Uncategorized

نحن نعيش في عصر جليدي.. فلماذا لا تغطي الثلوج معظم الأرض؟

المركز السوري للطقس والمناخ

قد تبدو العبارة للوهلة الأولى متناقضة: نحن نعيش في عصر جليدي، وفي الوقت نفسه يشهد كوكب الأرض فترة مناخية دافئة!

لكن من الناحية العلمية لا يوجد تناقض، الأرض تعيش منذ نحو 2.6 مليون سنة ضمن ما يعرف بالعصر الجليدي الرباعي، أو العصر الجليدي الحالي، إلا أننا لسنا الآن في ذروة مرحلة جليدية باردة، بل في فترة دافئة تعرف باسم الهولوسين (Holocene)، وهي إحدى الفترات البينية الدافئة بين العصور الجليدية.

وتؤكد وكالة الفضاء الأمريكية NASA أن العصر الجليدي الحالي بدأ قبل نحو 2.6 مليون سنة، وأن مناخ الأرض خلال هذه الفترة تذبذب مراراً بين مراحل شديدة البرودة ومراحل دافئة تعرف بالفترات البينية الجليدية.

ماذا يعني «العصر الجليدي» علمياً؟

العصر الجليدي لا يعني أن الكرة الأرضية بأكملها مغطاة بالجليد، التعريف الجيولوجي للعصر الجليدي يرتبط بوجود صفائح جليدية قارية دائمة، مثل الصفائح الموجودة اليوم فوق غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية.

وخلال العصر الجليدي الطويل الذي نعيش فيه، تتأرجح الأرض بين حالتين رئيسيتين:

مرحلة جليدية – Glacial:
تنخفض درجات الحرارة عالمياً، وتتوسع الصفائح الجليدية فوق مساحات هائلة من نصف الكرة الشمالي.

مرحلة بين جليدية – Interglacial:
ترتفع درجات الحرارة وتتراجع الصفائح الجليدية، لكنها لا تختفي بالكامل.

والإنسان الحديث تطور وانتشر خلال هذا العصر الجليدي نفسه، وليس خلال عصر مناخي خالٍ من الجليد. وتشير NASA إلى أن آخر ذروة باردة كبرى حدثت قبل نحو 20 ألف سنة، عندما غطت الصفائح الجليدية أجزاء واسعة من أمريكا الشمالية وأوروبا وجنوب أمريكا الجنوبية.

أين نحن الآن؟

نحن نعيش حالياً في الهولوسين، وهي فترة دافئة بدأت قبل نحو 11,700 سنة بعد انتهاء آخر فترة جليدية.

وبعبارة أبسط:

العصر الجليدي: مستمر
↓
الفترة الجليدية الأخيرة: انتهت
↓
الهولوسين: الفترة الدافئة الحالية
↓
العصر الجليدي التالي: لم يبدأ بعد

ولهذا فإن القول إن «العصر الجليدي انتهى» غير دقيق من الناحية الجيولوجية.

الأدق هو القول:

الأرض ما زالت في عصر جليدي، لكننا نعيش حالياً داخل فترة بين جليدية دافئة.

لماذا تتكرر هذه الدورات؟

ترتبط الدورات الجليدية طويلة الأمد بدرجة كبيرة بالتغيرات البطيئة في حركة الأرض حول الشمس ومحورها، وهي ما يعرف باسم دورات ميلانكوفيتش.

وتشمل هذه التغيرات:

  • شكل مدار الأرض حول الشمس.
  • ميل محور دوران الأرض.
  • التذبذب البطيء في اتجاه محور الأرض.

هذه التغيرات تؤثر في كمية وتوزيع الإشعاع الشمسي الذي يصل إلى مناطق مختلفة من الأرض، وخصوصاً كمية الإشعاع الصيفي التي تصل إلى المناطق الشمالية عالية العرض.

وعندما تصبح فصول الصيف أقل قدرة على إذابة الثلوج المتراكمة، يمكن أن تبدأ عملية تراكم جليدي تمتد لآلاف السنين.

وقد أكدت دراسة منشورة في Communications Earth & Environment عام 2025 أن الدورات الجليدية خلال العصر الجليدي الأخير ارتبطت بتغيرات مدارية في الإشعاع الشمسي، إلى جانب التفاعلات المعقدة بين الصفائح الجليدية والمحيطات والغلاف الجوي ودورة الكربون.

هل كان من المفترض أن نبدأ عصراً جليدياً جديداً الآن؟

هنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً.

النماذج المناخية القديمة والحديثة لا تعطي إجابة واحدة تماماً حول الموعد الطبيعي لبداية التجلد القادم، لأن طول الفترة الدافئة الحالية يعتمد على مجموعة من العوامل المدارية وتركيز ثاني أكسيد الكربون ودورة الكربون الطبيعية.

لكن الدراسات الحديثة تشير بوضوح إلى أن العصر الجليدي التالي ليس قريباً وفق الظروف الحالية.

فدراسة حديثة نشرت عام 2025 في مجلة Communications Earth & Environment، واعتمدت نماذج لنظام الأرض تشمل المناخ ودورة الكربون والصفائح الجليدية، قدرت أن بداية التجلد الطبيعي التالي قد تكون في حدود نحو 50 ألف سنة من الآن في أحد السيناريوهات الطبيعية، مع اختلاف كبير بحسب افتراضات دورة الكربون.

وهذه نقطة مهمة جداً:

لا يوجد موعد واحد متفق عليه علمياً لبداية العصر الجليدي القادم.

فالدراسات السابقة أعطت نطاقات مختلفة، وبعضها قدر استمرار الفترة بين الجليدية الحالية عشرات آلاف السنين حتى في غياب التأثير البشري.

وماذا فعل الإنسان بهذه الدورة؟

هنا يظهر العامل الذي لم يكن موجوداً في معظم الدورات الجليدية السابقة بهذه الصورة: الارتفاع السريع في تركيز ثاني أكسيد الكربون بسبب النشاط البشري.

تركيز CO₂ في الغلاف الجوي ارتفع من مستويات ما قبل الثورة الصناعية إلى أكثر من 420 جزءاً بالمليون في العصر الحديث، وهو مستوى يؤثر بصورة مباشرة في توازن الطاقة على الأرض.

والنتيجة المهمة على المدى الجيولوجي هي أن ارتفاع CO₂ يجعل بدء التجلد القادم أصعب وأبعد زمنياً.

وتشير دراسة 2025 إلى أن الانبعاثات البشرية التراكمية يمكن أن تؤخر بداية التجلد القادم بعشرات آلاف السنين، وأن مضاعفة كمية الكربون المنبعثة مقارنة بالانبعاثات التاريخية يمكن أن تؤخر التجلد بنحو 50 ألف سنة إضافية في أحد سيناريوهات النموذج.

هل يعني هذا أن الاحتباس الحراري سيُنهي العصر الجليدي؟

ليس بهذه البساطة.

الاحترار العالمي الحالي لا يعني أن الأرض خرجت جيولوجياً من العصر الجليدي.

فالصفائح الجليدية الضخمة في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية ما تزال موجودة، وهذا أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل العلماء يصنفون الأرض ضمن عصر جليدي.

لكن النشاط البشري قد يؤثر بقوة في توقيت الدورة الجليدية المقبلة، وربما يؤخر الانتقال الطبيعي إلى مرحلة جليدية جديدة لفترة طويلة جداً.

وهنا تكمن المفارقة: نحن نعيش في عصر جليدي، لكن ارتفاع حرارة الأرض حالياً قد يؤدي إلى إطالة المرحلة الدافئة التي نعيشها بدلاً من الانتقال إلى مرحلة جليدية جديدة.

هل كان العالم سيبرد لو لم يكن هناك تأثير بشري؟

على المدى الجيولوجي الطويل، نعم، كانت هناك عوامل فلكية تدفع النظام المناخي تدريجياً نحو مرحلة جليدية جديدة في المستقبل، لكن توقيتها الطبيعي غير محسوم بدقة.

الدراسات الحديثة تشير إلى أن المدار الأرضي خلال الفترة القادمة لا يوفر وحده ظروفاً قوية وسريعة لبدء تجمد واسع النطاق، كما أن تركيز CO₂ الحالي أعلى بكثير من المستوى الذي يسمح بسهولة ببدء التجلد.

لذلك فإن فكرة أن «العصر الجليدي القادم سيبدأ قريباً بسبب دورة طبيعية» لا تتوافق مع أفضل النماذج العلمية الحالية.

ماذا حدث في آخر دورة؟

قبل نحو 20 ألف سنة، كانت الأرض في ذروة آخر فترة جليدية، كانت الصفائح الجليدية تغطي أجزاء واسعة من أمريكا الشمالية وأوروبا، وكان مستوى سطح البحر أقل بكثير من مستواه الحالي بسبب تخزين كميات هائلة من المياه على اليابسة على شكل جليد.

ثم بدأ الاحترار الطبيعي، وتراجعت الصفائح الجليدية تدريجياً، ودخل الكوكب في الفترة الدافئة الحالية.

ومنذ نحو 11,700 سنة بدأ الهولوسين، وهو المناخ الذي تطورت خلاله الحضارات الزراعية ثم المدن والمجتمعات الحديثة.

الخلاصة العلمية

يمكن تلخيص الوضع الحالي في أربع جمل:

نعم، نحن ما زلنا في عصر جليدي.

لا، نحن لسنا حالياً في مرحلة جليدية باردة، بل في فترة بين جليدية دافئة تسمى الهولوسين.

لا توجد مؤشرات علمية على بداية عصر جليدي جديد في المستقبل القريب.

والاحترار الناتج عن النشاط البشري مرشح لتأخير التجلد القادم، وربما لعشرات آلاف السنين، وفق مقدار الانبعاثات وتطور دورة الكربون.

وهكذا فإن الصورة الحقيقية للأرض أكثر تعقيداً من عبارة «العالم يزداد حرارة» أو «العصر الجليدي انتهى».

فنحن نعيش في كوكب جليدي جيولوجياً، داخل فترة دافئة مناخياً، وفي مرحلة تاريخية أصبح فيها الإنسان قادراً على التأثير في المسار الطبيعي لدورات المناخ التي تمتد لعشرات آلاف السنين.

المصادر العلمية

  • NASA – National Aeronautics and Space Administration: شرح العصر الجليدي الحالي والفترات الجليدية والبينية.
  • Communications Earth & Environment / Nature Portfolio (2025): دراسة حديثة عن توقيت التجلد القادم وتأثير الانبعاثات البشرية.
  • Nature (2016): دراسة حول العلاقة بين الإشعاع الشمسي وCO₂ وبداية الفترات الجليدية.
  • Nature Geoscience (2012): دراسة حول المدة الطبيعية المحتملة للفترة البينية الحالية.
  • Nature (2025): سجلات CO₂ والميثان خلال ملايين السنين ودورات العصر الجليدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى