دراسات مناخية

جفاف استثنائي يضرب أنهار أوروبا الكبرى.. صور الأقمار الصناعية تكشف تراجعاً حاداً في مناسيب المياه

كشفت صور التقطتها الأقمار الصناعية بين 1 و3 أغسطس/آب 2026 عن تراجع حاد في مناسيب المياه في عدد من أكبر الأنهار الأوروبية، بينها نهر بو في إيطاليا، واللوار في فرنسا، والراين في ألمانيا، والدانوب في المجر، في مشهد يعكس شدة أزمة الجفاف والإجهاد المائي التي تضرب أجزاء واسعة من القارة هذا الصيف.

وأظهرت الصور مساحات واسعة من الرمال والحصى التي تكون عادة مغمورة بالمياه، ولا سيما على امتدادات من الأنهار التي تشهد انخفاضاً كبيراً في التدفق. وتتزامن هذه التطورات مع موجات حر طويلة وفترات مطر أقل من المعتاد في مناطق واسعة من أوروبا.

نهر بو.. ضغط متزايد على الزراعة والطاقة

في إيطاليا، أدى انخفاض منسوب نهر بو إلى زيادة الضغوط على الموارد المائية في حوض النهر، مع تداعيات مباشرة على عمليات الري والزراعة وإنتاج الطاقة الكهرومائية وتوافر المياه العذبة.

ويُعد حوض بو من أهم المناطق الزراعية والصناعية في إيطاليا، ولذلك فإن استمرار انخفاض التدفقات خلال الأسابيع المقبلة قد يزيد من الضغوط على القطاعات التي تعتمد على المياه.

اللوار يعكس أزمة المياه في غرب أوروبا

أما نهر اللوار في فرنسا، فيأتي انخفاض منسوبه ضمن سياق أوسع من الإجهاد المائي الذي تشهده أجزاء من غرب ووسط أوروبا.

وتشير بيانات مرصد الجفاف الأوروبي التابع لخدمة كوبرنيكوس إلى أن ظروف الجفاف بقيت حرجة في مناطق واسعة من القارة خلال يوليو، مع تفاقم الوضع في أجزاء من وسط وغرب أوروبا.

الراين.. الجفاف يتحول إلى مشكلة اقتصادية

وفي ألمانيا، تسبب انخفاض منسوب نهر الراين في اضطرابات متزايدة لحركة النقل النهري، وهو أمر بالغ الأهمية بالنسبة للاقتصاد الأوروبي، نظراً إلى اعتماد قطاعات صناعية عديدة على النهر لنقل المواد الخام والمنتجات.

وكانت مستويات المياه في أجزاء من الراين قد اقتربت من مستويات قياسية منخفضة، ما أجبر بعض شركات النقل على تقليص حمولات السفن لتجنب مشاكل الملاحة.

وتشير تقارير حديثة إلى أن انخفاض مستويات الأنهار الأوروبية بات يؤثر في النقل وإنتاج الطاقة وعمليات الشركات، مع تزايد المخاوف من التداعيات الاقتصادية لاستمرار الجفاف.

الدانوب يضغط على قطاع الطاقة النووية

ويُعد نهر الدانوب أحد أكثر الأمثلة وضوحاً على انتقال تأثير الجفاف من البيئة إلى قطاع الطاقة.

ففي المجر، أدى انخفاض مستوى النهر وارتفاع حرارة مياهه إلى صعوبات أمام محطة باكس النووية في الحصول على كميات كافية من مياه التبريد، ما اضطر المحطة إلى خفض إنتاجها بشكل كبير.

وبحسب تقرير حديث، وصلت المحطة إلى تشغيل منخفض للغاية مع تشغيل توربين واحد فقط من أصل ثمانية، قبل أن تبدأ في 10 أغسطس/آب بإعادة تشغيل توربين ثانٍ بعد ارتفاع مستوى الدانوب بنحو 19 سنتيمتراً.

وتكتسب هذه التطورات أهمية كبيرة لأن محطة باكس توفر نسبة كبيرة من احتياجات المجر من الكهرباء، ما يجعل انخفاض إنتاجها قضية تتجاوز حدود الأزمة المائية إلى أمن الطاقة.

كوبرنيكوس يراقب الجفاف في أوروبا والعالم

وتتابع خدمة كوبرنيكوس لإدارة الطوارئ تطورات الجفاف من خلال نظامين رئيسيين هما مرصد الجفاف الأوروبي (EDO) ومرصد الجفاف العالمي (GDO)، اللذان يوفران خرائط ومؤشرات لمراقبة رطوبة التربة والتساقطات والظروف الهيدرولوجية وتطور الجفاف.

وتظهر بيانات المرصد أن الجفاف لم يعد ظاهرة محلية في دولة واحدة، بل أصبح مشكلة واسعة النطاق تمتد عبر أجزاء كبيرة من القارة، مع تداخل واضح بين ارتفاع درجات الحرارة، نقص الأمطار، زيادة التبخر وتراجع الموارد المائية.

أزمة تتجاوز انخفاض مناسيب الأنهار

ولا تقتصر خطورة الوضع على المشهد الذي تظهره صور الأقمار الصناعية. فانخفاض مناسيب الأنهار يعني في الوقت نفسه مياه أقل للزراعة، وإنتاجاً أقل للطاقة الكهرومائية، وصعوبات أكبر أمام النقل النهري، وضغوطاً على الصناعة ومحطات الطاقة، إضافة إلى مخاطر متزايدة على النظم البيئية والأحياء المائية.

ومع استمرار موجات الحر خلال أغسطس، يبقى السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت الأمطار القادمة ستكون كافية لإعادة تغذية الأحواض والأنهار، أم أن أوروبا ستواجه استمراراً في أزمة المياه خلال بقية الصيف.

المركز السوري للطقس والمناخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى