أخبار سوريا

الفرات يرتفع مجدداً.. تحذيرات في الرقة ودير الزور ومراقبة دقيقة لتدفقات المياه القادمة من تركيا

15 أغسطس/آب 2026 | المركز السوري للطقس والمناخ

عاد نهر الفرات إلى واجهة المشهد المائي في شرق سوريا، مع بدء ارتفاع جديد في كميات المياه المارة في مجرى النهر، بالتزامن مع استمرار تدفقات مرتفعة قادمة من الجانب التركي، ما دفع السلطات السورية إلى اتخاذ إجراءات تشغيلية في سدود الفرات وإصدار تحذيرات للسكان في محافظتي الرقة ودير الزور.

وتأتي التطورات الحالية بعد أقل من ثلاثة أشهر على موجة الفيضانات الكبيرة التي ضربت مناطق واسعة من شرق سوريا خلال أيار الماضي، ما يجعل ارتفاع مناسيب الفرات الحالي موضع مراقبة خاصة، رغم أن المعطيات المتوافرة حتى الآن لا تشير إلى تكرار سيناريو فيضانات أيار بالحجم نفسه.

ماذا يحدث في الفرات الآن؟

بحسب وزارة الطاقة السورية، تجاوزت كميات المياه الواردة إلى الفرات من الجانب التركي 1200 متر مكعب في الثانية بصورة متواصلة منذ نحو عشرة أيام، بعد أن كانت التدفقات خلال الشهرين السابقين تتراوح تقريباً بين 500 و600 متر مكعب في الثانية.

وتتوقع الوزارة استمرار التدفقات المرتفعة حتى نهاية آب، وهو العامل الذي دفع إلى تعديل كميات المياه المارة عبر منظومة سدود الفرات.

واعتباراً من اليوم، 15 آب، بدأت كميات المياه الممررة من سد كديران بالارتفاع تدريجياً من نحو 600 إلى 800 متر مكعب في الثانية، وفق الظروف المائية والتشغيلية ونتائج مراقبة مناسيب النهر على امتداده.

كما أعلنت وزارة الطاقة فتح بوابة المفيض رقم 3 في سد الفرات جزئياً، في خطوة تهدف إلى التعامل مع ارتفاع الواردات والمحافظة على التحكم بمستويات المياه داخل المنظومة.

تحذير رسمي للسكان

بالتزامن مع هذه التطورات، أصدرت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث تحذيراً للسكان في الرقة ودير الزور، ولا سيما المقيمين بالقرب من مجرى الفرات والمناطق المنخفضة.

وحذرت الوزارة من أن زيادة كميات المياه الممررة يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع مناسيب النهر وزيادة سرعة التيارات المائية في عدد من القطاعات.

ودعت السكان إلى الابتعاد عن ضفاف النهر والمناطق المنخفضة المعرضة لارتفاع المياه، وعدم السباحة أو الاقتراب من المجرى خلال فترة ارتفاع المناسيب.

كما يمتد التحذير الرسمي الحالي حتى 22 آب/أغسطس، ما يعني أن السلطات تتعامل مع الحالة باعتبارها تطوراً يحتاج إلى متابعة خلال الأيام المقبلة وليس مجرد ارتفاع عابر خلال ساعات.

لماذا يرتفع الفرات في آب؟

اللافت في الحالة الحالية أن الارتفاع يحدث في منتصف الصيف، وهي فترة تكون فيها معظم مناطق سوريا بعيدة عن موسم الأمطار.

لكن الفرات لا يعتمد في تدفقاته داخل سوريا على الأمطار السورية وحدها. فجزء كبير من مياهه يأتي من أعالي الحوض في تركيا، ولذلك يمكن أن تتغير كميات المياه التي تصل إلى الأراضي السورية نتيجة التطورات المائية في أعالي النهر.

وهذا ما يجعل التدفقات القادمة من تركيا العامل الأكثر أهمية في تفسير الارتفاع الحالي.

وبحسب البيانات السورية، فإن التدفق الذي تجاوز 1200 م³/ث خلال الأيام الماضية يمثل أكثر من ضعف المستويات التي كانت تسجل خلال الشهرين السابقين، الأمر الذي انعكس على إدارة المياه داخل سوريا.

الذاكرة القريبة: فيضانات أيار

وتكتسب التطورات الحالية أهمية أكبر بسبب ما حدث في نهاية أيار الماضي.

فقد شهد الفرات آنذاك ارتفاعاً كبيراً في المناسيب أدى إلى غمر أراضٍ زراعية ومناطق منخفضة ومنشآت وبنى تحتية في الرقة ودير الزور.

وأفاد مركز Copernicus Emergency Management Service بأن الفيضانات أثرت على مجتمعات وأراضٍ زراعية ومناطق منخفضة على امتداد الفرات، فيما أظهرت بيانات الأقمار الصناعية اتساعاً كبيراً في مساحة المياه خلال تلك الفترة.

