دراسة… الأنسان الكائن الوحيد الذي تخشاه الدببة وأسود الجبال؟

لماذا تخاف المفترسات من الإنسان؟ دراستان تكشفان كيف تغيّر الدببة وأسود الجبال سلوكها لتجنب البشر
دراسات حديثة تكشف أن وجود الإنسان لا يغيّر سلوك الحيوانات المفترسة فحسب، بل قد يعيد تشكيل علاقاتها بالغذاء والنظام البيئي
تبدو براري أمريكا الشمالية للوهلة الأولى موطناً تهيمن عليه حيوانات مفترسة قادرة على إثارة الخوف لدى الإنسان، من الدببة السوداء والبنية إلى أسود الجبال التي تتحرك بصمت بين الغابات والجبال.
لكن دراستين علميتين حديثتين نشرتا في مجلة Current Biology تقدمان صورة أكثر تعقيداً: هذه الحيوانات لا تنتظر بالضرورة مواجهة الإنسان، بل تستطيع اكتشاف وجوده وتغيير سلوكها ومواقع نشاطها مسبقاً لتقليل احتمالات الاحتكاك به.
وتكشف النتائج أن ما يعرف علمياً بـ «منظر الخوف» (Landscape of Fear) لا يقتصر تأثيره على سلوك الحيوان نفسه، بل يمكن أن يمتد إلى طريقة تغذيته وانتقال المغذيات داخل النظام البيئي، وحتى إلى احتمالات حدوث الصراع بين الإنسان والحياة البرية.
الدببة تستجيب لأصوات البشر أكثر من أصوات المركبات
في الدراسة الأولى، التي قادها باحثون من دائرة الغابات التابعة لوزارة الزراعة الأمريكية (USDA Forest Service)، درس العلماء تأثير النشاط البشري في سلوك الحيوانات أثناء تغذيتها على السلمون في جنوب شرق ألاسكا.
ونُشرت الدراسة بعنوان:
Fear of humans disrupts trophic interactions that underpin animal-mediated ecosystem functions
في مجلة Current Biology في 8 يونيو/حزيران 2026، وهي متاحة عبر المصدر الرسمي لدائرة الغابات الأمريكية، وتحمل DOI: 10.1016/j.cub.2026.04.063.
وأجريت التجارب في بيئة غابات تونغاس المطيرة في جنوب شرق ألاسكا، حيث تلعب الدببة دوراً مهماً في نقل المغذيات التي يحملها السلمون من الأنظمة المائية إلى البيئة البرية.
استخدم الباحثون تسجيلات صوتية لمحاكاة أنواع مختلفة من النشاط البشري، وشملت التجربة أصوات طيور النورس كحالة ضابطة، وأصوات مركبات الطرق الوعرة، وأصوات البشر.
وكانت الاستجابة لافتة.
فالدببة كانت أكثر احتمالاً للفرار بنحو الضعف عند سماع أصوات مركبات الطرق الوعرة مقارنة بأصوات النورس، بينما ارتفعت احتمالية فرارها إلى نحو عشرة أضعاف عند سماع أصوات البشر مقارنة بالأصوات الضابطة.
وشملت المشاهدات المستخدمة في تحليل الدببة 235 مشاهدة للدببة السوداء و13 مشاهدة للدببة البنية، ما يعني أن النتيجة المتعلقة بالدببة البنية يجب تفسيرها بحذر بسبب صغر حجم العينة.
الإنسان لا يخيف الدببة فقط… بل يغير وظيفة النظام البيئي
الأهمية الحقيقية للدراسة لا تكمن في اكتشاف أن الدببة تخاف من البشر؛ فهذا السلوك معروف لدى علماء الحياة البرية منذ فترة طويلة.
المفاجأة هي ما يحدث بعد أن تغير الدببة سلوكها.
تؤدي الدببة دوراً بيئياً مهماً عندما تتغذى على السلمون، إذ تساعد على نقل العناصر الغذائية من البيئة المائية إلى الغابات المحيطة. وعندما يتغير سلوكها نتيجة وجود الإنسان، يمكن أن تتغير كمية السلمون التي تزيلها الدببة من المواقع التي تتغذى فيها، وبالتالي تتغير التفاعلات الغذائية المرتبطة بهذه العملية.
وأظهرت الدراسة أن تأثير الدببة في عملية التحلل كان أقوى بكثير في المواقع التي لم تتعرض لمحاكاة النشاط البشري؛ إذ بلغ التأثير الكلي للدببة في التحلل 3.6 أضعاف التأثير المسجل في مواقع المعالجة.
وهكذا يتحول تأثير الإنسان من مجرد «إخافة حيوان» إلى عامل يمكنه تغيير سلسلة من العمليات البيئية المرتبطة بالتغذية ونقل المغذيات والتحلل.
أسود الجبال تختار الابتعاد عن النشاط البشري
الدراسة الثانية تناولت مفترساً آخر شديد القدرة على التخفي: أسد الجبال (Mountain Lion).
وحملت الدراسة عنوان:
Habitat selection and outdoor recreation help explain human-mountain lion conflict
ونُشرت في Current Biology في يوليو/تموز 2026، واعتمدت على بيانات عالية الدقة لحركة 36 أسد جبال حراً في جبال سانتا كروز بولاية كاليفورنيا، جُمعت على مدى ست سنوات.
وقارن الباحثون بيانات تحديد المواقع GPS للحيوانات ببيانات كثافة النشاط البشري في مسارات التنزه والأنشطة الخارجية، باستخدام بيانات مكانية وزمنية مستمدة من منصة Strava.
وكانت النتيجة واضحة:
أسود الجبال تتجنب النشاط الترفيهي البشري بشكل استباقي وعلى مقاييس مكانية دقيقة للغاية.
ووجد الباحثون أن استجابة الحيوانات كانت مرتبطة بمتوسط النشاط البشري في المسارات على مدى زمني طويل، وبمقياس مكاني بلغ نحو 30 متراً.
أي أن أسد الجبال لا يحتاج بالضرورة إلى رؤية الإنسان حتى يغير تحركاته؛ فالأنماط المتكررة للنشاط البشري في المنطقة يمكن أن تكون كافية للتأثير في طريقة استخدامه للمكان.
بعض أسود الجبال تصبح أكثر تحملاً للبشر
لكن الدراسة كشفت أيضاً عن جانب أكثر تعقيداً.
لم تكن جميع أسود الجبال متشابهة في استجابتها للنشاط البشري. فقد أظهرت الحيوانات التي تتعرض لمستويات أعلى من النشاط الترفيهي البشري قدراً أكبر من التسامح مع وجود البشر، وهو ما قد يساعدها على الاستفادة من موائل متاحة في بيئة أصبحت مجزأة بفعل التطور البشري.
وهذا لا يعني أن هذه الحيوانات «اعتادت على البشر» بصورة كاملة، بل يشير إلى وجود مرونة سلوكية تسمح لبعض الأفراد بالتعايش مع مستويات معينة من النشاط البشري.
هل الحيوانات التي لا تخاف من الإنسان هي الأكثر تسبباً بالمشكلات؟
هنا تقدم الدراسة نتيجة مهمة تخالف افتراضاً شائعاً.
حلل الباحثون 678 حادثة صراع مع أسود الجبال مسجلة بين عامي 2018 و2023، وقارنوا مواقع تلك الحوادث بمستويات النشاط الترفيهي واستخدام أسود الجبال للمناطق المختلفة.
ووجدوا أن كثافة النشاط الترفيهي البشري كانت مؤشراً قوياً على احتمالات الصراع، بينما لم تكن الاختلافات الفردية في مدى تحمل أسود الجبال للبشر كافية لتفسير مواقع حوادث الصراع.
وبعبارة أخرى، قد لا تكون المشكلة ببساطة أن «أسداً أكثر جرأة» اقترب من البشر.
بل يمكن أن يكون ازدياد التداخل المكاني بين الإنسان والحيوان هو العامل الأكثر أهمية.
وهذه النتيجة لها أهمية كبيرة بالنسبة لإدارة الحياة البرية، لأنها تشير إلى أن الحد من مناطق التداخل بين البشر والحيوانات قد يكون أكثر فاعلية من التركيز فقط على الحيوانات التي تبدو أكثر تحملاً للوجود البشري.
لماذا يتجنب الإنسانَ حيوانٌ مفترسٌ في قمة السلسلة الغذائية؟
يصف علماء البيئة الإنسان في كثير من الأبحاث بأنه يشكل نوعاً من مفترس القمة الفائق أو Super Predator، ليس بالضرورة لأن الإنسان يطارد هذه الحيوانات بصورة مباشرة، وإنما لأن الحيوانات البرية ارتبط لديها وجود الإنسان بدرجة مرتفعة من المخاطر.
وقد يؤدي ذلك إلى ظهور مجموعة من السلوكيات، منها:
- الابتعاد عن المناطق ذات النشاط البشري المرتفع.
- تغيير أوقات النشاط لتجنب البشر.
- زيادة اليقظة.
- تغيير مسارات الحركة.
- تقليل مدة البقاء في مواقع التغذية.
- الانتقال إلى مناطق أكثر عزلة.
- وفي بعض الحالات، زيادة النشاط الليلي.
لكن هذه الاستجابات ليست متطابقة بين جميع الأنواع أو حتى بين أفراد النوع الواحد.
«منظر الخوف» قد يعيد تشكيل الطبيعة
تقدم الدراستان معاً مثالاً واضحاً على مفهوم بيئي مهم يعرف باسم Landscape of Fear – منظر الخوف.
فالخوف من الإنسان يمكن أن ينتشر عبر النظام البيئي بطريقة غير مباشرة.
فعندما يتجنب الدب منطقة معينة بسبب وجود البشر، فإنه لا يغير موقعه فقط، بل قد يغير أيضاً طريقة حصوله على الغذاء. وإذا كان هذا الغذاء جزءاً من دورة المغذيات بين نظامين بيئيين، فقد ينتقل التأثير إلى مراحل أخرى من السلسلة البيئية.
وبالمثل، عندما يتجنب أسد الجبال منطقة تكثر فيها الأنشطة البشرية، فإن ذلك يمكن أن يعيد تشكيل استخدامه للموائل ويؤثر في فرص حدوث الاحتكاك بينه وبين الإنسان.
وهكذا لا يصبح الإنسان مجرد عنصر إضافي في البيئة، بل عاملاً قادراً على إعادة توزيع سلوك الحيوانات عبر المكان والزمان.
هل هذا يعني أن الدببة وأسود الجبال لا تشكل خطراً؟
لا.
هذه الدراسات لا تعني أن الحيوانات المفترسة غير خطرة، ولا تعني أن الإنسان يستطيع الاقتراب منها بأمان.
بل على العكس، تكشف النتائج أن تجنب الإنسان قد يكون أحد الآليات التي تساعد على تقليل عدد المواجهات الخطرة أصلاً.
فكون الحيوان يتجنب الإنسان لا يعني أنه فقد قدرته على الدفاع عن نفسه أو التصرف بصورة عدوانية عندما يشعر بالتهديد، خصوصاً في ظروف مثل الاقتراب المفاجئ، أو وجود صغار، أو المنافسة على الغذاء.
لذلك تبقى قواعد السلامة في مناطق الدببة وأسود الجبال ضرورية، حتى في المناطق التي تسجل فيها الحيوانات مستويات مرتفعة من التجنب البشري.
الخلاصة
تكشف الدراستان الحديثتان أن الخوف المتبادل بين الإنسان والحياة البرية أكثر تعقيداً مما قد يبدو للوهلة الأولى.
فالدببة في جنوب شرق ألاسكا أظهرت استجابة قوية لأصوات البشر، وكانت أكثر احتمالاً للفرار بنحو 10 مرات مقارنة بالأصوات الضابطة المستخدمة في التجربة. ولم يتوقف التأثير عند سلوك الحيوان، بل امتد إلى التفاعلات الغذائية والعمليات البيئية المرتبطة بنقل المغذيات والتحلل.
وفي كاليفورنيا، أظهرت أسود الجبال أنها تتجنب النشاط الترفيهي البشري على نطاق مكاني دقيق، بينما ارتبطت زيادة النشاط البشري في المسارات بارتفاع احتمالات الصراع بين الإنسان والحيوان.
والرسالة الأوسع التي تحملها هذه الأبحاث هي أن الحفاظ على الحياة البرية لا يتعلق فقط بحماية الحيوانات من البشر، بل أيضاً بإدارة المساحات التي يلتقي فيها الطرفان.
فكلما زاد التداخل غير المنظم بين الإنسان والحياة البرية، ازدادت احتمالات تغيير سلوك الحيوانات، وربما تغيير وظائف النظم البيئية نفسها.
المصادر العلمية
- Manlick, P. J., Demarest, A. B., Maddox, M. L., & Valladolid, A. (2026). Fear of humans disrupts trophic interactions that underpin animal-mediated ecosystem functions. Current Biology, 36(11), 2947–2954.e3. DOI: 10.1016/j.cub.2026.04.063.
- Morgan, J. J., Hansen, K. W., Ranc, N., Elbroch, L. M., Chaney, M. S., Lombardi, J. V., & Wilmers, C. C. (2026). Habitat selection and outdoor recreation help explain human-mountain lion conflict. Current Biology, 36(13), 3367–3373.e5. DOI: 10.1016/j.cub.2026.05.037.
- USDA Forest Service Research and Development – البيانات والملخص الرسمي للدراسة الخاصة بالدببة وتأثير الخوف من الإنسان على وظائف النظام البيئي.



