إل نينيو 2026 تقترب من حدث استثنائي.. لماذا يستعد العالم لاضطرابات مناخية واقتصادية واسعة؟

المركز السوري للطقس والمناخ
تتجه أنظار الأوساط العلمية والاقتصادية العالمية إلى المحيط الهادئ الاستوائي مع استمرار تصاعد ظاهرة إل نينيو خلال صيف 2026، في وقت تشير فيه أحدث بيانات المراكز المناخية الدولية إلى احتمال مرتفع جدًا لوصول الظاهرة إلى مستويات قوية جدًا خلال خريف وشتاء 2026–2027.
ولم تعد المسألة مجرد توقع بعيد المدى؛ إذ أعلنت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية NOAA في أحدث تقييم لها الصادر في 13 أغسطس/آب 2026 أن حالة إل نينيو أصبحت قائمة بالفعل، وأنها مرشحة لمزيد من التعزز خلال الأشهر المقبلة. وتشير تقديرات NOAA إلى احتمال يتجاوز 90% لحدوث حالة إل نينيو قوية جدًا خلال خريف وشتاء النصف الشمالي من الكرة الأرضية، فيما تقدر احتمالات وصولها إلى فئة “قوية جدًا” خلال أكتوبر–ديسمبر بنحو 81%.
هذا التطور يضع ظاهرة إل نينيو الحالية ضمن أكثر الأحداث المناخية التي تستحق المراقبة منذ عقود، لكن العلماء يحذرون في الوقت نفسه من إعلانها مسبقًا باعتبارها “الأقوى منذ عام 1950″، لأن الحكم النهائي يتطلب انتظار الذروة الفعلية للظاهرة وقياسات المحيطات خلال الأشهر المقبلة.
من تغير في المحيط إلى اضطراب عالمي
إل نينيو ليست مجرد ارتفاع في درجة حرارة سطح البحر في منطقة محددة من المحيط الهادئ، بل هي اضطراب واسع في النظام المقترن بين المحيط والغلاف الجوي.
فعندما ترتفع درجات حرارة المياه في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، تتغير حركة الرياح التجارية والحمل الحراري ودورة ووكر الجوية، وينتج عن ذلك انتقال واسع لمناطق الأمطار والضغط الجوي والحرارة في أنحاء مختلفة من العالم.
وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية WMO إلى أن إل نينيو تتعزز بصورة مطردة، ومن المتوقع أن تهيمن على الأنماط المناخية العالمية خلال الفترة من أغسطس إلى أكتوبر 2026، مع ارتفاع احتمالات درجات الحرارة فوق المعدل في مناطق واسعة من العالم وتغيرات كبيرة في أنماط الهطول.
وتشير توقعات WMO إلى أن متوسط حرارة سطح البحر في منطقة نينيو قد وصل في توقعات النماذج متعددة المراكز إلى مستويات مرتفعة للغاية، مع استمرار مسار التعزز خلال الخريف. وكانت المنظمة قد أشارت في توقعاتها السابقة إلى أن متوسط شذوذ الحرارة في منطقة نينيو يمكن أن يتجاوز +2 درجة مئوية خلال صيف 2026.
هل نحن أمام واحدة من أقوى حالات إل نينيو في التاريخ؟
المؤشرات الحالية ترفع هذا الاحتمال بصورة واضحة، لكن من الضروري التمييز بين احتمال حدوث حدث استثنائي وبين الجزم بأنه سيكون الأقوى تاريخيًا.
تُظهر توقعات NOAA الحالية فرصة مرتفعة جدًا لوصول إل نينيو إلى فئة “قوية جدًا” خلال خريف 2026، فيما تشير التقديرات الرسمية إلى إمكانية أن تكون الحالة من بين أكبر أحداث إل نينيو المسجلة منذ بدء السجل الحديث في منتصف القرن العشرين.
لكن شدة الظاهرة لا تحدد وحدها حجم تأثيراتها.
فحتى عندما تكون إل نينيو قوية، فإن تأثيراتها تختلف من منطقة إلى أخرى، وقد تكون شديدة في منطقة ومحدودة في أخرى. ولذلك فإن التقييم العلمي لا يعتمد على درجة حرارة المحيط وحدها، بل على التفاعل بين المحيط والغلاف الجوي وعلى الحالة المناخية الإقليمية والعالمية في الوقت نفسه.
العالم يدخل الحدث في مناخ مختلف عن الماضي
أحد أكثر الجوانب تعقيدًا في إل نينيو الحالية هو أنها تحدث في ظل مناخ عالمي أكثر دفئًا.
وتحذر الأبحاث والتقييمات الحديثة من تبسيط العلاقة بين الاحتباس الحراري وإل نينيو بالقول إن ارتفاع حرارة الأرض يؤدي تلقائيًا إلى ظواهر إل نينيو أقوى أو أكثر تكرارًا.
وتوضح ECMWF أن تغير المناخ لا يعني بالضرورة زيادة مباشرة في قوة أو تكرار إل نينيو، لكنه أدى إلى ارتفاع خط الأساس لدرجات حرارة المحيطات، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تضخيم بعض آثار الظاهرة عندما تحدث. ولهذا طورت ECMWF بالتعاون مع شركائها مؤشرات جديدة، تعرف باسم Relative Niño Indices، للمساعدة في تقييم شدة إل نينيو في عالم أكثر دفئًا.
وبعبارة أخرى، فإن التحدي الحالي لا يتمثل فقط في معرفة مدى قوة إل نينيو، وإنما في معرفة كيف ستتفاعل مع المناخ الذي أصبح أكثر دفئًا أصلًا.
عامل آخر يزيد التعقيد: المحيط الهندي
لا تتطور إل نينيو الحالية بمعزل عن بقية النظام المناخي.
فقد أشارت WMO إلى احتمال تطور حالة موجبة من ثنائية قطب المحيط الهندي – IOD بالتزامن مع إل نينيو، وهي ظاهرة يمكن أن تؤثر بدورها في توزيع الأمطار والحرارة، خصوصًا فوق أجزاء من إفريقيا وآسيا والمحيط الهندي.
وهذا يعني أن التأثيرات الإقليمية خلال الأشهر المقبلة قد تكون نتيجة تفاعل عدة عوامل مناخية في وقت واحد، وليس نتيجة إل نينيو وحدها.
الزراعة في مقدمة القطاعات المهددة
تعتبر الزراعة من أكثر القطاعات حساسية لتقلبات إل نينيو، بسبب اعتمادها المباشر على الحرارة والهطولات وتوافر المياه.
وتحذر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO من ارتفاع مخاطر الجفاف الزراعي في عدد من المناطق، بما في ذلك أجزاء من الساحل الإفريقي وجنوب إفريقيا وجنوب وجنوب شرق آسيا وأمريكا الوسطى. كما تشير المنظمة إلى أن التغيرات في الهطولات والحرارة يمكن أن تؤثر في مواعيد الزراعة ونمو المحاصيل والإنتاج الحيواني وتوافر المياه.
وفي يونيو 2026 أطلقت FAO وبرنامج الأغذية العالمي تحذيرات مبكرة بشأن مخاطر إل نينيو على الأمن الغذائي وسبل المعيشة، مشيرين إلى أن الظروف القوية خلال النصف الثاني من عام 2026 يمكن أن تزيد مخاطر الجفاف والفيضانات والعواصف في أجزاء من إفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية.
ولا تتوقف المخاطر عند انخفاض الإنتاج الزراعي، إذ يمكن أن تنتقل آثار الصدمة إلى الأسواق العالمية عبر أسعار الحبوب والزيوت والمواد الغذائية والأعلاف والنقل والطاقة.
لماذا بدأت الشركات العالمية بالاستعداد؟
التحول اللافت في 2026 هو أن إل نينيو لم تعد قضية تهم خبراء المناخ والزراعة فقط.
فالشركات العالمية بدأت تتعامل معها باعتبارها مخاطر تشغيلية ومالية.
ويكشف تحليل للوثائق المالية للشركات، أوردته وكالة رويترز استنادًا إلى بيانات AlphaSense، عن تصاعد كبير في عدد الإشارات إلى إل نينيو في الإفصاحات ومكالمات إعلان النتائج خلال الفترة الممتدة من مايو إلى أغسطس 2026.
وشمل التحليل 478 شركة و1,443 وثيقة، بينما ظهرت الظاهرة 316 مرة خلال مكالمات إعلان النتائج، وهو أعلى مستوى من هذا النوع من الإشارات منذ عام 2019.
وكانت الشركات العاملة في قطاعات الأغذية والكيماويات والمصارف والطاقة والزراعة من بين القطاعات التي ركزت بصورة أكبر على مخاطر الظاهرة وخطط الطوارئ.
وهذا يعكس تحولًا مهمًا في طريقة التعامل مع المناخ: الشركات لم تعد تنتظر وقوع الخسائر، وإنما بدأت تستخدم التوقعات المناخية لاختبار قدرتها على تحمل الصدمات مسبقًا.
إل نينيو قد تعني خسائر لشركات وفرصًا لشركات أخرى
لا تعني الظاهرة أن الاقتصاد العالمي سيتعرض للخسائر بصورة متساوية.
إل نينيو تعيد توزيع المخاطر والأسعار والطلب بين الدول والقطاعات.
فإذا تسبب الجفاف في انخفاض إنتاج محصول معين في منطقة رئيسية، يمكن أن ترتفع الأسعار العالمية، ما يضر المستهلكين والصناعات التي تعتمد على ذلك المحصول، لكنه قد يوفر في المقابل ظروفًا أكثر ربحية لمنتجين في مناطق أخرى.
وينطبق الأمر نفسه على قطاع الطاقة.
فالتغير في درجات الحرارة والأمطار ومستويات المياه يمكن أن يرفع الطلب على الكهرباء في بعض الدول، بينما يؤثر في إنتاج الطاقة الكهرومائية في دول أخرى.
ولهذا تتعامل الأسواق مع إل نينيو باعتبارها صدمة لإعادة توزيع الأسعار والطلب والإنتاج أكثر من كونها خسارة اقتصادية شاملة.
لماذا تراقب الهند وآسيا الظاهرة عن كثب؟
تعد الهند من أكثر الاقتصادات حساسية تجاه تغيرات الأمطار الموسمية، ولذلك ليس مفاجئًا أن تكون إل نينيو حاضرة بقوة في إفصاحات الشركات الهندية.
وتضع FAO جنوب وجنوب شرق آسيا ضمن المناطق التي يمكن أن تواجه مخاطر زراعية مهمة نتيجة الظاهرة الحالية.
ويمكن أن تمتد التداعيات من الحقول إلى الأسواق، ثم إلى التضخم الغذائي ودخول الأسر والطلب الاستهلاكي.
وهذا ما يفسر ارتفاع اهتمام الشركات الآسيوية بالتخطيط المبكر، بدل انتظار ظهور الأضرار الفعلية.
الخسائر الاقتصادية قد تستمر بعد انتهاء الظاهرة
من أخطر خصائص إل نينيو أن آثارها الاقتصادية لا تنتهي بالضرورة بمجرد تراجع حرارة المحيط الهادئ.
فالصدمة الزراعية يمكن أن تؤثر في الأسعار، والإنتاج، والاستثمار، والتجارة، وسلاسل الإمداد، وبالتالي قد تستمر آثارها الاقتصادية لسنوات بعد انتهاء الحدث المناخي نفسه.
ولهذا أصبحت المؤسسات المالية والشركات الكبرى تعتمد بصورة متزايدة على ما يعرف باختبارات الضغط المناخي، والتي تحاول الإجابة عن أسئلة من قبيل: ماذا يحدث إذا تراجع الإنتاج الزراعي؟ ماذا يحدث إذا ارتفعت أسعار الغذاء والطاقة؟ ماذا يحدث إذا تعطلت طرق التجارة أو تضررت المنشآت بسبب الفيضانات؟
إنها محاولة لتحويل التوقع المناخي إلى قرار اقتصادي قبل وقوع الضرر.
ماذا يعني ذلك للشرق الأوسط؟
تحتاج تأثيرات إل نينيو على الشرق الأوسط إلى قدر كبير من الحذر.
فلا يمكن القول علميًا إن ظهور إل نينيو يعني تلقائيًا أن سوريا أو بلاد الشام ستشهد موسمًا مطيرًا أو جافًا، لأن العلاقة بين ENSO وطقس شرق المتوسط ليست مباشرة بالدرجة الموجودة في بعض المناطق المدارية.
كما أن تأثيرات المحيط الهادئ يمكن أن تتداخل مع عوامل أخرى أكثر قربًا من المنطقة، مثل حالة البحر المتوسط، وموقع التيار النفاث، وتذبذب شمال الأطلسي، والضغط الجوي فوق أوروبا وشمال إفريقيا، وحرارة سطح البحار، وأنماط دوران الغلاف الجوي.
لكن أهمية إل نينيو بالنسبة للمنطقة تكمن في أنها يمكن أن تغير الخلفية المناخية العالمية التي تعمل ضمنها هذه العوامل.
ولهذا فإن تأثيرها على سوريا وشرق المتوسط يجب أن يدرس عبر النماذج الموسمية وتحليل الأنماط التاريخية، وليس عبر قاعدة مبسطة من نوع “إل نينيو تعني مطرًا أكثر” أو “إل نينيو تعني جفافًا”.
ما الذي يجب مراقبته خلال الأشهر المقبلة؟
ستكون الأشهر القادمة حاسمة في تحديد الصورة النهائية للحدث.
ومن أهم المؤشرات التي تستحق المتابعة حرارة سطح البحر في مناطق Niño 3.4 وNiño 1+2، وتطور الرياح التجارية، ومؤشرات الضغط الجوي، والاستجابة الحملية في المحيط الهادئ، إضافة إلى تطور IOD وأنماط الدورة الجوية في نصف الكرة الشمالي.
كما ستصبح توقعات النماذج الموسمية أكثر أهمية مع الاقتراب من الخريف والشتاء، لأن دقة التنبؤ ترتفع كلما اقتربنا من الفترة المستهدفة.
وتشير NOAA حاليًا إلى استمرار إل نينيو حتى أوائل 2027 مع احتمال مرتفع لاستمرارها خلال الأشهر المقبلة، ما يعني أن الحدث قد يمتد إلى قلب الشتاء في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.
الصورة التي تتشكل الآن
المؤشرات العلمية المتاحة حتى منتصف أغسطس 2026 ترسم صورة واضحة نسبيًا:
إل نينيو موجودة بالفعل، وتتعزز، وهناك احتمال مرتفع جدًا لأن تصبح قوية جدًا خلال خريف وشتاء 2026–2027.
لكن السؤال الأهم لم يعد فقط: هل ستكون إل نينيو قوية؟
بل أصبح:
كيف ستتفاعل هذه الظاهرة مع عالم أكثر دفئًا، ومع المحيطات شديدة الحرارة، ومع ثنائية قطب المحيط الهندي، ومع أنظمة الزراعة والطاقة والتجارة العالمية؟
وهنا تكمن أهمية الحدث.
فإذا تأكدت التوقعات الحالية، فإن إل نينيو 2026 لن تكون مجرد ظاهرة مناخية في المحيط الهادئ، بل قد تتحول إلى أحد أبرز العوامل التي تعيد تشكيل أنماط الطقس والزراعة والطاقة والأسواق خلال النصف الثاني من عام 2026 وبداية 2027.
ولهذا فإن التعامل معها يجب أن ينتقل من مراقبة الظاهرة إلى الاستعداد لآثارها المحتملة.
المصادر العلمية
NOAA – Climate Prediction Center: ENSO Diagnostic Discussion
WMO – Strong El Niño expected to intensify
WMO – Global Seasonal Climate Update
ECMWF – How confident should we be in a prediction of El Niño?