ووصل منسوب بحيرة الأسد خلال تلك الأزمة إلى مستويات مرتفعة، بينما أظهرت بيانات قياس الأقمار الصناعية ارتفاعاً كبيراً في خزان سد أتاتورك في أعالي الفرات بتركيا.

ولهذا فإن أي زيادة جديدة في التدفقات خلال آب تتم قراءتها اليوم في ضوء تجربة أيار، وليس باعتبارها حدثاً منفصلاً.

هل نحن أمام فيضان جديد؟

حتى الآن، لا توجد معطيات كافية للقول إن شرق سوريا أمام فيضان واسع مماثل لفيضان أيار.

الفارق الأساسي أن الحالة الحالية مرتبطة بصورة رئيسية بارتفاع التدفقات وإدارة كميات المياه المارة عبر السدود، بينما شهدت حالة أيار ارتفاعاً شديداً في منظومة المياه أدى إلى إطلاق كميات كبيرة عبر سدود الفرات.

لكن استمرار التدفقات الحالية هو العامل الذي يستحق المراقبة.

فإذا بقيت المياه القادمة من أعالي الحوض مرتفعة لفترة طويلة، فإن الضغط على منظومة السدود والمجاري المائية سيستمر، وقد ترتفع مناسيب النهر في قطاعات جديدة أو تتوسع المناطق المنخفضة المتأثرة بالمياه.

لذلك فإن استمرار الحالة أهم من الارتفاع المسجل خلال يوم واحد.

الرقة ودير الزور في دائرة المراقبة

تتركز المخاوف حالياً في المناطق القريبة من الفرات في محافظتي الرقة ودير الزور، حيث توجد مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمنشآت المائية والمضخات والمساكن القريبة من مجرى النهر.

وتزداد حساسية الوضع في المناطق المنخفضة، لأن ارتفاع منسوب النهر لا يعني فقط زيادة عمق المياه داخل المجرى، وإنما يمكن أن يؤدي إلى تمدد المياه نحو الأراضي المحيطة في حال تجاوزت مناسيب معينة.

ولهذا ركزت التحذيرات الرسمية على الابتعاد عن الضفاف والمناطق المنخفضة، وعلى حماية المعدات الزراعية والمضخات والمنشآت القريبة من النهر.

ما الذي يجب مراقبته خلال الأيام المقبلة؟

إن أهم المؤشرات التي ستحدد اتجاه الحالة خلال الأسبوع المقبل هي:

أولاً: استمرار أو تراجع التدفقات القادمة من تركيا.

ثانياً: تطور مناسيب الفرات في الرقة ودير الزور.

ثالثاً: كميات المياه التي يتم تمريرها عبر سد كديران وسد الفرات.

رابعاً: مستوى بحيرة الأسد والسعة التخزينية المتاحة فيها.

خامساً: أي توسع في مساحة المياه خارج المجرى، وهو ما يمكن رصده بواسطة الأقمار الصناعية.

وهنا يمكن أن تكون صور Sentinel-1 وSentinel-2 وبيانات أنظمة الإنذار الهيدرولوجي مثل Copernicus/GloFAS أدوات مهمة لرصد أي تغير سريع في مساحة المياه أو المناطق المتأثرة.

وقد استخدمت منظومة Copernicus بالفعل بيانات الأقمار الصناعية والنماذج الهيدرولوجية لتوثيق فيضانات الفرات خلال أيار 2026.

الخلاصة

يدخل الفرات اليوم مرحلة جديدة من المراقبة في شرق سوريا.

فبعد أن تجاوزت التدفقات القادمة من الجانب التركي 1200 م³/ث لمدة نحو عشرة أيام، بدأت سوريا اعتباراً من اليوم زيادة المياه الممررة من سد كديران من 600 إلى 800 م³/ث، بالتزامن مع إجراءات إضافية في سد الفرات وتحذيرات رسمية في الرقة ودير الزور.

ولا تعني هذه التطورات حتى الآن أن فيضان أيار يتكرر بالحجم نفسه، لكنها تعني أن الفرات دخل مجدداً مرحلة حساسة، وأن استمرار التدفقات المرتفعة خلال النصف الثاني من آب سيكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت الحالة ستبقى ضمن نطاق الارتفاعات المائية القابلة للإدارة أم ستتطور إلى ارتفاعات أكبر في المناسيب والمناطق المتأثرة.

المركز السوري للطقس والمناخ سيواصل متابعة تطورات مناسيب الفرات وتدفقات المياه والسدود والأقمار الصناعية خلال الأيام المقبلة.

المصادر

  • وزارة الطاقة السورية ووكالة سانا: بيانات تدفقات الفرات وإجراءات سد كديران وسد الفرات.
  • وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية / المركز الوطني للأرصاد الجوية: تحذير ارتفاع منسوب الفرات للفترة 15–22 آب.
  • Copernicus Emergency Management Service / GloFAS: توثيق وتحليل فيضانات الفرات في سوريا خلال أيار 2026.
  • ReliefWeb / الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر: الوضع الإنساني لفيضانات الفرات 2026.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى