دراسات مناخية

يوليو الاستثنائي.. أميركا تحطم الرقم القياسي للحرارة منذ 1895

يوليو 2026 يحطم الرقم القياسي للحرارة في الولايات المتحدة.. والليالي الدافئة تكشف جانباً أخطر من موجات الحر

المركز السوري للطقس والمناخ – SCCWF

سجلت الولايات المتحدة المتصلة أشد شهر يوليو حرارة منذ بدء السجلات المناخية عام 1895، في حدث مناخي لافت جمع بين الحرارة الاستثنائية والجفاف وحرائق الغابات، في وقت شهدت فيه مناطق أخرى أمطاراً غزيرة وفيضانات مفاجئة.

ووفق أحدث بيانات الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي NOAA والمركز الوطني للمعلومات البيئية NCEI، بلغ متوسط درجة الحرارة في الولايات المتحدة المتصلة خلال يوليو/تموز 2026 نحو 76.9 درجة فهرنهايت، أي 24.9 درجة مئوية، وهو أعلى متوسط مسجل لأي شهر منذ بدء السجلات عام 1895.

وتجاوز هذا الرقم الرقمين القياسيين السابقين لشهر يوليو المسجلين في 1936 و2012 بنحو 0.1 إلى 0.2 درجة فهرنهايت فقط، ما يجعل يوليو 2026 واحداً من أكثر الشهور تطرفاً في تاريخ القياسات المناخية الأميركية.

الحرارة الليلية.. الرقم الأكثر إثارة للقلق

ورغم أن ارتفاع درجات الحرارة خلال ساعات النهار كان كبيراً، فإن الجانب الأكثر لفتاً للانتباه في بيانات يوليو 2026 كان الارتفاع الاستثنائي في درجات الحرارة الليلية.

فقد بلغ متوسط درجات الحرارة الدنيا خلال الليل 64.2 درجة فهرنهايت، أي نحو 17.9 درجة مئوية، وهو أعلى متوسط مسجل لدرجات الحرارة الدنيا لأي شهر في سجل الولايات المتحدة المتصلة.

كما تجاوز هذا الرقم الرقم القياسي السابق المسجل في يوليو 2022 بمقدار 0.7 درجة فهرنهايت، أي نحو 0.4 درجة مئوية.

وتكتسب هذه المعلومة أهمية خاصة لأن انخفاض درجات الحرارة ليلاً يمثل فترة طبيعية لتبريد جسم الإنسان والمباني والطرق والتربة. وعندما تبقى درجات الحرارة مرتفعة خلال الليل، تقل قدرة الجسم على التخلص من الحرارة المتراكمة خلال النهار، ما قد يؤدي إلى زيادة الإجهاد الحراري، خصوصاً خلال موجات الحر الطويلة.

النهار كان شديد الحرارة أيضاً.. لكنه ليس صاحب الرقم القياسي

بلغ متوسط درجات الحرارة العظمى خلال النهار في يوليو نحو 89.5 درجة فهرنهايت، أي 31.9 درجة مئوية، بزيادة قدرها 2.9 درجة فهرنهايت عن متوسط القرن العشرين.

لكن متوسط الحرارة العظمى لم يكن الأعلى في التاريخ، بل جاء في المرتبة السادسة ضمن سجل متوسط درجات الحرارة العظمى.

وهذا يعني أن الرقم القياسي العام لشهر يوليو لم يكن نتيجة ارتفاع استثنائي في درجات الحرارة أثناء النهار فقط، بل ساهم فيه بشكل واضح الدفء غير المسبوق خلال ساعات الليل.

حرارة قياسية امتدت إلى جميع الولايات المتصلة

لم تكن الظاهرة محصورة في منطقة واحدة من الولايات المتحدة.

فقد سجلت جميع الولايات المتصلة بالولايات المتحدة درجات حرارة أعلى من متوسط القرن العشرين بما لا يقل عن درجة فهرنهايت واحدة خلال يوليو.

كما دخلت 13 ولاية قائمة أحر خمسة أشهر يوليو في تاريخها، بينما سجلت ولاية وايومنغ أحر يوليو وأحر شهر على الإطلاق في سجلها المناخي، بعدما تجاوز متوسط الحرارة فيها المعدل المعتاد بنحو 5.1 درجات فهرنهايت.

وفي 12 يوليو، سجلت سولت ليك سيتي في ولاية يوتا 109 درجات فهرنهايت، أي نحو 42.8 درجة مئوية، وهو أعلى مستوى حرارة مسجل في تاريخ المدينة وفق هيئة الأرصاد الجوية الوطنية.

أكثر من 185 مليون شخص تحت تحذيرات الحرارة

ترافقت هذه الظروف مع موجات حر واسعة بدأت في وقت مبكر من الشهر، ودفع استمرار الحرارة والرطوبة السلطات الأميركية إلى إصدار تحذيرات حرارية واسعة النطاق شملت أكثر من 185 مليون شخص.

وامتدت التأثيرات إلى مناطق مأهولة بكثافة في شمال شرق البلاد، بما في ذلك نيويورك وبوسطن وفيلادلفيا وواشنطن، في حين تعرضت مناطق أخرى من الغرب والجنوب الغربي لحرارة شديدة واستمرار ظروف الجفاف.

وتشير بيانات NOAA إلى أن الحرارة المرتفعة غطت عملياً كامل الولايات المتحدة المتصلة، مع تركّز درجات الحرارة الأعلى من المعتاد في أجزاء واسعة من الغرب الداخلي والجنوب الغربي وجبال روكي والسهول الشمالية والوسط الغربي الأعلى.

جفاف واسع رغم الفيضانات

قد يبدو للوهلة الأولى أن الحديث عن الجفاف والفيضانات في الشهر نفسه يحمل تناقضاً، لكنه يعكس طبيعة التغير في أنماط الهطول خلال فترات الطقس المتطرف.

فقد بلغ متوسط الهطول المطري في الولايات المتحدة المتصلة خلال يوليو 2.55 بوصة، أي أقل بنحو 0.23 بوصة من متوسط القرن العشرين، ووضع ذلك يوليو ضمن الثلث الأكثر جفافاً في سجل يمتد 132 عاماً.

وفي المقابل، شهدت مناطق محددة أمطاراً غزيرة وفيضانات مفاجئة، من بينها منطقة Texas Hill Country وشرق ولاية نيويورك.

وهذا يوضح أن انخفاض متوسط الأمطار على المستوى الوطني لا يعني غياب الأمطار الشديدة؛ إذ يمكن أن تتزامن فترات طويلة من الجفاف مع هطولات قصيرة وعنيفة تتسبب في فيضانات وسيول، بينما يبقى مجموع الأمطار الشهري أو الموسمي أقل من المعدل.

نحو نصف الولايات المتحدة المتصلة تحت تأثير الجفاف

بحسب تقييم مرصد الجفاف الأميركي U.S. Drought Monitor في 4 أغسطس/آب، كانت نحو 48.5% من مساحة الولايات المتحدة المتصلة تعاني ظروف الجفاف.

وتركزت مناطق الجفاف بصورة خاصة في أجزاء واسعة من الغرب الداخلي والجنوب الغربي وجبال روكي، مع توسع أو اشتداد الجفاف في أجزاء من الشمال الغربي والسهول الشمالية والجنوبية والغرب الأوسط والشمال الشرقي.

ويُنتج مرصد الجفاف الأميركي بالتعاون بين المركز الوطني للتخفيف من آثار الجفاف وNOAA ووزارة الزراعة الأميركية ووكالة ناسا، ما يجعله أحد أهم مصادر تقييم الجفاف في الولايات المتحدة.

الحرارة والجفاف وقود لحرائق الغابات

أدى تزامن الحرارة المرتفعة مع استمرار الجفاف في أجزاء واسعة من الغرب إلى زيادة مخاطر حرائق الغابات.

وكانت أجزاء من الشمال الغربي وحوض Great Basin وجبال روكي من المناطق التي شهدت ظروفاً مواتية لارتفاع مخاطر الحرائق، نتيجة اجتماع درجات الحرارة فوق المعدل مع جفاف التربة والغطاء النباتي.

وتشير بيانات NOAA إلى أن توقعات مخاطر حرائق الغابات لشهر أغسطس بقيت أعلى من المعتاد في أجزاء من الشمال الغربي وحوض Great Basin وجبال روكي الوسطى، إضافة إلى مناطق أخرى من السهول والجنوب.

لماذا يمثل يوليو 2026 حدثاً مناخياً مهماً؟

تكمن أهمية الرقم القياسي في أن يوليو 2026 لم يكن مجرد شهر شهد بضعة أيام شديدة الحرارة.

فالبيانات تشير إلى انتشار الحرارة على نطاق جغرافي واسع، واستمرارها خلال ساعات الليل، وتزامنها مع الجفاف ومخاطر الحرائق.

والأهم أن متوسط درجات الحرارة الليلية حطم الرقم القياسي بفارق واضح مقارنة بالسجل السابق، في حين جاءت درجات الحرارة العظمى في المرتبة السادسة فقط.

وهذا يقدم مثالاً واضحاً على أن تقييم شدة موجات الحر لا ينبغي أن يعتمد على أعلى درجة حرارة مسجلة خلال النهار فقط، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار مدة موجة الحر، ودرجات الحرارة الليلية، والرطوبة، وتراكم الحرارة، ومساحة المنطقة المتأثرة.

الولايات المتحدة أمام صيف مناخي شديد التطرف

تأتي هذه البيانات في سياق مناخي عالمي يشهد تكراراً متزايداً لفترات الحرارة الشديدة والظواهر الجوية المتطرفة.

لكن من المهم علمياً عدم اعتبار تسجيل شهر قياسي واحد دليلاً منفرداً على تغير المناخ العالمي؛ فالطقس يتأثر بعوامل طبيعية متعددة من سنة إلى أخرى. إلا أن تكرار الأرقام القياسية الحرارية على مدى سنوات وعقود، إلى جانب الاتجاه طويل الأمد لارتفاع درجات الحرارة العالمية، يمثل جزءاً من الصورة المناخية الأوسع.

وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن ما حدث في يوليو 2026 يوضح بجلاء أن الخطر لا يكمن فقط في وصول درجات الحرارة إلى مستويات قياسية خلال النهار، وإنما في استمرار الحرارة وعدم حصول الجسم والبيئة على فترة تبريد كافية خلال الليل.

الخلاصة

يوليو 2026 أصبح أحر شهر في تاريخ الولايات المتحدة المتصلة منذ بدء السجلات عام 1895، بمتوسط بلغ 76.9°F (24.9°C).

لكن الرقم الأكثر أهمية من الناحية المناخية ربما كان متوسط الحرارة الليلية البالغ 64.2°F (17.9°C)، وهو أعلى مستوى مسجل على الإطلاق، متجاوزاً الرقم السابق المسجل في يوليو 2022 بنحو 0.7°F (0.4°C).

وفي الوقت نفسه، جاء الشهر ضمن الثلث الأكثر جفافاً في السجل الأميركي، بينما كانت نحو 48.5% من مساحة الولايات المتحدة المتصلة تحت تأثير الجفاف في بداية أغسطس، ما ساهم في تعزيز مخاطر حرائق الغابات.

وهكذا جمع يوليو 2026 بين الحرارة القياسية، والليالي الدافئة بشكل غير مسبوق، والجفاف، وحرائق الغابات، وفيضانات محلية شديدة؛ وهي مجموعة من الظواهر المتطرفة التي تجعل الشهر محطة مهمة في السجل المناخي الأميركي.

المصادر: الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي NOAA/NCEI، هيئة الأرصاد الجوية الوطنية NWS، مرصد الجفاف الأميركي U.S. Drought Monitor، والبوابة الوطنية للجفاف Drought.gov.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى