عندما غيّرت الغازات السامة وجه الأرض: براكين عملاقة أشعلت أزمات مناخية وانقراضات جماعية.. هل يمكن أن يتكرر السيناريو؟

إعداد: المركز السوري للطقس والمناخ
قبل نحو 252 مليون سنة، لم تكن الأرض تعاني مجرد ثوران بركاني هائل، بل شهدت واحدة من أعنف التحولات البيئية في تاريخ الكوكب. في سيبيريا اندفعت كميات ضخمة من الصهارة عبر القشرة الأرضية، وامتدت الصخور البركانية على مساحة شاسعة، بينما أطلقت العمليات البركانية والحرارية كميات هائلة من الغازات إلى الغلاف الجوي.
لم تكن الحمم وحدها هي المشكلة.
ثاني أكسيد الكربون، وثاني أكسيد الكبريت، والغازات الناتجة عن احتراق أو تسخين الصخور والرواسب الغنية بالكربون، ساهمت في تغيير كيمياء الغلاف الجوي والمحيطات والمناخ. ويربط العلماء هذه الأحداث بأكبر أزمة انقراض جماعي معروفة في تاريخ الحياة، وهي أزمة نهاية العصر البرمي.
واليوم، بعد أكثر من ربع مليار سنة، يطرح العلم سؤالًا مختلفًا:
هل يمكن للأرض أن تعيد إنتاج مثل هذا السيناريو؟ وهل يمكن أن نشهد مستقبلًا عصرًا جديدًا من الغازات البركانية القادرة على إحداث اضطراب عالمي؟
الإجابة العلمية أكثر تعقيدًا من عناوين الكوارث التي تتحدث عن «بركان قاتل سيستيقظ قريبًا».
الأرض سبق أن دخلت في أزمة غازية هائلة
شهدت نهاية العصر البرمي واحدة من أكبر الكوارث البيئية في التاريخ الجيولوجي. وتُظهر الأدلة أن نشاط الفخاخ السيبيرية (Siberian Traps)، وهي مقاطعة نارية ضخمة تشكلت نتيجة اندفاع كميات هائلة من الصهارة، تزامن مع الاضطرابات البيئية التي سبقت الانقراض البرمي-الثلاثي.
وتشير الدراسات إلى أن النشاط لم يكن مجرد تدفقات حمم سطحية؛ فقد اخترقت الصهارة الصخور والرواسب في باطن الأرض، وأدى ذلك إلى عمليات حرارية وكيميائية أطلقت كميات كبيرة من الكربون والكبريت والغازات الأخرى. كما تشير أبحاث أحدث إلى أن مراحل النشاط البركاني النابضة، وخصوصًا المراحل البركانية الانفجارية المبكرة، لعبت دورًا مهمًا في إدخال ثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت إلى الغلاف الجوي.
وتعد هذه النقطة جوهرية لفهم ما حدث.
فالأرض لم تكن ببساطة «مغطاة بالحمم»، وإنما تعرض نظامها المناخي والكيميائي لحقن سريع ومكثف من الغازات والمواد البركانية.
وتشير التقديرات الجيولوجية إلى أن الانقراض البرمي-الثلاثي كان أعنف انقراض جماعي معروف في السجل الجيولوجي، مع خسائر هائلة في التنوع الحيوي البحري والبري.
لماذا كانت الغازات أخطر من الحمم؟
الغازات البركانية لا تعمل بالطريقة نفسها.
فثاني أكسيد الكربون غاز دفيء طويل الأمد نسبيًا، ويمكن أن يؤدي إطلاقه بكميات كبيرة إلى رفع حرارة الكوكب.
أما ثاني أكسيد الكبريت، فعندما يصل إلى طبقات الغلاف الجوي العليا ويتحول إلى جسيمات كبريتات، يستطيع عكس جزء من أشعة الشمس والتسبب في تبريد مؤقت.
وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات إثارة في تاريخ المناخ:
الثوران البركاني نفسه يمكن أن يسبب تبريدًا سريعًا، ثم يساهم لاحقًا في احترار طويل الأمد.
وقد أظهرت دراسات البراكين الكبيرة أن تأثير الكبريت والهالوجينات يمكن أن يؤدي إلى فترات تبريد واضطراب بيئي، بينما يؤدي تراكم ثاني أكسيد الكربون إلى دفع النظام المناخي نحو الاحترار. وقد قدمت أبحاث حول براكين مصاطب الدكن، مثلًا، أدلة على أهمية الكبريت والفلور في حدوث فترات تبريد بركاني واضطرابات بيئية قرب نهاية العصر الطباشيري.
لذلك فإن عبارة «غازات بركانية سامة» تختصر قصة أكثر تعقيدًا.
فبعض الغازات تؤثر في المناخ، وبعضها في جودة الهواء، وبعضها في كيمياء المحيطات، وبعضها في طبقة الأوزون، ويمكن أن تعمل هذه التأثيرات معًا أو على مراحل.
ليس كل الغاز البركاني قاتلًا بالطريقة نفسها
هناك فرق علمي مهم بين السمية المباشرة والتأثير المناخي العالمي.
فالغازات البركانية القريبة من مصدر الثوران يمكن أن تكون خطرة مباشرة على الإنسان والحيوان والنبات، خصوصًا ثاني أكسيد الكبريت وبعض المركبات الأخرى.
لكن عندما يتحدث العلماء عن أحداث الانقراض القديمة، فإنهم لا يشيرون فقط إلى اختناق الكائنات بالغازات.
المشكلة كانت في تغيير النظام البيئي بأكمله.
ارتفاع درجات الحرارة، وتحمض المحيطات، ونقص الأكسجين في البحار، والأمطار الحمضية، وتغير دورة الكربون، واضطراب النظم البيئية، كلها يمكن أن تتفاعل معًا.
وتشير أبحاث حديثة إلى أن إطلاق الكربون البركاني في نهاية العصر البرمي ارتبط بمرحلة من الاحترار الشديد وتغيرات بيئية واسعة النطاق.
وماذا عن مصاطب الدكن؟
ليست سيبيريا المثال الوحيد.
في نهاية العصر الطباشيري، قبل نحو 66 مليون سنة، شهدت الهند نشاطًا بركانيًا ضخمًا أدى إلى تشكل مصاطب الدكن (Deccan Traps).
وهنا يصبح السيناريو أكثر تعقيدًا، لأن هذه المرحلة تزامنت أيضًا مع اصطدام الكويكب الذي ارتبط بانقراض الديناصورات غير الطيرية.
ولهذا لا يعتبر العلماء أن البراكين وحدها تفسر بصورة بسيطة كل تفاصيل الانقراض في نهاية العصر الطباشيري؛ فهناك نقاش علمي مستمر حول الأدوار النسبية للنشاط البركاني واصطدام الكويكب والتفاعلات بينهما.
لكن دراسات مصاطب الدكن تؤكد شيئًا مهمًا للغاية:
الانبعاثات البركانية قادرة بالفعل على تغيير المناخ العالمي، وليس مجرد التأثير في المناطق المحيطة بالبركان.
هل يمكن أن تتكرر هذه الظاهرة؟
هنا يجب التفريق بين سؤالين.
الأول:
هل تستطيع الأرض مستقبلًا إنتاج نشاط بركاني هائل يؤدي إلى تغير مناخي عالمي؟
من الناحية الجيولوجية، نعم.
أما السؤال الثاني:
هل هناك دليل على أن ذلك سيحدث قريبًا؟
حتى الآن، لا توجد أدلة علمية موثوقة تسمح بهذا الاستنتاج.
المقاطعات النارية الضخمة ظواهر جيولوجية حقيقية، وقد ارتبط بعضها بأكبر الأزمات المناخية والبيولوجية في تاريخ الأرض. لكن هذه الأحداث لا تعمل كساعة يمكن تحديد موعدها مسبقًا.
ولا يوجد حاليًا نموذج علمي يقول إن الأرض تتجه خلال السنوات أو العقود المقبلة إلى حدث مشابه للفخاخ السيبيرية.
وماذا عن «البراكين العملاقة» التي نسمع عنها اليوم؟
غالبًا ما يظهر اسم يلوستون عندما يُطرح هذا السؤال.
لكن البيانات الرسمية لهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية لا تشير إلى أن يلوستون «متأخر» عن ثوران، ولا إلى وجود مؤشرات على ثوران كارثي وشيك.
وتؤكد الهيئة أن البراكين لا تعمل وفق جداول زمنية منتظمة، وأن النشاط البركاني لا يمكن التنبؤ به ببساطة اعتمادًا على الزمن المنقضي منذ آخر ثوران.
بل تشير تحديثات مرصد يلوستون إلى أن النشاط الزلزالي والتشوهات الأرضية خلال عام 2026 بقيت ضمن مستويات لا تشير إلى ثوران وشيك، رغم استمرار النشاط الحراري المائي الطبيعي في المنطقة.
وهذا مهم لأن ثورانًا حراريًا مائيًا صغيرًا لا يعني أن ثورانًا بركانيًا هائلًا أصبح وشيكًا.
فقد شهدت منطقة Biscuit Basin في يلوستون انفجارًا حراريًا مائيًا صغيرًا في يونيو 2026، لكن هذا الحدث لا يمثل بحد ذاته دليلًا على اقتراب ثوران بركاني كبير.
الخطر الحقيقي ليس نسخة من الماضي
ربما تكون أهم نتيجة يمكن استخلاصها من هذه القصة هي أن الأرض لا تحتاج إلى إعادة إنتاج الفخاخ السيبيرية حتى تتعرض لأزمة مناخية.
في الماضي كان النشاط الجيولوجي أحد المصادر الكبرى للكربون والغازات التي غيّرت النظام المناخي.
أما اليوم، فإن البشرية تضيف إلى الغلاف الجوي كميات كبيرة من غازات الدفيئة بسرعة شديدة من خلال حرق الوقود الأحفوري وتغير استخدام الأراضي وغيرها من الأنشطة.
وهذا يجعل المقارنة بين الماضي والحاضر مفيدة علميًا، لكن ليس لأنها تعني أن «بركانًا عملاقًا سيستيقظ قريبًا».
بل لأنها تكشف مدى حساسية نظام الأرض للتغيرات السريعة في دورة الكربون.
الأحداث البركانية القديمة استغرقت في كثير من الحالات فترات جيولوجية قصيرة نسبيًا، لكنها مع ذلك كانت كافية لدفع المناخ والأنظمة البيئية إلى حالات شديدة الاضطراب.
والأبحاث الحديثة ما زالت تكشف تفاصيل جديدة حول كيفية حدوث ذلك. ففي دراسة منشورة عام 2026، أعاد العلماء تقييم العلاقة الزمنية بين اضطرابات دورة الكربون والاحترار في نهاية العصر البرمي، وأظهروا أن التفاعل بين الكربون والمناخ والعمليات السطحية للأرض كان أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا.
هل يمكن أن نشهد «سماء سامة» مرة أخرى؟
من حيث المبدأ، نعم، يمكن لثورانات بركانية كبيرة أن تخلق ظروفًا خطرة على البشر والأنظمة البيئية، ويمكن للثورانات التي تحقن كميات كبيرة من الكبريت والرماد إلى الغلاف الجوي أن تؤثر في المناخ على نطاق واسع.
لكن تحويل هذه الحقيقة إلى توقع بأن «السماء ستصبح سامة قريبًا» سيكون غير علمي.
حتى أكبر السيناريوهات البركانية المستقبلية لا يمكن تحديد موعدها مسبقًا بهذه الطريقة.
والأهم أن الأرض لم تدخل حاليًا مرحلة تشبه نهاية العصر البرمي.
لا توجد مؤشرات علمية على أن مقاطعة نارية ضخمة جديدة على وشك التشكل، ولا توجد بيانات تسمح بتحديد موعد لحدث عالمي مماثل.
الدرس الأخطر من الماضي
تكشف الصخور القديمة شيئًا بالغ الأهمية:
المناخ والنظام البيئي على الأرض قادران على الانتقال من حالة مستقرة نسبيًا إلى حالة شديدة الاضطراب عندما تتغير دورة الكربون بسرعة كبيرة.
وقد تكون البراكين العملاقة هي التي دفعت النظام إلى هذه التحولات في بعض مراحل التاريخ الجيولوجي.
لكن ذلك لا يعني أن النشاط البركاني هو الخطر المناخي الرئيسي في عصرنا.
على العكس، تكمن أهمية هذه الأحداث القديمة في أنها تمنح العلماء «مختبرًا طبيعيًا» لدراسة ما يحدث عندما تتعرض دورة الكربون لصدمة كبيرة.
ومن هنا تأتي قيمة دراسة الفخاخ السيبيرية ومصاطب الدكن وغيرها من المقاطعات النارية الضخمة: فهي لا تخبرنا فقط كيف ماتت أنواع كثيرة في الماضي، وإنما تساعدنا أيضًا على فهم كيف يستجيب كوكب الأرض للتغير السريع في تركيب الغلاف الجوي.
الخلاصة
لا يوجد دليل علمي حالي على أن الأرض تستعد خلال المستقبل القريب لثوران بركاني عالمي يعيد سيناريو الغازات التي رافقت الانقراضات الجماعية القديمة.
لكن التاريخ الجيولوجي يؤكد أن مثل هذه الأحداث حدثت بالفعل.
قبل ملايين السنين، استطاعت عمليات بركانية ضخمة إطلاق كميات هائلة من الكربون والكبريت والغازات الأخرى، فتغيرت حرارة الكوكب وكيمياء المحيطات والغلاف الجوي، واضطربت الأنظمة البيئية على نطاق عالمي.
الخطر ليس أن التاريخ سيكرر نفسه حرفيًا، وإنما أن تاريخ الأرض يثبت أن النظام المناخي يمكن أن يتغير جذريًا عندما يتعرض لدفع قوي وسريع في دورة الكربون.
وهنا تكمن المفارقة العلمية الأهم:
الأرض لا تحتاج إلى بركان عملاق كي تغيّر مناخها.
لقد امتلكت البراكين هذه القدرة في الماضي، بينما أصبح الإنسان اليوم أحد أهم العوامل القادرة على تغيير تركيب الغلاف الجوي.
ولهذا فإن دراسة «الغازات التي خرجت من باطن الأرض قبل ملايين السنين» ليست مجرد بحث في الماضي السحيق، بل نافذة لفهم مدى حساسية كوكبنا للتغيرات المناخية السريعة.
مصادر علمية رئيسية
- Nature Communications — أبحاث حول الفخاخ السيبيرية والنبضات البركانية وعلاقتها بأزمة نهاية العصر البرمي.
- Nature Geoscience — أبحاث حول انبعاثات الكربون والكبريت البركانية والتغيرات المناخية طويلة الأمد.
- Science Advances — دراسة حول ميزانيات الكبريت والفلور في مصاطب الدكن وتأثيراتها المناخية.
- Science — أبحاث حول العلاقة بين المقاطعات النارية الضخمة والانقراضات الجماعية.
- U.S. Geological Survey (USGS) — المعلومات الرسمية حول النشاط البركاني واحتمالات الثوران في يلوستون.
- Nature Communications, 2026 — أبحاث حديثة حول تطور المناخ واضطراب دورة الكربون خلال أزمة نهاية العصر البرمي.



