متاح.

الخطر الحقيقي قد يكون في الفجوة بين احتياجات النبات والمياه المتاحة

هنا نصل إلى جوهر المشكلة.

إذا ارتفعت درجات الحرارة خلال العقود القادمة، فإن الطلب التبخري يمكن أن يرتفع. وإذا ارتفعت احتياجات القطن المائية في الوقت الذي تصبح فيه الآبار أو مصادر المياه الأخرى أقل قدرة على تلبية الطلب، فإن الفجوة بين المياه المطلوبة والمياه المتاحة ستزداد.

وهذه الفجوة أهم من النظر إلى تغير الأمطار السنوية وحده.

فقد يحصل عام على كمية أمطار ليست بعيدة كثيرًا عن المتوسط، لكن إذا جاءت الأمطار في أوقات غير مناسبة، أو ترافقت مع موجات حر طويلة، أو كان مخزون المياه الجوفية منخفضًا، فإن الزراعة المروية قد تواجه ضغطًا مائيًا كبيرًا.

لذلك فإن المؤشر الذي يستحق المتابعة ليس المطر فقط، بل:

الحرارة + البخر-نتح + رطوبة التربة + المياه الجوفية + مياه الري المتاحة + كفاءة شبكة الري.

المشكلة ليست مناخية فقط

حتى لو ارتفعت احتياجات القطن المائية بسبب الحرارة، فإن ذلك لا يعني تلقائيًا أن زراعة القطن ستختفي من الحسكة النتيجة تعتمد على قدرة القطاع الزراعي على التكيف.

هناك عدة عوامل يمكن أن تغير الصورة، منها:

  • تحسين كفاءة الري وتقليل الفاقد.
  • التحول إلى تقنيات ري أكثر كفاءة حيث تكون مناسبة اقتصاديًا ومائيًا.
  • اختيار أصناف أكثر قدرة على تحمل الإجهاد الحراري والمائي.
  • تحسين توقيت الري وفق مراحل نمو النبات.
  • استخدام بيانات الطقس والتربة لحساب الاحتياجات المائية بدل الاعتماد على جداول ثابتة.
  • مراقبة مستويات المياه الجوفية ونوعية المياه.
  • تحسين إدارة الآبار وشبكات الري.
  • تطوير أصناف تحقق إنتاجية أعلى لكل متر مكعب من المياه.

وهنا يمكن أن يصبح التطور التكنولوجي جزءًا من الحل المناخي.

ماذا نحتاج أن نعرف قبل أن نحكم على مستقبل القطن؟

هناك سؤال لا يمكن الإجابة عنه بدقة من خلال درجات الحرارة وحدها:

كم ستزداد حاجة القطن إلى المياه فعلًا في الحسكة؟

وللإجابة يجب إجراء حساب محلي للبخر-نتح المرجعي ETo باستخدام بيانات يومية للحرارة والرطوبة والرياح والإشعاع الشمسي، ثم تطبيق معاملات Kc الخاصة بالقطن على مراحل النمو المختلفة للحصول على ETc.

بعد ذلك يمكن مقارنة فترتين زمنيتين، مثل فترة مناخية تاريخية مع فترة حديثة، لمعرفة ما إذا كانت الاحتياجات المائية قد تغيرت بالفعل، وبأي مقدار.

والأهم أن هذه الحسابات يجب أن تكون مرتبطة بمعلومات عن المياه المتاحة فعليًا للزراعة.

فزيادة احتياجات المحصول بنسبة معينة لا يمكن افتراضها من ارتفاع درجة الحرارة وحده، كما لا يمكن القول إن المزارع سيحتاج إلى عدد إضافي محدد من الريات قبل إجراء الحسابات المناخية والزراعية اللازمة.

ماذا تقول الصورة حتى الآن؟

الصورة العلمية المتاحة تسمح لنا بالقول إن الحسكة تواجه تحديًا مناخيًا ومائيًا متداخلًا.

من جهة، تشير بيانات المناخ الحديثة إلى اتجاه واضح نحو ارتفاع الحرارة في سورية خلال العقود الماضية.

ومن جهة أخرى، تمتلك الحسكة تاريخًا طويلًا من الاعتماد الكبير على الزراعة المروية والآبار، فيما شهد حوض الخابور ضغوطًا مائية كبيرة خلال العقود الماضية.

أما القطن، فهو محصول يحتاج إلى الري خلال الصيف، ولذلك فإن ارتفاع الطلب التبخري الناتج عن الحرارة يمكن أن يزيد الضغط على المياه اللازمة للوصول إلى إنتاج جيد.

لكن هناك نقطة يجب عدم تجاوزها:

لا توجد قاعدة علمية تسمح بالقول إن ارتفاع الحرارة سيؤدي وحده إلى انخفاض محدد في إنتاج القطن.

فالنتيجة النهائية ستتحدد من خلال تفاعل المناخ مع المياه المتاحة، وكفاءة الري، والصنف، والتربة، والإدارة الزراعية.

الجزيرة السورية في العقود المقبلة

قد لا تكون القضية في النهاية هي ما إذا كانت الحسكة ستبقى منطقة لزراعة القطن أم لا.

السؤال الأكثر واقعية هو:

هل ستتمكن المنطقة من إنتاج القطن باستخدام كمية مياه أقل لكل كيلوغرام من المحصول؟

هذا التحول في طريقة التفكير مهم.

ففي مناخ أكثر حرارة، يصبح قياس نجاح الزراعة بالمحصول وحده غير كافٍ. يجب أن نعرف أيضًا كمية المياه التي استُهلكت للوصول إلى هذا المحصول.

وهنا تصبح إنتاجية المياه مؤشرًا أساسيًا لمستقبل الزراعة في الجزيرة السورية.

إذا تمكنت الإدارة الزراعية من رفع إنتاجية كل متر مكعب من المياه، فقد تستطيع المنطقة التكيف مع جزء من الضغط المناخي.

أما إذا استمرت الاحتياجات المائية في الارتفاع بالتزامن مع تراجع قدرة مصادر المياه على تلبية الطلب، فإن المنافسة على المياه ستصبح عاملًا أكثر أهمية في تحديد مستقبل الزراعة.

الخلاصة

مستقبل القطن في الحسكة لن تحدده الأمطار وحدها، ولن تحدده الحرارة وحدها.

المعادلة أكثر تعقيدًا:

مناخ أكثر حرارة → طلب تبخري أعلى → احتياجات مائية أكبر للمحصول → ضغط أكبر على مصادر الري → حاجة متزايدة إلى كفاءة أعلى في استخدام المياه.

وهذا يجعل تغير المناخ في الجزيرة السورية قضية زراعية ومائية في الوقت نفسه.

والخطوة العلمية التالية ليست إطلاق توقعات عامة، بل الانتقال إلى الأرقام المحلية: حساب ETo وETc للقطن في الحسكة والقامشلي، ومقارنة الاحتياجات المائية بين فترة مناخية تاريخية والفترة الحديثة، ثم وضع هذه النتائج إلى جانب واقع المياه الجوفية والري.

عندها فقط يمكن الإجابة بصورة أكثر دقة عن السؤال الذي يهم المزارع وصانع القرار معًا:

كم سيحتاج القطن في الحسكة من المياه خلال العقود المقبلة، وهل ستكون المياه المتاحة كافية لتلبية هذه الحاجة؟

المصادر العلمية

  1. FAO – Irrigation Water Policies in Syria
    بيانات تاريخية عن الري بالآبار وحوض الخابور وتوزع المساحات المروية في سورية.
  2. FAO & WFP – Irrigation practices and tools in Al-Hasakeh
    معلومات عن إعادة تأهيل أنظمة الري ومنشآت حصاد المياه في حوض الخابور وتطوير إدارة مياه الري.
  3. Oweis, T., Farahani, H., & Hachum, A. (2011).
    Evapotranspiration and water use of full and deficit irrigated cotton in the Mediterranean environment in northern Syria.
    Agricultural Water Management, 98(8), 1239–1248.
    دراسة ميدانية على احتياجات مياه القطن وإنتاجية المياه في شمال سورية.
  4. Aksu, H., Pektaş, M.H., & Alsenjar, O. (2026).
    Climate change-induced variabilities and most recent normal in climate extremes using ERA5-Land reanalysis data in Syria from 1950 to 2024.
    Climate Dynamics, 64, 196.
    دراسة حديثة للتغيرات المناخية والتطرفات الحرارية والهطولية في سورية باستخدام ERA5-Land.
  5. FAO – Crop evapotranspiration (FAO-56).
    المرجع الأساسي لمنهجية حساب البخر-نتح المرجعي ETo واحتياجات المحاصيل المائية ETc باستخدام منهجية Penman–Monteith ومعاملات المحصول Kc.

ملاحظة منهجية: الأرقام التاريخية الخاصة بالري والآبار لا تمثل بالضرورة الوضع المائي الحالي في الحسكة، كما أن نتائج تجربة القطن لا ينبغي تعميمها حرفيًا على جميع الأراضي الزراعية في المحافظة. وللحصول على تقدير حديث للاحتياجات المائية، يلزم حساب ETo وETc باستخدام بيانات مناخية يومية محلية أو عالية الدقة، ثم مقارنتها بالمياه المتاحة فعليًا للري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى