دراسات مناخية

الخُثّ الأفريقي.. مخزون كربوني هائل قد لا تظهره الخرائط الحالية بالكامل

دراسات علمية تكشف اتساع فجوة المعرفة حول الأراضي الخُثّية في أفريقيا، فيما يبرز حوض الكونغو كواحد من أكبر خزانات الكربون العضوي على سطح الأرض

لا تقتصر مخاطر تغير المناخ على ارتفاع درجات الحرارة أو تزايد موجات الجفاف والفيضانات، بل تمتد أيضاً إلى الأنظمة البيئية التي تخزن كميات هائلة من الكربون بعيداً عن الغلاف الجوي. ومن بين أهم هذه الأنظمة أراضي الخُثّ الرطبة، التي تتكون عندما تتراكم بقايا النباتات في بيئات مشبعة بالمياه تحدّ من تحلل المواد العضوية، فتحتفظ بكميات كبيرة من الكربون لقرون وآلاف السنين.

وفي أفريقيا، تشير الأبحاث الحديثة إلى أن حجم هذه المخزونات وأماكن توزعها لا يزالان يحملان درجة ملحوظة من عدم اليقين، خصوصاً في المناطق الاستوائية الرطبة وحوض الكونغو. ولا تعني هذه الفجوة بالضرورة وجود «قارة خُثية مجهولة» بالكامل، لكنها تعكس أن الخرائط العالمية لا تزال بحاجة إلى المزيد من القياسات الميدانية والاستشعار عن بعد والنمذجة الدقيقة لتحديد امتداد هذه النظم البيئية وعمق الخُث وكثافة الكربون المخزن فيها.

اكتشاف غيّر فهم العلماء للخُثّ الأفريقي

كان الاعتقاد السائد لفترة طويلة أن أراضي الخُثّ الاستوائية واسعة النطاق تتركز بصورة أساسية في جنوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية، بينما كانت المعلومات المتوافرة عن أفريقيا محدودة.

لكن دراسة نشرت في مجلة Nature عام 2017 أحدثت تحولاً كبيراً في فهم العلماء لهذه المسألة، بعدما كشفت عن وجود مجمع ضخم من أراضي الخُثّ في منخفض «كفيت سنترال» في حوض الكونغو، يمتد عبر أجزاء من جمهورية الكونغو وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وقدّر الباحثون آنذاك مساحة مجمع الخُثّ بنحو 145 ألف كيلومتر مربع، مع مخزون كربوني تحت سطح الأرض يقدّر بنحو 30.6 بيتاغرام من الكربون، أي أكثر من 30 مليار طن من الكربون. ورفعت هذه النتائج بصورة كبيرة تقديرات مخزونات الخُثّ الاستوائي على المستوى العالمي.

لكن الدراسات اللاحقة، التي اعتمدت على عمليات مسح ميدانية أوسع، حسّنت هذه التقديرات.

167 ألف كيلومتر مربع من الخُثّ في قلب أفريقيا

في دراسة نشرت في Nature Geoscience عام 2022، استخدم فريق دولي من الباحثين بيانات ميدانية واسعة من جمهورية الكونغو وجمهورية الكونغو الديمقراطية، بما في ذلك مناطق لم تكن ممثلة بشكل كافٍ في عمليات المسح السابقة.

وأظهرت النتائج أن مجمع أراضي الخُثّ في وسط حوض الكونغو يمتد على نحو 167,600 كيلومتر مربع، وهو ما يعادل حوالي 36% من مساحة الخُثّ الاستوائي العالمي وفق تقديرات الدراسة.

وقدّر الباحثون كمية الكربون المخزن تحت سطح الأرض في هذه المنطقة بنحو 29 بيتاغراماً من الكربون، مع نطاق ثقة يبلغ 26.3 إلى 32.2 بيتاغرام. كما بلغ متوسط سماكة طبقة الخُث نحو 1.7 متر، بينما وصلت السماكة القصوى المقاسة إلى حوالي 5.6 أمتار في بعض المواقع.

وتكشف هذه النتائج أهمية العمل الميداني إلى جانب صور الأقمار الصناعية، لأن وجود المياه والغطاء النباتي الكثيف والتضاريس المعقدة يجعل تحديد طبيعة التربة وعمق طبقات الخُث من الفضاء وحده أمراً صعباً.

لماذا لا تزال الخرائط غير مكتملة؟

تواجه عملية رسم خرائط الخُث عالمياً مشكلة أساسية تتمثل في اختلاف جودة البيانات بين المناطق.

وتعتمد الخرائط العالمية على مزيج من عمليات المسح الميداني وبيانات التربة والاستشعار عن بعد والنماذج المناخية والطبوغرافية. إلا أن البيانات الميدانية تظل محدودة في مناطق واسعة من أفريقيا، مقارنة بمناطق أخرى تمتلك سجلات طويلة من قياسات التربة وعمق الخُث.

وفي دراسة عالمية منشورة في دورية Catena عام 2025، استخدم الباحثون نحو 27 ألف نقطة بيانات لتطوير نماذج رقمية لسماكة الخُث، إضافة إلى آلاف القياسات المتعلقة بالكثافة ومحتوى الكربون.

وأظهرت الدراسة أن نماذج سماكة الخُث حققت أفضل أداء نسبي لها في المناطق الأفريقية، لكنها أكدت في الوقت نفسه وجود تفاوت كبير في جودة البيانات بين المناطق، وهو ما يوضح استمرار الحاجة إلى مزيد من القياسات الميدانية. وقدّر النموذج العالمي مخزون الكربون في أراضي الخُث بنحو 942 ± 312 بيتاغراماً من الكربون، مع مساحة عالمية مقدرة بنحو 6.75 مليون كيلومتر مربع.

وبالتالي، فإن الحديث عن «مخزونات كربونية غير مكتشفة بالكامل» يجب فهمه باعتباره فجوة في دقة الخرائط والتقديرات أكثر من كونه إعلاناً عن اكتشاف قارة جديدة من أراضي الخُث.

أفريقيا تمتلك مخزونات كربونية أكبر مما توحي به بعض الخرائط

تكمن أهمية الخُثّ في أن المادة العضوية التي تتراكم فيه لا تتحلل بالسرعة نفسها التي تتحلل بها النباتات في التربة جيدة التهوية.

فعندما تبقى التربة مشبعة بالمياه، تنخفض كمية الأكسجين المتاحة للكائنات الدقيقة المسؤولة عن تحليل المواد العضوية، ما يسمح بتراكمها تدريجياً على مدى آلاف السنين.

ولهذا السبب، يمكن لمساحات محدودة نسبياً من أراضي الخُثّ أن تحتوي على كميات ضخمة من الكربون.

وتشير الأمم المتحدة للبيئة إلى أن أراضي الخُثّ لا تغطي سوى نسبة صغيرة من مساحة اليابسة العالمية، لكنها تخزن كمية هائلة من الكربون، كما تؤدي وظائف مهمة في تنظيم المياه ودعم التنوع الحيوي. وعندما تتعرض هذه النظم للتجفيف أو التدهور، يمكن أن يتحول الكربون المخزن فيها من مستودع طويل الأمد إلى مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة.

الخطر لا يأتي من إزالة الغابات فقط

قد يكون النظر إلى حوض الكونغو باعتباره غابة استوائية فقط تقليلاً من أهمية النظام البيئي الموجود تحته.

فطبقات الخُثّ تمتد تحت أجزاء واسعة من الغابات والمستنقعات، ويعتمد استقرارها على استمرار الظروف الهيدرولوجية التي تحافظ على تشبع التربة بالمياه.

وعندما يتم إنشاء قنوات لتصريف المياه أو تحويل الأراضي إلى زراعة أو تنفيذ مشاريع بنية تحتية تؤثر في حركة المياه الجوفية والسطحية، يمكن أن تنخفض مستويات المياه داخل الخُثّ.

وعند تعرض الخُث للهواء، تتسارع عملية تحلل المادة العضوية، ما يؤدي إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون، ويمكن أن تتغير أيضاً ديناميكيات غازات الدفيئة الأخرى.

ولهذا السبب، فإن حماية الخُثّ لا تعني فقط حماية منطقة رطبة، بل تعني المحافظة على مخزون كربوني تراكم على مدى آلاف السنين.

مفاجأة جديدة في 2026: الكربون القديم يغادر الخُثّ عبر المياه

أضافت دراسة حديثة نشرت في Nature Geoscience في فبراير/شباط 2026 بعداً جديداً لهذه القضية.

فقد درس فريق من الباحثين بحيرتي ماي ندومبي وتومبا في حوض الكونغو، ووجد أن جزءاً مهماً من الكربون غير العضوي الذائب في مياههما يعود إلى كربون قديم مصدره أراضي الخُثّ المحيطة.

وأظهرت تحاليل النظائر المشعة أن عمر جزء من هذا الكربون يتراوح تقريباً بين 2170 و3515 عاماً، وأن نحو 39–40% من الكربون غير العضوي الذائب في العينات المدروسة يعود إلى الخُثّ المحيط. وهذا يشير إلى وجود مسار طبيعي تنتقل من خلاله كميات من الكربون القديم المخزن في الخُثّ إلى الأنظمة المائية ثم إلى الغلاف الجوي.

ولا تعني هذه النتيجة أن حوض الكونغو أصبح مصدراً صافياً للكربون، ولا تثبت أن جميع أراضي الخُثّ ستتحول إلى مصادر للانبعاثات. لكنها تكشف أن الكربون القديم المخزن في هذه النظم ليس معزولاً تماماً عن الدورة الحديثة للكربون، وأن فهم حركة المياه داخل أراضي الخُثّ أصبح جزءاً أساسياً من تقييم دورها المناخي.

الجفاف وتغير المناخ.. اختبار لمستقبل المخزون الكربوني

تزداد المخاوف عندما تتزامن حماية الخُثّ مع التغيرات المناخية التي يمكن أن تؤثر في نظامه المائي.

وأظهرت دراسة في Nature أن تاريخ الخُثّ في وسط حوض الكونغو يتضمن مراحل من تراكم الكربون وفقدانه ارتبطت بالتغيرات في الظروف الهيدرولوجية والمناخية. وتشير النتائج إلى أن استقرار هذه المخزونات يمكن أن يتأثر عندما تصل المنطقة إلى مستويات معينة من الجفاف.

وهذا يخلق حلقة محتملة مثيرة للقلق:
ارتفاع الحرارة وتغير أنماط الهطول → تغير النظام المائي → زيادة تعرض الخُثّ للأكسجين والتحلل → فقدان جزء من الكربون المخزن → زيادة انبعاثات غازات الدفيئة.

ولهذا السبب، لا يمكن فصل حماية الخُثّ عن سياسات التكيف مع تغير المناخ وإدارة المياه.

ثروة مناخية تحتاج إلى خرائط أدق

توضح التجربة الأفريقية أن الخرائط ليست مجرد أدوات جغرافية، بل يمكن أن تصبح أدوات أساسية للسياسة المناخية.

فمعرفة مكان الخُثّ وعمقه ومخزون الكربون فيه يمكن أن تؤثر مباشرة في قرارات تخص الزراعة والتعدين والطرق والمشاريع العمرانية والبنية التحتية.

كما يمكن أن تساعد الخرائط الدقيقة في تحديد المناطق التي ينبغي إعطاؤها أولوية للحماية أو إعادة التأهيل، وتحسين تقديرات انبعاثات استخدام الأراضي، ورفع دقة الحسابات الوطنية المتعلقة بالكربون.

وفي هذا السياق، يمثل حوض الكونغو مثالاً واضحاً على ما يمكن أن تكشفه التقنيات الحديثة عندما تُدمج صور الأقمار الصناعية مع القياسات الميدانية والنماذج الحاسوبية.

الخلاصة

لا تشير الأدلة العلمية المتاحة إلى أن العلماء اكتشفوا بالفعل «مساحات هائلة جديدة من الخُثّ في أفريقيا» يمكن تحديد مساحتها بدقة حتى الآن، وإنما تكشف عن حقيقة أكثر أهمية: المعرفة العلمية بتوزيع أراضي الخُثّ الأفريقية ومخزوناتها الكربونية لا تزال غير مكتملة، وقد تتغير التقديرات مع تحسن الخرائط والقياسات الميدانية.

وقد أثبت حوض الكونغو بالفعل أن أفريقيا تحتوي على أحد أكبر مخازن الخُثّ الاستوائي في العالم، بما يقارب 167,600 كيلومتر مربع و29 بيتاغراماً من الكربون وفق أحدث القياسات الميدانية واسعة النطاق المنشورة للمنطقة.

والتحدي الآن لا يتمثل فقط في اكتشاف هذه المخزونات، بل في الحفاظ على الظروف المائية التي أبقت الكربون محبوساً لآلاف السنين.

فإذا بقيت الأراضي الخُثّية رطبة ومستقرة، يمكن أن تظل خزانات طويلة الأمد للكربون. أما إذا جُففت أو تدهورت أو تغير نظامها المائي بصورة كبيرة، فقد يتحول جزء من هذا المخزون القديم إلى مصدر لانبعاثات جديدة.

وفي عالم يبحث عن كل وسيلة ممكنة للحد من تراكم غازات الدفيئة، قد تكون حماية الكربون الموجود بالفعل تحت أقدامنا واحدة من أكثر أدوات المناخ أهمية، وأقلها تقديراً.

تشير أبحاث حديثة إلى أن أفريقيا قد تضم مساحات واسعة من أراضي “الخُثّ الرطبة” غير المكتشفة أو غير المدرجة بالكامل في الخرائط الحالية، ما يعني أن القارة تمتلك مخزونات كربونية أكبر مما تشير إليه التقديرات الحالية. وتعد أراضي الخُثّ خزانات طبيعية ضخمة للكربون، إذ تتراكم فيها بقايا النباتات في بيئة مشبعة بالمياه، ما يحدّ من تحللها ويُبقي الكربون محبوساً في التربة لآلاف السنين، بحسب تقرير لوكالة “بلومبرغ”. مخاوف بيئية  وقال التقرير، إن اكتشاف مساحات إضافية من أراضي الخُثّ قد يعني أن أفريقيا تؤدي دوراً أكبر في امتصاص وتخزين الكربون مما تشير إليه التقديرات الحالية، وبالتالي قد تحتاج الحسابات العالمية لمخزونات الكربون إلى مراجعة. وأوضح التقرير أن أهمية هذه المناطق لا تقتصر على امتصاص الكربون، فهي أيضاً أنظمة بيئية غنية بالمياه والتنوع الحيوي، وتدعم حياة المجتمعات المحلية والحيوانات والنباتات. وأشار التقرير إلى أن الخطورة تكمن في أن تجفيف أراضي الخُث أو تحويلها للزراعة أو استغلالها في مشاريع التنمية يمكن أن يطلق الكربون المخزن فيها إلى الغلاف الجوي، محولاً إياها من مخزن للكربون إلى مصدر للانبعاثات. لذلك فإن تحديد مواقع هذه الأراضي ورسم خرائط دقيقة لها يصبح خطوة أساسية قبل اتخاذ قرارات تتعلق بالزراعة أو التعدين أو البنية التحتية أو استغلال الأراضي. ثروة مناخية هائلة وتفتح المسألة باباً أمام تمويل المناخ وحماية الطبيعة في أفريقيا؛ فالحفاظ على هذه المخزونات الكربونية قد يمنح الدول الأفريقية قيمة اقتصادية ومناخية إضافية في الأسواق والبرامج الدولية الخاصة بالكربون. والأهم أن هذه النتائج تعكس حجم ما لا يزال مجهولاً عن النظم البيئية الأفريقية: فالقارة قد تمتلك مخزونات طبيعية هائلة للكربون لا تظهر بالكامل في التقديرات الحالية. وخلص التقرير إلى أنه قد تكون تحت الأراضي الرطبة الأفريقية “ثروة مناخية” هائلة؛ واكتشافها وحمايتها يمكن أن يعززا دور القارة في مواجهة تغير المناخ، بينما يؤدي تدميرها إلى إطلاق كميات كبيرة من الكربون المخزن منذ آلاف السنين. مقال او ورقة بحث علمي من مصادر موثوقة صالحة للنشر على الموقع

نعم. لكن بعد مراجعة الدراسات العلمية، هناك نقطة مهمة قبل النشر: العبارة القائلة إن «أفريقيا اكتشفت حديثاً مساحات واسعة من أراضي الخُث غير المدرجة بالكامل» تحتاج إلى صياغة أكثر دقة. الأدلة الأقوى لا تثبت حتى الآن أن هناك مساحة قارية محددة من الخُث لم تكن معروفة، لكنها تُظهر بوضوح أن توزيع أراضي الخُث في أفريقيا ما زال غير مكتمل الرصد، وأن تقديرات المساحة والكربون تحمل هامشاً من عدم اليقين. وهذا مدعوم بأبحاث رسم الخرائط الحديثة، وبشكل خاص في حوض الكونغو. كما ظهرت في 2026 نتائج جديدة تشير إلى أن جزءاً من الكربون القديم المخزن في خُث الكونغو يمكن أن يدخل الدورة الجوية عبر الأنظمة المائية.

وهذه صياغة علمية أقوى وأكثر ملاءمة للنشر على المركز السوري للطقس والمناخ:

الخُثّ الأفريقي.. مخزون كربوني هائل قد لا تظهره الخرائط الحالية بالكامل

دراسات علمية تكشف اتساع فجوة المعرفة حول الأراضي الخُثّية في أفريقيا، فيما يبرز حوض الكونغو كواحد من أكبر خزانات الكربون العضوي على سطح الأرض

لا تقتصر مخاطر تغير المناخ على ارتفاع درجات الحرارة أو تزايد موجات الجفاف والفيضانات، بل تمتد أيضاً إلى الأنظمة البيئية التي تخزن كميات هائلة من الكربون بعيداً عن الغلاف الجوي. ومن بين أهم هذه الأنظمة أراضي الخُثّ الرطبة، التي تتكون عندما تتراكم بقايا النباتات في بيئات مشبعة بالمياه تحدّ من تحلل المواد العضوية، فتحتفظ بكميات كبيرة من الكربون لقرون وآلاف السنين.

وفي أفريقيا، تشير الأبحاث الحديثة إلى أن حجم هذه المخزونات وأماكن توزعها لا يزالان يحملان درجة ملحوظة من عدم اليقين، خصوصاً في المناطق الاستوائية الرطبة وحوض الكونغو. ولا تعني هذه الفجوة بالضرورة وجود «قارة خُثية مجهولة» بالكامل، لكنها تعكس أن الخرائط العالمية لا تزال بحاجة إلى المزيد من القياسات الميدانية والاستشعار عن بعد والنمذجة الدقيقة لتحديد امتداد هذه النظم البيئية وعمق الخُث وكثافة الكربون المخزن فيها.

اكتشاف غيّر فهم العلماء للخُثّ الأفريقي

كان الاعتقاد السائد لفترة طويلة أن أراضي الخُثّ الاستوائية واسعة النطاق تتركز بصورة أساسية في جنوب شرق آسيا وأمريكا الجنوبية، بينما كانت المعلومات المتوافرة عن أفريقيا محدودة.

لكن دراسة نشرت في مجلة Nature عام 2017 أحدثت تحولاً كبيراً في فهم العلماء لهذه المسألة، بعدما كشفت عن وجود مجمع ضخم من أراضي الخُثّ في منخفض «كفيت سنترال» في حوض الكونغو، يمتد عبر أجزاء من جمهورية الكونغو وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وقدّر الباحثون آنذاك مساحة مجمع الخُثّ بنحو 145 ألف كيلومتر مربع، مع مخزون كربوني تحت سطح الأرض يقدّر بنحو 30.6 بيتاغرام من الكربون، أي أكثر من 30 مليار طن من الكربون. ورفعت هذه النتائج بصورة كبيرة تقديرات مخزونات الخُثّ الاستوائي على المستوى العالمي.

لكن الدراسات اللاحقة، التي اعتمدت على عمليات مسح ميدانية أوسع، حسّنت هذه التقديرات.

167 ألف كيلومتر مربع من الخُثّ في قلب أفريقيا

في دراسة نشرت في Nature Geoscience عام 2022، استخدم فريق دولي من الباحثين بيانات ميدانية واسعة من جمهورية الكونغو وجمهورية الكونغو الديمقراطية، بما في ذلك مناطق لم تكن ممثلة بشكل كافٍ في عمليات المسح السابقة.

وأظهرت النتائج أن مجمع أراضي الخُثّ في وسط حوض الكونغو يمتد على نحو 167,600 كيلومتر مربع، وهو ما يعادل حوالي 36% من مساحة الخُثّ الاستوائي العالمي وفق تقديرات الدراسة.

وقدّر الباحثون كمية الكربون المخزن تحت سطح الأرض في هذه المنطقة بنحو 29 بيتاغراماً من الكربون، مع نطاق ثقة يبلغ 26.3 إلى 32.2 بيتاغرام. كما بلغ متوسط سماكة طبقة الخُث نحو 1.7 متر، بينما وصلت السماكة القصوى المقاسة إلى حوالي 5.6 أمتار في بعض المواقع.

وتكشف هذه النتائج أهمية العمل الميداني إلى جانب صور الأقمار الصناعية، لأن وجود المياه والغطاء النباتي الكثيف والتضاريس المعقدة يجعل تحديد طبيعة التربة وعمق طبقات الخُث من الفضاء وحده أمراً صعباً.

لماذا لا تزال الخرائط غير مكتملة؟

تواجه عملية رسم خرائط الخُث عالمياً مشكلة أساسية تتمثل في اختلاف جودة البيانات بين المناطق.

وتعتمد الخرائط العالمية على مزيج من عمليات المسح الميداني وبيانات التربة والاستشعار عن بعد والنماذج المناخية والطبوغرافية. إلا أن البيانات الميدانية تظل محدودة في مناطق واسعة من أفريقيا، مقارنة بمناطق أخرى تمتلك سجلات طويلة من قياسات التربة وعمق الخُث.

وفي دراسة عالمية منشورة في دورية Catena عام 2025، استخدم الباحثون نحو 27 ألف نقطة بيانات لتطوير نماذج رقمية لسماكة الخُث، إضافة إلى آلاف القياسات المتعلقة بالكثافة ومحتوى الكربون.

وأظهرت الدراسة أن نماذج سماكة الخُث حققت أفضل أداء نسبي لها في المناطق الأفريقية، لكنها أكدت في الوقت نفسه وجود تفاوت كبير في جودة البيانات بين المناطق، وهو ما يوضح استمرار الحاجة إلى مزيد من القياسات الميدانية. وقدّر النموذج العالمي مخزون الكربون في أراضي الخُث بنحو 942 ± 312 بيتاغراماً من الكربون، مع مساحة عالمية مقدرة بنحو 6.75 مليون كيلومتر مربع.

وبالتالي، فإن الحديث عن «مخزونات كربونية غير مكتشفة بالكامل» يجب فهمه باعتباره فجوة في دقة الخرائط والتقديرات أكثر من كونه إعلاناً عن اكتشاف قارة جديدة من أراضي الخُث.

أفريقيا تمتلك مخزونات كربونية أكبر مما توحي به بعض الخرائط

تكمن أهمية الخُثّ في أن المادة العضوية التي تتراكم فيه لا تتحلل بالسرعة نفسها التي تتحلل بها النباتات في التربة جيدة التهوية.

فعندما تبقى التربة مشبعة بالمياه، تنخفض كمية الأكسجين المتاحة للكائنات الدقيقة المسؤولة عن تحليل المواد العضوية، ما يسمح بتراكمها تدريجياً على مدى آلاف السنين.

ولهذا السبب، يمكن لمساحات محدودة نسبياً من أراضي الخُثّ أن تحتوي على كميات ضخمة من الكربون.

وتشير الأمم المتحدة للبيئة إلى أن أراضي الخُثّ لا تغطي سوى نسبة صغيرة من مساحة اليابسة العالمية، لكنها تخزن كمية هائلة من الكربون، كما تؤدي وظائف مهمة في تنظيم المياه ودعم التنوع الحيوي. وعندما تتعرض هذه النظم للتجفيف أو التدهور، يمكن أن يتحول الكربون المخزن فيها من مستودع طويل الأمد إلى مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة.

الخطر لا يأتي من إزالة الغابات فقط

قد يكون النظر إلى حوض الكونغو باعتباره غابة استوائية فقط تقليلاً من أهمية النظام البيئي الموجود تحته.

فطبقات الخُثّ تمتد تحت أجزاء واسعة من الغابات والمستنقعات، ويعتمد استقرارها على استمرار الظروف الهيدرولوجية التي تحافظ على تشبع التربة بالمياه.

وعندما يتم إنشاء قنوات لتصريف المياه أو تحويل الأراضي إلى زراعة أو تنفيذ مشاريع بنية تحتية تؤثر في حركة المياه الجوفية والسطحية، يمكن أن تنخفض مستويات المياه داخل الخُثّ.

وعند تعرض الخُث للهواء، تتسارع عملية تحلل المادة العضوية، ما يؤدي إلى إطلاق ثاني أكسيد الكربون، ويمكن أن تتغير أيضاً ديناميكيات غازات الدفيئة الأخرى.

ولهذا السبب، فإن حماية الخُثّ لا تعني فقط حماية منطقة رطبة، بل تعني المحافظة على مخزون كربوني تراكم على مدى آلاف السنين.

مفاجأة جديدة في 2026: الكربون القديم يغادر الخُثّ عبر المياه

أضافت دراسة حديثة نشرت في Nature Geoscience في فبراير/شباط 2026 بعداً جديداً لهذه القضية.

فقد درس فريق من الباحثين بحيرتي ماي ندومبي وتومبا في حوض الكونغو، ووجد أن جزءاً مهماً من الكربون غير العضوي الذائب في مياههما يعود إلى كربون قديم مصدره أراضي الخُثّ المحيطة.

وأظهرت تحاليل النظائر المشعة أن عمر جزء من هذا الكربون يتراوح تقريباً بين 2170 و3515 عاماً، وأن نحو 39–40% من الكربون غير العضوي الذائب في العينات المدروسة يعود إلى الخُثّ المحيط. وهذا يشير إلى وجود مسار طبيعي تنتقل من خلاله كميات من الكربون القديم المخزن في الخُثّ إلى الأنظمة المائية ثم إلى الغلاف الجوي.

ولا تعني هذه النتيجة أن حوض الكونغو أصبح مصدراً صافياً للكربون، ولا تثبت أن جميع أراضي الخُثّ ستتحول إلى مصادر للانبعاثات. لكنها تكشف أن الكربون القديم المخزن في هذه النظم ليس معزولاً تماماً عن الدورة الحديثة للكربون، وأن فهم حركة المياه داخل أراضي الخُثّ أصبح جزءاً أساسياً من تقييم دورها المناخي.

الجفاف وتغير المناخ.. اختبار لمستقبل المخزون الكربوني

تزداد المخاوف عندما تتزامن حماية الخُثّ مع التغيرات المناخية التي يمكن أن تؤثر في نظامه المائي.

وأظهرت دراسة في Nature أن تاريخ الخُثّ في وسط حوض الكونغو يتضمن مراحل من تراكم الكربون وفقدانه ارتبطت بالتغيرات في الظروف الهيدرولوجية والمناخية. وتشير النتائج إلى أن استقرار هذه المخزونات يمكن أن يتأثر عندما تصل المنطقة إلى مستويات معينة من الجفاف.

وهذا يخلق حلقة محتملة مثيرة للقلق:
ارتفاع الحرارة وتغير أنماط الهطول → تغير النظام المائي → زيادة تعرض الخُثّ للأكسجين والتحلل → فقدان جزء من الكربون المخزن → زيادة انبعاثات غازات الدفيئة.

ولهذا السبب، لا يمكن فصل حماية الخُثّ عن سياسات التكيف مع تغير المناخ وإدارة المياه.

ثروة مناخية تحتاج إلى خرائط أدق

توضح التجربة الأفريقية أن الخرائط ليست مجرد أدوات جغرافية، بل يمكن أن تصبح أدوات أساسية للسياسة المناخية.

فمعرفة مكان الخُثّ وعمقه ومخزون الكربون فيه يمكن أن تؤثر مباشرة في قرارات تخص الزراعة والتعدين والطرق والمشاريع العمرانية والبنية التحتية.

كما يمكن أن تساعد الخرائط الدقيقة في تحديد المناطق التي ينبغي إعطاؤها أولوية للحماية أو إعادة التأهيل، وتحسين تقديرات انبعاثات استخدام الأراضي، ورفع دقة الحسابات الوطنية المتعلقة بالكربون.

وفي هذا السياق، يمثل حوض الكونغو مثالاً واضحاً على ما يمكن أن تكشفه التقنيات الحديثة عندما تُدمج صور الأقمار الصناعية مع القياسات الميدانية والنماذج الحاسوبية.

الخلاصة

لا تشير الأدلة العلمية المتاحة إلى أن العلماء اكتشفوا بالفعل «مساحات هائلة جديدة من الخُثّ في أفريقيا» يمكن تحديد مساحتها بدقة حتى الآن، وإنما تكشف عن حقيقة أكثر أهمية: المعرفة العلمية بتوزيع أراضي الخُثّ الأفريقية ومخزوناتها الكربونية لا تزال غير مكتملة، وقد تتغير التقديرات مع تحسن الخرائط والقياسات الميدانية.

وقد أثبت حوض الكونغو بالفعل أن أفريقيا تحتوي على أحد أكبر مخازن الخُثّ الاستوائي في العالم، بما يقارب 167,600 كيلومتر مربع و29 بيتاغراماً من الكربون وفق أحدث القياسات الميدانية واسعة النطاق المنشورة للمنطقة.

والتحدي الآن لا يتمثل فقط في اكتشاف هذه المخزونات، بل في الحفاظ على الظروف المائية التي أبقت الكربون محبوساً لآلاف السنين.

فإذا بقيت الأراضي الخُثّية رطبة ومستقرة، يمكن أن تظل خزانات طويلة الأمد للكربون. أما إذا جُففت أو تدهورت أو تغير نظامها المائي بصورة كبيرة، فقد يتحول جزء من هذا المخزون القديم إلى مصدر لانبعاثات جديدة.

وفي عالم يبحث عن كل وسيلة ممكنة للحد من تراكم غازات الدفيئة، قد تكون حماية الكربون الموجود بالفعل تحت أقدامنا واحدة من أكثر أدوات المناخ أهمية، وأقلها تقديراً.

المصادر العلمية الأساسية

  • Nature (2017): دراسة اكتشاف وتقدير مجمع الخُثّ في وسط حوض الكونغو.
  • Nature Geoscience (2022): رسم سماكة الخُثّ ومخزون الكربون اعتماداً على القياسات الميدانية، وقدّرت المساحة بـ167,600 كم² ومخزون الكربون بـ29 PgC.
  • Nature (2022): بحث في هشاشة كربون خُثّ الكونغو أمام التغيرات الهيدرولوجية والمناخية.
  • Nature Geoscience (2026): دراسة حديثة حول انتقال الكربون القديم من خُثّ حوض الكونغو إلى البحيرات وانبعاثه إلى الغلاف الجوي.
  • Catena (2025): دراسة عالمية حديثة لرسم سماكة الخُثّ ومخزون الكربون باستخدام النمذجة الرقمية والتعلم الآلي.
  • UNEP (2025): خلفية علمية حول أهمية أراضي الخُثّ في تخزين الكربون والمياه والتنوع الحيوي.
  • Royal Society (2025): اجتماع علمي متخصص حول قيمة وهشاشة أراضي الخُثّ الاستوائية الأفريقية، ويؤكد أن فهم الخُثّ الأفريقي توسع بصورة كبيرة منذ اكتشاف مجمع الكونغو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى