دراسات مناخية

الأرض تعكس ضوءًا أقل إلى الفضاء.. ماذا يحدث لبياض الكوكب؟ ولماذا يراقب العلماء هذا التغير بقلق؟

**إعداد: المركز السوري للطقس والمناخ **

من الفضاء تبدو الأرض كما نعرفها: كوكب أزرق تزينه السحب والثلوج والجليد. لكن القياسات العلمية تكشف تغيرًا لا يمكن رؤيته بالعين المجردة:

الأرض أصبحت تعكس جزءًا أقل من ضوء الشمس إلى الفضاء خلال العقود الأخيرة.

ولا يعني ذلك أن الأرض فقدت ضوءها أو أن الشمس أصبحت أضعف، بل إن انعكاسية الكوكب، المعروفة علميًا باسم البياض الأرضي (Albedo)، تتراجع، ما يسمح ببقاء قدر أكبر من الطاقة الشمسية داخل نظام الأرض.

وتشير القياسات إلى أن الأرض تعكس في المتوسط نحو 30% من ضوء الشمس الذي يصل إليها. وتتأثر هذه النسبة بالسحب والجليد والثلوج والمحيطات واليابسة والهباء الجوي.

ماذا يعني أن تصبح الأرض أقل انعكاسًا؟

عندما يسقط ضوء الشمس على الأرض، ينعكس جزء منه إلى الفضاء بينما تمتص الأرض الباقي.

الأسطح البيضاء، مثل الثلوج والجليد، تعكس كميات كبيرة من الطاقة، بينما تمتص المحيطات والأسطح الداكنة نسبة أكبر.

لذلك، عندما تتراجع مساحة الجليد أو تتغير خصائص السحب أو تتبدل مكونات الغلاف الجوي، يمكن أن تتغير كمية الطاقة التي تدخل النظام المناخي.

وهنا تظهر أهمية ما يسميه العلماء ميزانية الطاقة الأرضية.

فكلما امتص الكوكب طاقة شمسية أكبر، أصبح من الضروري أن يعيد النظام المناخي هذه الطاقة إلى الفضاء بطريقة أو بأخرى حتى يحافظ على توازنه.

العلماء قاسوا هذا التغير من ضوء القمر

إحدى الطرق المثيرة التي استخدمها العلماء لدراسة انعكاسية الأرض هي مراقبة ما يسمى وهج الأرض Earthshine.

فعندما يكون القمر هلالًا، يمكن رؤية الجزء المظلم منه مضاءً بضوء خافت. هذا الضوء هو في الحقيقة ضوء الشمس الذي انعكس عن الأرض ثم وصل إلى القمر وعاد جزء منه إلى الأرض.

ومن خلال قياس شدة هذا الضوء، يستطيع العلماء تقدير مقدار الضوء الذي تعكسه الأرض.

وفي دراسة نشرت عام 2021 في مجلة Geophysical Research Letters، حلل الباحثون قياسات امتدت من 1998 إلى 2017، ووجدوا انخفاضًا تدريجيًا في البياض الأرضي يعادل تأثيرًا إشعاعيًا صافيًا يقارب 0.5 واط لكل متر مربع خلال فترة الدراسة. كما لم يجد الباحثون ارتباطًا واضحًا بين التغير في انعكاسية الأرض ودورة النشاط الشمسي.

أي أن التغير لم يكن بسبب أن الشمس أصبحت أقل سطوعًا.

السحب والجليد.. أهم «مرايا» الكوكب

تلعب السحب دورًا أساسيًا في هذه القصة.

فالسحب المنخفضة والسميكة تستطيع عكس كميات كبيرة من أشعة الشمس إلى الفضاء، وبالتالي فإن تغير توزيعها أو خصائصها يمكن أن يؤثر في كمية الطاقة التي تمتصها الأرض.

وفي الوقت نفسه، يمثل ذوبان الثلوج والجليد آلية أخرى مهمة.

فعندما يختفي سطح أبيض شديد الانعكاس ويظهر تحته محيط داكن يمتص مزيدًا من أشعة الشمس، يمكن أن يحدث ما يعرف باسم تغذية الجليد–البياض الراجعة:

احترار → ذوبان الجليد → انخفاض الانعكاسية → امتصاص طاقة أكبر → احترار إضافي.

وهذه إحدى آليات التغذية الراجعة التي يهتم بها علماء المناخ.

اكتشاف أحدث: نصف الكرة الشمالي أصبح أكثر «ظلمة»

القصة لم تتوقف عند دراسة متوسط انعكاسية الأرض.

في دراسة نشرت عام 2025 في مجلة PNAS، استخدم العلماء 24 عامًا من بيانات الأقمار الصناعية ضمن مشروع CERES لدراسة التغيرات في ميزانية الإشعاع بين نصفي الكرة الأرضية.

وأظهرت النتائج ظهور اختلال متزايد بين النصفين الشمالي والجنوبي، إذ أصبح النصف الشمالي يمتص كمية أكبر من الإشعاع الشمسي مقارنة بالنصف الجنوبي.

ويرتبط هذا التغير، وفق الدراسة، بعدة عوامل تشمل تغيرات الهباء الجوي، وبياض سطح الأرض، وبخار الماء، إضافة إلى تغيرات في السحب.

وهذا أكثر أهمية من مجرد القول إن «الأرض أصبحت أغمق»، لأنه يشير إلى أن توزيع الطاقة داخل النظام المناخي نفسه بدأ يتغير.

لكن هل هذا يعني أن الأرض تتجه إلى كارثة مناخية؟

ليس بهذه البساطة.

انخفاض البياض عامل من عوامل ميزانية الطاقة، لكنه ليس السبب الوحيد للاحترار العالمي، ولا يمكن تحويل الاتجاه المرصود إلى توقع مباشر بدرجة معينة من الاحترار.

كما أن انعكاسية الأرض تتأثر بتقلبات طبيعية كبيرة، خصوصًا السحب والمحيطات وظواهر مثل إل نينيو والنينيا.

وفي يونيو 2026، كشفت دراسة نشرت في مجلة Nature عن نتيجة جديدة ومفاجئة: فعلى الرغم من الاختلاف الكبير بين مناطق الأرض، تظهر انعكاسية شبه متساوية بين نصفي الكوكب الشرقي والغربي حول خط يقارب 27 درجة شرقًا، مع دور محتمل للسحب ودورة ENSO في الحفاظ على هذا التوازن. واعتمدت الدراسة على نحو 25 عامًا من بيانات الأقمار الصناعية.

وهذا الاكتشاف يوضح مدى تعقيد نظام الأرض؛ فالكوكب لا يتغير بطريقة بسيطة أو خطية.

لماذا يهمنا هذا التغير؟

لأن الأرض تعمل كمنظومة ضخمة لتبادل الطاقة.

الشمس تمد الكوكب بالطاقة، والأرض تعيد جزءًا منها إلى الفضاء على شكل ضوء منعكس وإشعاع حراري.

وعندما تتغير كمية الطاقة التي تدخل النظام أو تخرج منه، تتغير حالة المناخ.

ولهذا فإن انخفاض انعكاسية الأرض يمثل إشارة مهمة يجب مراقبتها، خصوصًا عندما يتزامن مع تغيرات أخرى مثل ارتفاع درجات الحرارة، تراجع الجليد، وتغير خصائص السحب والمحيطات.

لكن العلماء لا يقولون إن الأرض ستصبح «سوداء» أو إن ضوء الشمس سيختفي.

المقصود هو تغير صغير في النسبة التي تعكسها الأرض، لكنه قد يصبح مهمًا عندما يستمر على مدى عقود ويضاف إلى بقية التغيرات في النظام المناخي.

الخلاصة

نعم، المعلومة الأساسية صحيحة: هناك أدلة علمية على تراجع انعكاسية الأرض خلال العقود الأخيرة.

لكن التعبير الأدق علميًا ليس أن «الأرض تفقد نصوعها عامًا بعد عام»، وإنما أن بياض الأرض يتغير، وفي بعض الفترات انخفضت كمية الطاقة الشمسية المنعكسة إلى الفضاء.

وتكشف القياسات الحديثة أن القضية أكثر تعقيدًا من مجرد تغير عالمي واحد؛ فهناك اختلافات بين نصفي الكرة الأرضية، كما أن السحب والمحيطات والجليد والهباء الجوي تلعب أدوارًا متداخلة.

والسؤال الأهم بالنسبة لعلماء المناخ ليس ما إذا كانت الأرض أصبحت «أكثر قتامة» بالمعنى البصري، وإنما:

كم من الطاقة الشمسية الإضافية يبقى داخل النظام المناخي، وكيف ستتفاعل هذه الطاقة مع الاحترار والجليد والسحب والمحيطات خلال العقود المقبلة؟

وهذا هو السبب الذي يجعل العلماء يراقبون «مرآة الأرض» من الفضاء باستمرار.

المصادر العلمية

  • دراسة Geophysical Research Letters (2021) حول تغير بياض الأرض بين 1998 و2017.
  • NASA Earth Observatory حول ظاهرة وهج الأرض وقياس انعكاسية الكوكب.
  • دراسة PNAS (2025) حول الاختلال المتزايد في ميزانية الإشعاع بين نصفي الكرة الأرضية.
  • دراسة Nature (2026) حول التماثل الشرقي–الغربي في انعكاسية الأرض ودور السحب وENSO.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى