جفاف أوروبا يخنق شرايينها المائية.. تراجع قياسي في مناسيب الدانوب والراين يهدد النقل والصناعة

المركز السوري للطقس والمناخ – 29 يوليو/تموز 2026
تتفاقم تداعيات موجات الحر والجفاف التي تضرب أجزاء واسعة من أوروبا، مع استمرار التراجع الحاد في مناسيب عدد من الأنهار الرئيسية، وعلى رأسها الدانوب والراين، ما يضع حركة الملاحة النهرية وسلاسل الإمداد وقطاعات الصناعة والطاقة أمام ضغوط متزايدة.
وتشير أحدث بيانات مرصد الجفاف الأوروبي التابع لخدمة كوبرنيكوس لإدارة الطوارئ إلى أن ظروف الجفاف ظلت حرجة في مناطق واسعة من القارة خلال يوليو، مع تفاقم الوضع في أجزاء من أوروبا الوسطى والغربية بالتزامن مع موجة حر طويلة ودرجات حرارة أعلى من المعدلات المعتادة.
الدانوب.. منسوب شديد الانخفاض يربك الملاحة
في المجر، وصل نهر الدانوب إلى مستويات مائية استثنائية الانخفاض في العاصمة بودابست، حيث أظهرت البيانات الهيدرولوجية الرسمية أن المنسوب بلغ نحو 28 سنتيمترًا ظهر الثلاثاء 28 يوليو، بينما تشير التوقعات إلى استمرار الانخفاض أو بقائه قرب هذه المستويات خلال الأيام التالية.
وكانت وكالة رويترز قد أفادت في منتصف يوليو بأن منسوب الدانوب في بودابست اقترب آنذاك بفارق ثمانية سنتيمترات فقط من أدنى مستوى مسجل، ما تسبب في تعطل عدد من الرحلات السياحية النهرية وبقاء سفن عالقة أو متوقفة شمال العاصمة، إضافة إلى تعليق بعض الرحلات باتجاه المدن الواقعة شمال بودابست.
وتعكس هذه التطورات هشاشة الملاحة النهرية أمام استمرار الجفاف؛ فكلما انخفض المنسوب، تضطر السفن إلى تقليص حمولاتها أو تغيير مساراتها، بينما تتزايد صعوبة تشغيل الرحلات السياحية والسفن التجارية في المقاطع الأكثر ضحالة.
وقد امتدت التأثيرات إلى صربيا وكرواتيا أيضًا، حيث سجلت أجزاء من الدانوب مستويات شديدة الانخفاض، ما أدى إلى ظهور مساحات واسعة من الضفاف الرملية وتعطل حركة القوارب، في مؤشر على اتساع نطاق الإجهاد المائي على حوض النهر.
الراين.. الشريان الصناعي لأوروبا تحت ضغط الجفاف
ولا تبدو الصورة أفضل على نهر الراين في ألمانيا، الذي يمثل أحد أهم الممرات المائية التجارية في القارة.
وأفادت رويترز في 28 يوليو بأن انخفاض المياه نتيجة الطقس الحار والجاف دفع بعض سفن الشحن إلى الإبحار بحمولات لا تتجاوز 10% من طاقتها أو أقل في بعض الحالات، فيما ارتفعت تكاليف نقل البضائع بصورة حادة.
وعند نقطة كاوب (Kaub)، وهي من أكثر المقاطع حساسية للملاحة على الراين، توقعت هيئة الملاحة الداخلية الألمانية انخفاض العمق الملاحي من نحو 30 سنتيمترًا إلى قرابة 27 سنتيمترًا بحلول نهاية الأسبوع. وتحتاج السفن عادة إلى عمق ملاحي يقارب 1.5 متر حتى تتمكن من الإبحار بحمولة كاملة في هذا القطاع.
وفي 27 يوليو، كانت التوقعات أكثر تشاؤمًا، إذ أشارت الهيئة الألمانية إلى إمكانية تراجع العمق الملاحي عند كاوب إلى نحو 20 سنتيمترًا بنهاية الأسبوع، في ظل توقعات باستمرار الجفاف.
ولا يعني ذلك توقف الملاحة بالكامل، لكن المشكلة تكمن في أن السفن تصبح مضطرة إلى نقل كميات أقل بكثير من البضائع، ما يفرض استخدام عدد أكبر من السفن أو تحويل جزء من الشحنات إلى السكك الحديدية والطرق البرية، وهي بدائل أعلى تكلفة.
من الفحم والنفط إلى الحبوب والمعادن.. الجفاف يتحول إلى أزمة لوجستية
الراين ليس مجرد نهر أوروبي، بل يمثل شريانًا رئيسيًا لنقل الحبوب والمعادن والخامات والفحم والمنتجات النفطية، ويربط الموانئ الرئيسية على بحر الشمال بالمراكز الصناعية في ألمانيا وأجزاء أخرى من أوروبا.
وتشير رويترز إلى أن انخفاض مناسيب المياه أجبر السفن على تقليص حمولاتها بصورة كبيرة، بينما ارتفعت رسوم النقل النهري بشكل واضح. فقد ارتفعت تكلفة نقل صهاريج البضائع من روتردام إلى كارلسروه إلى نحو 130–140 يورو للطن في 28 يوليو، مقارنة بنحو 45 يورو فقط في نهاية يونيو.
وهذا يعني أن تأثير الجفاف لم يعد محصورًا في البيئة أو الموارد المائية، بل بدأ ينتقل إلى الأسعار وسلاسل التوريد والإنتاج الصناعي.
كوبرنيكوس: الجفاف ليس ظاهرة محلية
وتؤكد بيانات كوبرنيكوس والاتحاد الأوروبي أن تراجع مناسيب الأنهار يأتي ضمن سياق أوسع من الإجهاد المائي الذي تشهده أوروبا.
فخلال يونيو 2026، كانت تدفقات الأنهار أقل من المعدلات المعتادة في أجزاء واسعة من أوروبا الغربية والوسطى والشرقية، بما في ذلك ألمانيا وسويسرا والنمسا والتشيك وسلوفاكيا والمجر وبولندا وأوكرانيا، بالتزامن مع انخفاض رطوبة التربة والظروف الحارة والجافة. كما ظهرت مؤشرات تدفق منخفض في أجزاء من حوض الدانوب.
وفي منتصف يوليو، أفاد مرصد الجفاف الأوروبي بأن ظروف الجفاف بقيت حرجة في معظم أنحاء أوروبا، بينما ازداد الجفاف سوءًا في أجزاء من أوروبا الوسطى والغربية، بالتزامن مع موجة حر واسعة وطويلة الأمد.
كما أظهر أحدث تقييم زراعي للمفوضية الأوروبية أن تكرار موجات الحر ونقص الأمطار استنزفا رطوبة التربة في مناطق واسعة من أوروبا الغربية والوسطى، مع تسجيل ظروف جفاف شديدة في المجر وغرب رومانيا.
هل نحن أمام نسخة جديدة من أزمة 2018؟
تستحضر المستويات الحالية للراين والدانوب ذكريات صيف 2018، عندما تسبب الجفاف الشديد في تعطيل حركة الشحن على الراين وأحدث اختناقات في إمدادات المواد الخام والطاقة، وأثر في الإنتاج الصناعي الألماني.
لكن رويترز تشير إلى أن الوضع الحالي لا يعني بالضرورة تكرار أزمة 2018 بالحجم نفسه؛ إذ طورت شركات النقل والقطاعات الصناعية بعض وسائل التكيف مع انخفاض المياه، كما ظهرت سفن مصممة للعمل في ظروف المياه الضحلة. ومع ذلك، فإن استمرار الجفاف لفترة أطول قد يزيد الضغوط على هذه الإجراءات ويجعل نقل البضائع أكثر تكلفة وأقل كفاءة.
الطاقة أيضًا في دائرة الخطر
تكمن خطورة انخفاض مناسيب الأنهار في أن تأثيره لا يتوقف عند قطاع النقل.
فالراين والأنهار الأوروبية الأخرى تؤدي دورًا مهمًا في نقل الوقود والمواد الخام إلى المنشآت الصناعية ومحطات الطاقة. وعندما تصبح حركة السفن محدودة، ترتفع كلفة نقل الفحم والمنتجات النفطية والمواد الكيميائية، وقد تضطر بعض الشركات إلى الاعتماد بصورة أكبر على النقل البري والسكك الحديدية.
أزمة مياه تتجاوز حدود الطقس
ما يحدث في الدانوب والراين لا يمكن اختزاله في مجرد «انخفاض مؤقت في منسوب الأنهار». فالمشهد الحالي يجمع بين حرارة مرتفعة، ونقص في الأمطار، وجفاف متراكم في التربة، وانخفاض في تدفقات الأنهار.
وتشير بيانات كوبرنيكوس إلى أن هذه العوامل اجتمعت بالفعل خلال يونيو ويوليو لتوسيع نطاق الإجهاد المائي في أوروبا الوسطى والغربية.
ومع استمرار درجات الحرارة المرتفعة، تصبح معدلات التبخر أعلى، فيما تحتاج الأنهار إلى تدفقات مائية مستمرة من الأمطار والجريان السطحي والمناطق الجبلية للحفاظ على مستوياتها. لذلك فإن أي تحسن مستدام في الملاحة يتطلب أكثر من زخات مطر عابرة؛ إذ تحتاج الأحواض النهرية إلى هطولات واسعة ومستمرة لاستعادة جزء ملموس من مخزونها المائي.
الخلاصة
أوروبا تواجه حاليًا اختبارًا جديدًا لقدرة بنيتها التحتية على التكيف مع الجفاف والحرارة الشديدة.
فالدانوب يواجه مستويات مائية شديدة الانخفاض في المجر وأجزاء من البلقان، بينما يواصل الراين التراجع في ألمانيا، الأمر الذي يقلص قدرة السفن على نقل الحمولات ويرفع تكاليف الشحن.
وفي الوقت نفسه، تظهر بيانات كوبرنيكوس أن المشكلة أوسع من نهر أو دولتين، إذ يمتد الإجهاد المائي عبر أجزاء واسعة من أوروبا الوسطى والغربية.
وبينما لا تزال حركة الملاحة مستمرة، فإن استمرار الجفاف قد يحول الأنهار الأوروبية من شرايين للنقل والطاقة إلى نقاط اختناق اقتصادية، خصوصًا إذا تزامن انخفاض المياه مع موجات حر جديدة أو تراجع إضافي في معدلات الهطول.
المصدر: المركز السوري للطقس والمناخ ، استنادًا إلى بيانات وتقارير رويترز، كوبرنيكوس، المفوضية الأوروبية، والهيئات الهيدرولوجية الأوروبية.



