طقس العالم

النينيو يرفع حالة التأهب في أمريكا الوسطى ويهدد حركة التجارة عبر قناة بنما

الجفاف يضرب المحاصيل وموارد المياه.. وقيود جديدة على عبور السفن في أحد أهم ممرات التجارة العالمية

تتزايد تداعيات ظاهرة النينيو في أمريكا الوسطى مع اشتداد الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، ما دفع دولًا في المنطقة إلى اتخاذ إجراءات طارئة لمواجهة تداعيات متوقعة على المياه والزراعة والأمن الغذائي، فيما بدأت آثار الظاهرة تمتد إلى أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وهو قناة بنما.

وأعلنت الحكومة البنمية، الثلاثاء 25 أغسطس/آب، حالة الطوارئ بسبب الظروف المرتبطة بالجفاف وتأثيرات ظاهرة النينيو، في خطوة تهدف إلى تعزيز استعداد السلطات للتعامل مع تداعيات نقص الأمطار وتراجع الموارد المائية.

وقال وزير الداخلية البنمي دينوسكا مونتالفو إن إعلان حالة الطوارئ يتيح للسلطات الاستعداد بشكل أفضل لما قد تحمله ظاهرة النينيو من تداعيات، في وقت بدأت فيه أزمة المياه تؤثر بالفعل على الزراعة وحركة الملاحة عبر القناة.

السلفادور ترفع التأهب إلى أعلى مستوى

وفي السلفادور، أعلنت السلطات في اليوم نفسه حالة التأهب القصوى، أو الإنذار الأحمر، بسبب الجفاف الأرصادي والزراعي على مستوى البلاد، مع تفعيل إجراءات المراقبة والمساعدة للمناطق الأكثر تضررًا.

ويأتي ذلك بعد تراجع واضح في معدلات الهطول خلال فترة يفترض أن تشهد عادةً كميات أكبر من الأمطار، ما أدى إلى خسائر في عدد من المحاصيل الزراعية، ودفع وزارة الزراعة إلى توفير مساعدات غذائية للأسر الريفية المتضررة، خصوصًا تلك التي لا تمتلك أنظمة للري.

وتواجه أجزاء من السلفادور وهندوراس ونيكاراغوا ظروفًا أكثر حساسية بسبب وقوعها ضمن الممر الجاف لأمريكا الوسطى، وهي منطقة معروفة بتعرضها لتقلبات الأمطار والجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

وفي هندوراس، وُضعت نحو 80% من مساحة البلاد تحت درجات مختلفة من تحذيرات الجفاف، في مؤشر إضافي على اتساع نطاق الأزمة في المنطقة.

قناة بنما أمام اختبار مائي جديد

ربما يكون الجانب الأكثر أهمية عالميًا هو تأثير الجفاف على قناة بنما، التي تعتمد عملياتها على المياه العذبة المخزنة في البحيرات والخزانات التي تغذي منظومة الأهوسة.

وأعلنت هيئة قناة بنما أنها ستخفض عدد السفن التي يمكنها عبور القناة يوميًا من 36 إلى 34 سفينة اعتبارًا من 3 سبتمبر/أيلول، قبل أن ينخفض العدد إلى 32 سفينة يوميًا اعتبارًا من 15 سبتمبر، في حال استمرار الظروف الحالية.

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية كبيرة بالنسبة إلى التجارة العالمية، إذ تمر عبر قناة بنما نسبة تقارب 5% من التجارة البحرية العالمية، كما تمثل القناة طريقًا رئيسيًا لحركة الحاويات والبضائع بين المحيطين الأطلسي والهادئ.

وتشير بيانات مرتبطة بهيئة قناة بنما إلى أن كمية الأمطار المتراكمة في حوض القناة خلال الفترة من مايو/أيار إلى أغسطس/آب كانت أقل بنحو 34% من المعدل التاريخي، بينما تراجعت التدفقات المائية إلى الخزانات بنحو 44%، وهو ما يوضح حجم الضغط الذي تواجهه المنظومة المائية.

لماذا يؤثر النينيو في أمريكا الوسطى؟

النينيو ليس مجرد ارتفاع في درجات حرارة سطح المحيط الهادئ، بل ظاهرة مناخية واسعة يمكن أن تعيد توزيع أنماط الأمطار والحرارة والرياح في مناطق مختلفة من العالم.

وفي أمريكا الوسطى، يرتبط النينيو عادةً بزيادة احتمالات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يمكن أن ينعكس مباشرة على الزراعة ومخزونات المياه وإنتاج الغذاء.

وفي الحالة الحالية، تتزامن هذه التأثيرات مع ارتفاع كبير في درجات الحرارة؛ إذ سجلت السلفادور وحدها 14 رقمًا قياسيًا لدرجات الحرارة خلال أغسطس/آب حتى الآن، بينما سجلت دول في المنطقة أرقامًا قياسية شهرية خلال يونيو ويوليو.

من الجفاف الزراعي إلى اضطراب التجارة العالمية

توضح أزمة قناة بنما كيف يمكن لظاهرة مناخية أن تتجاوز حدود تأثيرها المحلي.

فانخفاض الأمطار لا يعني فقط نقص المياه للشرب والزراعة، بل يمكن أن يتحول إلى مشكلة لوجستية واقتصادية عالمية عندما تتراجع مستويات المياه اللازمة لتشغيل قناة تمر عبرها ملايين الأطنان من البضائع سنويًا.

وقد بدأت بعض الشركات البحرية بالفعل في إعادة تقييم مساراتها بسبب القيود المتوقعة على القناة، فيما يمكن أن تؤدي زيادة الطلب على العبور المحدود إلى ارتفاع تكاليف النقل وتأخير الشحنات.

وتعيد التطورات الحالية إلى الأذهان أزمة الجفاف التي ضربت قناة بنما خلال 2023 و2024، عندما اضطرت السلطات إلى فرض قيود على حركة السفن بسبب انخفاض مستويات المياه.

نينيو أقوى.. ومخاطر أكبر خلال الأشهر المقبلة

وتشير التوقعات الحالية إلى أن ظاهرة النينيو مرشحة لمزيد من القوة خلال الأشهر المقبلة، مع توقع استمرار تأثيراتها خلال خريف وشتاء 2026–2027.

وتكمن خطورة الوضع في أن تأثيرات النينيو لا تسير بالاتجاه نفسه في جميع أنحاء العالم؛ فقد تؤدي في مناطق إلى الجفاف والحرارة، بينما ترتبط في مناطق أخرى بزيادة فرص الأمطار الغزيرة والفيضانات والعواصف.

وهذا ما يجعل النينيو ظاهرة ذات تداعيات عالمية تتجاوز الطقس إلى الأمن الغذائي والمائي والطاقة والنقل والتجارة وأسعار السلع.

المصادر: رويترز، وكالة فرانس برس (AFP)، هيئة قناة بنما، السلطات المدنية في السلفادور، صحيفة لوموند، وتقارير دولية متخصصة في المناخ والتجارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى