دراسات مناخية

بالطائرات المسيّرة.. هل نجحت تجربة «استمطار نوعية» في ألاسكا؟

أعلنت شركة أمريكية متخصصة في تقنيات تعديل الطقس عن نتائج وصفتها بأنها إنجاز مهم في مجال استمطار السحب باستخدام الطائرات المسيّرة، بعد تجربة أجرتها في شبه جزيرة كيناي بولاية ألاسكا يومي 22 و23 أغسطس/آب 2026.

وقالت شركة Rainmaker Technology Corporation إن طائراتها المسيّرة نفذت سلسلة من عمليات تلقيح السحب باستخدام يوديد الفضة، وإن تحليل بيانات الرادار أظهر مؤشرات متوافقة مع تكوّن هطول إضافي بعد عمليات التلقيح.

وتقدّر الشركة أن التجربة أنتجت نحو 57.6 فدان-قدم من الهطول الإضافي، أي ما يعادل قرابة 19 مليون غالون أمريكي من المياه، خلال فترة تشغيلية استمرت نحو ثلاث ساعات.

لكن هل يعني ذلك أن الطائرات المسيّرة أصبحت قادرة فعلاً على «صناعة المطر»؟

الإجابة العلمية أكثر تعقيداً من العنوان المتداول.

ماذا حدث في ألاسكا؟

اختارت الشركة منطقة شبه جزيرة كيناي لإجراء التجربة بسبب طبيعة المنطقة الجبلية ووجود ظروف جوية مناسبة نسبياً لتقنية الاستمطار الجليدي.

وخلال التجربة، استخدمت الشركة طائرتين مسيّرتين من طراز «Elijah» لتنفيذ سبع مهمات منسقة لتلقيح السحب.

وأطلقت الطائرات 19 شعلة تحتوي على يوديد الفضة، بكمية إجمالية بلغت نحو 374 غراماً، على ارتفاعات تراوحت تقريباً بين 3.6 و4.3 كيلومتر فوق مستوى سطح البحر.

وكانت درجات الحرارة في مستويات إطلاق المادة تتراوح تقريباً بين -5 و-15 درجة مئوية، وهي درجات حرارة مناسبة لتفعيل يوديد الفضة داخل السحب التي تحتوي على ماء فائق التبريد.

وبحسب تقرير الشركة، كانت الرطوبة مرتفعة أيضاً، بينما كانت الرياح ضعيفة نسبياً، وهي ظروف تساعد على نجاح عمليات التلقيح.

كيف يمكن ليوديد الفضة أن يزيد الهطول؟

الاستمطار لا يعني خلق السحب من العدم، ولا يستطيع إنتاج المطر في سماء صافية.

الفكرة مختلفة تماماً.

تحتوي بعض السحب الباردة على قطرات ماء تبقى في الحالة السائلة رغم أن درجة حرارتها أقل من صفر مئوية، وتعرف باسم المياه فائقة التبريد.

عندما تصل إليها جسيمات مناسبة لتكوين الجليد، يمكن أن تبدأ قطرات الماء بالتجمد.

ويتميز يوديد الفضة ببنية بلورية تشبه بنية الجليد، ولذلك يمكن أن يعمل كنواة لتكوين بلورات جليدية داخل السحابة.

ومع نمو البلورات الجليدية، يمكن أن تتحول إلى ثلج أو حبيبات جليدية، ثم تهبط عبر الغلاف الجوي. وإذا كانت درجات الحرارة في الطبقات الأدنى أعلى من درجة التجمد، فإنها تصل إلى سطح الأرض على شكل مطر.

وبالتالي فإن الاستمطار لا «يصنع» المياه، بل يحاول تحفيز عمليات فيزيائية موجودة أصلاً داخل السحابة لتحويل جزء من المياه الموجودة فيها إلى هطول.

وهذه نقطة أساسية لفهم ما حدث في ألاسكا.

ماذا وجدت التجربة؟

استخدمت الشركة رادار الطقس التابع لشبكة NEXRAD في المنطقة لمراقبة ما حدث بعد عمليات التلقيح.

وقالت إن سبع «بصمات» ظهرت على الرادار بعد عمليات إطلاق يوديد الفضة، وظهرت هذه الإشارات بعد فترات تراوحت تقريباً بين 17 و40 دقيقة من عمليات الإطلاق.

كما تحركت هذه الإشارات مع اتجاه الرياح، وهو سلوك قالت الشركة إنه يتوافق مع نمو وهبوط الجسيمات الجليدية الناتجة عن التلقيح.

وبناءً على تحليل بيانات الهطول باستخدام مجموعة من 27 نموذجاً لتقدير الهطول، قدرت الشركة كمية الهطول الإضافي بمتوسط 57.6 فدان-قدم، أي نحو 19 مليون غالون من المياه.

وقد تراوحت قيمة التقدير الأساسية بين نحو 45 و65 فدان-قدم، مع نطاق أوسع لعدم اليقين.

لكن هل الـ19 مليون غالون «مقاسة» فعلاً؟

هنا تأتي أهم نقطة علمية في القصة.

لا.

الـ19 مليون غالون ليست كمية جرى جمعها فعلياً في خزانات أو قياسها مباشرة عند سطح الأرض.

إنها تقدير نمذجي لكمية الهطول التي تعتقد الشركة أنها نتجت عن عملية الاستمطار بعد تحليل بيانات الرادار والهطول.

وكانت هناك أمطار طبيعية تهطل بالفعل في المنطقة أثناء التجربة.

وهذا يجعل فصل الهطول الطبيعي عن الهطول الناتج عن التلقيح تحدياً علمياً بالغ الصعوبة.

وقد أقرت الشركة نفسها بوجود مصادر لعدم اليقين، من بينها معايرة الرادار، وتحديد حدود المناطق التي نسبت إليها تأثيرات التلقيح، وما يحدث للهطول بين ارتفاع شعاع الرادار وسطح الأرض.

لذلك فإن القول إن «الطائرات أنتجت 19 مليون غالون من المطر» يتجاوز ما تسمح به البيانات الحالية.

والصياغة العلمية الأدق هي:

«الشركة قدرت أن عملية تلقيح السحب ساهمت في نحو 19 مليون غالون من الهطول الإضافي.»

هل استمطار السحب تقنية مثبتة علمياً؟

نعم، لكن مع تحفظ مهم.

مبدأ الاستمطار الجليدي نفسه ليس تقنية جديدة، وقد خضع لعقود من الدراسات والتجارب.

ومن أبرز التجارب العلمية الحديثة مشروع SNOWIE في ولاية أيداهو الأمريكية، الذي استخدم الطائرات والرادارات وأجهزة القياس الأرضية لدراسة تأثير يوديد الفضة في السحب الشتوية.

وأظهرت دراسات المشروع إمكانية رصد عمليات تشكل الجليد الناتجة عن التلقيح وقياس الهطول المرتبط بها، وهو ما يمثل تقدماً مهماً مقارنة بالتجارب القديمة التي كانت تواجه صعوبة في فصل تأثير الاستمطار عن التغير الطبيعي داخل العواصف.

وتستند تجربة ألاسكا الجديدة جزئياً إلى منهجيات طورت في هذه الأبحاث العلمية، بحسب تقرير الشركة.

كما تشير وثائق الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية NOAA إلى أن زيادة الهطول عبر تلقيح بعض السحب الجبلية الشتوية تعد من أكثر تطبيقات تعديل الطقس التي تمت دراستها، مع وجود أدلة على إمكانية زيادة الهطول محلياً في ظروف مناسبة.

لماذا استخدام الطائرات المسيّرة مهم؟

الجديد نسبياً في تجربة ألاسكا ليس مبدأ الاستمطار نفسه، وإنما طريقة إيصال مادة التلقيح إلى السحابة.

تقليدياً، تعتمد عمليات الاستمطار على طائرات مأهولة أو مولدات أرضية تطلق مواد التلقيح إلى الغلاف الجوي.

أما استخدام طائرات مسيّرة قادرة على الطيران إلى ارتفاعات كبيرة، فيفتح المجال أمام استهداف مناطق محددة داخل السحابة بدقة أكبر، مع إمكانية جمع بيانات عن درجة الحرارة والرطوبة والرياح أثناء الرحلة.

وتقول الشركة إن طائراتها قادرة على تنفيذ رحلات ذاتية على ارتفاعات عالية، فيما تستخدم منظومتها البرمجية بيانات الرادار والأقمار الصناعية لتحديد مناطق السحب الأكثر ملاءمة للتلقيح.

وهذا قد يمثل تطوراً مهماً في حال أثبتت التجارب المستقبلية أن استخدام المسيّرات يمكن أن يجعل عمليات التلقيح أكثر دقة وأقل تكلفة وقابلية للتوسع.

هل يمكن استخدام التقنية لمواجهة الجفاف؟

هذا أحد الأهداف الرئيسية وراء الاهتمام المتزايد بالاستمطار.

فإذا أمكن زيادة الهطول بصورة موثوقة في بعض أنواع السحب، فقد تستخدم التقنية للمساعدة في زيادة الثلوج فوق المناطق الجبلية أو تعزيز موارد المياه في الأحواض التي تعتمد على ذوبان الثلوج.

وتشير الشركة إلى اهتمامها مستقبلاً بمناطق تعاني من شح المياه في غرب الولايات المتحدة، بما فيها مناطق مرتبطة بحوض نهر كولورادو.

لكن نجاح تجربة واحدة لا يعني أن التقنية يمكنها حل مشكلة الجفاف.

فالاستمطار يعتمد على وجود سحب مناسبة أصلاً، وعلى درجة حرارتها، وكمية المياه فائقة التبريد الموجودة فيها، وحركة الرياح، والبنية الدقيقة للسحابة.

وفي غياب السحب المناسبة، لا يستطيع يوديد الفضة إنتاج المطر من الهواء الجاف.

وماذا عن المخاطر البيئية؟

يستخدم يوديد الفضة منذ عقود في عدد من برامج الاستمطار، لكن توسيع نطاق الاستخدام يطرح أسئلة بيئية وصحية تحتاج إلى مراقبة مستمرة.

الكمية المستخدمة في التجربة الأخيرة كانت صغيرة نسبياً، إذ بلغت نحو 374 غراماً فقط، لكن تقييم التأثير البيئي طويل المدى يتطلب النظر إلى تكرار عمليات التلقيح وتراكم المادة في التربة والمياه وليس إلى تجربة منفردة فقط.

كما أن أي زيادة في الهطول في منطقة معينة تثير سؤالاً آخر: هل يمكن أن يكون لها تأثير على المناطق الواقعة باتجاه الرياح؟

وهذه مسائل لا يمكن حسمها من تجربة واحدة.

هل يمكن اعتبار تجربة ألاسكا نجاحاً علمياً نهائياً؟

ليس بعد.

هناك فرق كبير بين إظهار مؤشرات قوية على حدوث تأثير فيزيائي بعد التلقيح وبين إثبات أن التقنية تستطيع زيادة كمية الهطول بصورة موثوقة وقابلة للتكرار في ظروف مختلفة.

تجربة ألاسكا مهمة لأنها استخدمت طائرات مسيّرة ورادارات وبيانات جوية ونماذج لتقدير الهطول، وقدمت نتيجة كمية واضحة.

لكن التقرير الحالي صادر عن الشركة نفسها ولم يخضع بعد، وفق المعلومات المتاحة، إلى مراجعة علمية محكّمة مستقلة.

لذلك فإن الخطوة الأهم الآن ستكون تكرار التجربة في عدد أكبر من الحالات، ويفضل أن تكون بتصميم تجريبي يسمح بالمقارنة بين مناطق أو سحب ملقحة وغير ملقحة، مع قياسات مستقلة للهطول.

المصادر

  • شركة Rainmaker Technology – التقرير التفصيلي لتجربة شبه جزيرة كيناي في ألاسكا.
  • Rainmaker Technology – النتائج الأولية لحملة ألاسكا.
  • Alaska Story – تفاصيل مستقلة عن الرحلات وكمية يوديد الفضة وتحليل الرادار وحدود التحقق.
  • NOAA – وثائق ودراسات حول تعديل الطقس والاستمطار وزيادة الهطول.
  • NOAA – أرشيف ومراجع علمية حول استمطار السحب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى