سوريا تستعيد الاكتفاء الذاتي من القمح في 2026

سوريا تستعيد الاكتفاء الذاتي من القمح بعد سنوات من الاعتماد على الاستيراد
دمشق – المركز السوري للطقس والمناخ
6 آب/أغسطس 2026
حققت سوريا تحولاً لافتاً في ملف الأمن الغذائي مع اقترابها من استعادة الاكتفاء الذاتي من محصول القمح خلال موسم 2026، بعد سنوات طويلة من تراجع الإنتاج والاعتماد على الاستيراد لتغطية جزء كبير من احتياجات السوق المحلية.
وتأتي هذه التطورات بعد موسم زراعي شهد تحسناً كبيراً في إنتاج القمح، إذ تشير التقديرات الرسمية إلى إمكانية وصول الإنتاج السوري خلال الموسم الحالي إلى نحو 2.5 مليون طن، وهو مستوى يقارب الاحتياجات السنوية المقدرة للبلاد، ويتيح لسوريا تقليص اعتمادها على الأسواق الخارجية بصورة كبيرة.
إنتاج يقترب من 2.5 مليون طن
أعلنت المؤسسة السورية للحبوب في وقت سابق من موسم 2026 أن الإنتاج المتوقع من القمح قد يبلغ نحو 2.5 مليون طن، وهو رقم يعادل تقريباً الاحتياجات السنوية المقدرة لسوريا.
وبحلول 21 تموز/يوليو، أعلنت المؤسسة أنها استلمت بالفعل أكثر من 2.4 مليون طن من القمح من محصول الموسم الحالي، مع استمرار عمليات الاستلام في عدد من المحافظات.
وكانت الكميات المستلمة قد تجاوزت 2.2 مليون طن في 15 تموز/يوليو، ما يعكس تسارع عمليات التسويق والتوريد خلال فترة الحصاد.
وتشير هذه الأرقام إلى أن محصول 2026 يمثل قفزة كبيرة مقارنة بالموسم السابق، عندما تضرر إنتاج القمح بشدة نتيجة الجفاف والظروف الزراعية الصعبة.
من أزمة القمح إلى استعادة الأمن الغذائي
يمثل القمح محصولاً استراتيجياً بالنسبة لسوريا، نظراً لارتباطه المباشر بإنتاج الخبز والدقيق والأمن الغذائي للسكان.
وقد شهد القطاع الزراعي خلال السنوات الماضية تراجعاً حاداً في الإنتاج، نتيجة الحرب وتضرر البنية التحتية الزراعية وشبكات الري ومراكز التخزين، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع القدرة على توفير مستلزمات الزراعة.
وفي عام 2025، وصلت أزمة القمح إلى مستويات صعبة للغاية، إذ أشارت تقارير دولية إلى تراجع الإنتاج نتيجة موجة جفاف قاسية، مع توقعات بفجوة كبيرة بين الإنتاج المحلي والاحتياجات.
لكن موسم 2026 جاء بصورة مختلفة، مع تحسن الظروف الزراعية وارتفاع المساحات والإنتاج، إلى جانب الإجراءات الحكومية لتشجيع المزارعين على تسليم المحصول إلى المؤسسة السورية للحبوب.
دعم المزارعين وتشجيع تسليم المحصول
اتخذت الحكومة السورية خلال الموسم الحالي مجموعة من الإجراءات بهدف زيادة الإنتاج المحلي وتحفيز المزارعين.
ومن أبرز هذه الإجراءات إصدار مرسوم يمنح المزارعين مكافأة إضافية قدرها 9000 ليرة سورية جديدة لكل طن من القمح يتم تسليمه إلى المؤسسة السورية للحبوب، إضافة إلى سعر الشراء المحدد رسمياً.
كما أطلقت المؤسسة منصة إلكترونية لتنظيم عمليات حجز واستلام القمح، بهدف تسهيل إجراءات التسويق وتسريع وصول المحصول إلى مراكز الاستلام.
وتواصلت في الوقت نفسه عمليات تأهيل الصوامع ومراكز التخزين، في محاولة لمعالجة واحدة من أبرز نقاط الضعف التي واجهت قطاع الحبوب خلال السنوات الماضية.
أكثر من 2.4 مليون طن تم استلامها
تكشف بيانات المؤسسة السورية للحبوب عن حجم التحسن في الموسم الحالي.
ففي 21 تموز/يوليو، أعلنت المؤسسة استلام أكثر من 2.4 مليون طن من القمح، مؤكدة أنها رفعت قدراتها التخزينية لاستيعاب الكميات الواردة من مختلف المناطق.
كما سجلت محافظة الحسكة، وهي إحدى أهم مناطق إنتاج القمح في سوريا، تسويق أكثر من مليون طن من القمح حتى 19 تموز/يوليو، عبر 21 مركزاً تابعاً للمؤسسة السورية للحبوب.
وتشير هذه الأرقام إلى أن مناطق الإنتاج الرئيسية، ولا سيما شمال وشرق البلاد، لعبت دوراً أساسياً في رفع إجمالي المحصول الوطني.
لماذا يعتبر موسم 2026 مهماً؟
تكمن أهمية الموسم الحالي في أن الإنتاج المحلي أصبح قريباً جداً من مستوى الاستهلاك السنوي.
وبحسب المؤسسة السورية للحبوب، تقدر احتياجات سوريا السنوية من القمح بنحو 2.5 مليون طن، بينما تشير التقديرات الرسمية إلى إنتاج مماثل تقريباً خلال موسم 2026.
وبالتالي، فإن تحقيق إنتاج عند مستوى 2.5 مليون طن يعني أن سوريا تستطيع نظرياً تغطية احتياجاتها الأساسية من الإنتاج المحلي، مع اختلاف الوضع الفعلي بحسب حجم المخزون، ونسب الفاقد، والقمح المستخدم للبذار، ومواصفات القمح المطلوبة للطحن وإنتاج الدقيق.
وهنا يجب التمييز بين الإنتاج المحلي والاكتفاء الذاتي الفعلي؛ فالوصول إلى الاكتفاء المستدام لا يعتمد على كمية الإنتاج وحدها، وإنما أيضاً على قدرة الدولة على تخزين المحصول وإدارته وتوزيعه، وضمان استمرار الإنتاج في المواسم اللاحقة.
مقارنة مع السنوات السابقة
يمثل التحول الحالي عودة قوية لقطاع القمح السوري بعد سنوات من التراجع.
ففي عام 2025، أدت موجة الجفاف الشديدة إلى انخفاض كبير في الإنتاج، بينما اضطرت سوريا إلى البحث عن مصادر خارجية لتغطية العجز في احتياجاتها الغذائية. وقد وصفت تقارير دولية الموسم الزراعي آنذاك بأنه من أصعب المواسم التي مر بها قطاع القمح السوري خلال عقود.
أما في 2026، فتشير البيانات الرسمية إلى إنتاج متوقع يبلغ نحو 2.5 مليون طن، مع تجاوز الكميات المسلمة للمؤسسة حاجز 2.4 مليون طن بحلول 21 تموز/يوليو.
وهذا يعني أن سوريا انتقلت خلال عام واحد من أزمة كبيرة في إمدادات القمح إلى موسم قادر على الاقتراب من تغطية احتياجاتها المحلية.
من الاكتفاء الذاتي إلى بناء فائض استراتيجي
لا تقتصر أهمية هذا الموسم على الاستغناء عن الاستيراد فقط، بل تكمن الأهمية الأكبر في إمكانية بناء مخزون استراتيجي وطني من القمح.
وتعمل المؤسسة السورية للحبوب على إعادة تأهيل عدد كبير من منشآت التخزين، بما في ذلك الصوامع والصويمعات والمستودعات ومراكز الاستلام، بهدف رفع القدرة التخزينية وتقليل خسائر المحصول.
كما جرى افتتاح وتجهيز مراكز جديدة، من بينها مركز حبوب سراقب في ريف إدلب بطاقة تخزينية تصل إلى 70 ألف طن.
وفي حال تمكنت سوريا من الحفاظ على إنتاج يتجاوز احتياجاتها السنوية في المواسم الجيدة، فإن الخطوة التالية ستكون الانتقال من مجرد الاكتفاء الذاتي إلى بناء احتياطي استراتيجي قادر على حماية البلاد من سنوات الجفاف وتقلبات الأسعار العالمية.
العامل المناخي.. موسم استثنائي بعد جفاف قاسٍ
يحمل موسم 2026 أهمية إضافية من الناحية المناخية، فبعد الجفاف الشديد الذي ضرب سوريا خلال موسم 2025 وأدى إلى خسائر كبيرة في المحاصيل، جاء الموسم الحالي بظروف أفضل ساعدت على تحسين أداء المحاصيل في مناطق واسعة.
وهذا يوضح مدى ارتباط الأمن الغذائي السوري بالتغيرات في الأمطار وتوزيعها، خصوصاً أن نسبة مهمة من زراعة القمح في البلاد تعتمد على الزراعة البعلية.
ومن منظور مناخي، فإن الحفاظ على هذا المستوى من الإنتاج يتطلب الاستثمار في الري الحديث، وحصاد مياه الأمطار، وتطوير أصناف قمح أكثر تحملاً للجفاف والحرارة، وتحسين إدارة الموارد المائية.
الخلاصة
يمثل موسم القمح السوري لعام 2026 واحداً من أبرز التحولات الزراعية والاقتصادية في البلاد خلال السنوات الأخيرة.
فمع توقع إنتاج يقارب 2.5 مليون طن، واستلام أكثر من 2.4 مليون طن حتى 21 تموز/يوليو، أصبحت سوريا قريبة جداً من تغطية احتياجاتها السنوية من القمح محلياً.
وبعد سنوات من العجز والاستيراد، تعطي هذه الأرقام مؤشراً مهماً على إمكانية استعادة سوريا لدورها كبلد منتج للقمح، شرط استمرار دعم المزارعين، وتطوير البنية التحتية، وتحسين إدارة المياه، والحفاظ على المخزون الاستراتيجي.
الأهم الآن ليس فقط تحقيق موسم جيد في 2026، وإنما تحويل هذا النجاح إلى قدرة إنتاجية مستدامة تحمي الأمن الغذائي السوري في مواجهة الجفاف والتغير المناخي وتقلبات الأسواق العالمية.
مصادر التقرير
- المؤسسة السورية للحبوب ووكالة سانا.
- بيانات المؤسسة حول احتياجات سوريا السنوية من القمح.
- تقارير رويترز حول أزمة القمح والجفاف في سوريا خلال 2025.



