دراسات مناخية

دراسة جديدة: تغير المناخ جعل موجات الحر القاتلة أكثر احتمالًا في جنوب أوروبا بأكثر من 26 مرة

دراسة نُشرت في Nature Health تكشف ارتفاعًا كبيرًا في احتمال تكرار أحداث الحرارة المميتة المشابهة لصيف 2022، مع تسجيل أعلى زيادة في جنوب أوروبا

كشفت دراسة علمية جديدة نُشرت في مجلة Nature Health أن تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري أدى إلى زيادة كبيرة في احتمال حدوث موجات حر شديدة مرتبطة بارتفاع الوفيات في أوروبا، وكانت الزيادة الأكثر وضوحًا في جنوب القارة.

وبحسب الدراسة المنشورة في 7 سبتمبر/أيلول 2026، أصبحت الأحداث الحرارية المميتة المشابهة لما شهدته أوروبا خلال صيف عام 2022 أكثر احتمالًا في جنوب أوروبا بنحو 26.5 مرة مقارنة بالمناخ الذي كان سائدًا قبل الثورة الصناعية. ويعادل ذلك تقريبًا عشرة أضعاف متوسط الزيادة المقدرة على مستوى أوروبا.

الحرارة لم تعد مجرد ظاهرة جوية

اعتمد الباحثون على منهج جديد يجمع بين إسناد الظواهر المناخية المتطرفة والنماذج الوبائية، بهدف تحديد مقدار تأثير تغير المناخ البشري في احتمال وقوع أحداث حرارية تؤدي إلى ارتفاع استثنائي في الوفيات.

وشملت الدراسة 34 دولة أوروبية، واستفادت من بيانات الوفيات الأسبوعية المتاحة للعامة، إلى جانب بيانات درجات الحرارة من إعادة التحليل المناخي ERA5-Land التابعة للمركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى (ECMWF)، وبيانات تغير متوسط حرارة سطح الأرض من NASA.

وهذه النقطة مهمة علميًا؛ فالدراسة لا تكتفي بإثبات أن درجات الحرارة أصبحت أعلى، بل تحاول تحديد كيف تغير الاحترار العالمي احتمال وقوع حدث حراري شديد تكون له عواقب صحية قاتلة.

جنوب أوروبا في مقدمة مناطق الخطر

أظهرت النتائج تفاوتًا واضحًا بين المناطق الأوروبية، إذ كانت الزيادة في احتمال الأحداث الحرارية المميتة أكبر بكثير في جنوب أوروبا مقارنة بمتوسط القارة.

ويرى الباحثون أن ارتفاع المخاطر لا يحدث بصورة خطية مع ارتفاع درجة حرارة الكوكب، بل يمكن أن تتسارع المخاطر بصورة غير خطية، خصوصًا في جنوب أوروبا. وهذا يعني أن كل زيادة إضافية في الاحترار العالمي يمكن أن ترفع الخطر الصحي بدرجة أكبر في المناطق الأكثر تعرضًا للحرارة.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لمنطقة البحر المتوسط، التي تُعد من المناطق التي تشهد أصلًا ارتفاعًا في مخاطر الحرارة الشديدة والجفاف والحرائق وتراجع الموارد المائية.

لماذا أصبحت موجات الحر أكثر خطورة؟

ارتفاع درجات الحرارة لا يعني فقط تسجيل أرقام قياسية جديدة على مقياس الحرارة.

فعندما تستمر الحرارة المرتفعة لعدة أيام، يمكن أن تتراكم آثارها على الجسم، ولا سيما لدى كبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة والعاملين في الهواء الطلق والسكان الذين لا يمتلكون وسائل تبريد كافية.

كما أن استمرار الحرارة خلال الليل يمثل عاملًا مهمًا؛ إذ تقل قدرة الجسم على التعافي من الإجهاد الحراري عندما تبقى درجات الحرارة مرتفعة لفترات طويلة.

وتشير الدراسة إلى وجود فروقات إقليمية وديموغرافية كبيرة في قابلية السكان للتأثر بالحرارة، وهو ما يعني أن درجة الحرارة نفسها قد تنتج آثارًا صحية مختلفة من منطقة إلى أخرى تبعًا للتركيبة السكانية ومستوى التكيف والبنية الصحية والظروف الاجتماعية.

الاحترار الإضافي يعني مخاطر أكبر

لم تتوقف الدراسة عند تحليل حدث 2022، بل درست أيضًا كيف تتغير احتمالات الأحداث الحرارية المميتة مع ارتفاع مستوى الاحترار العالمي.

وأظهرت النتائج أن احتمال وقوع هذه الأحداث يزداد مع استمرار الاحترار، مع تسجيل الزيادات الأكبر وغير الخطية في جنوب أوروبا.

وهذا يضيف بعدًا جديدًا إلى النقاش حول الحد من الاحترار العالمي: فخفض درجات الاحترار المستقبلية لا يعني فقط تجنب ارتفاع متوسط درجات الحرارة، بل يمكن أن يعني أيضًا تقليل احتمال الوصول إلى أحداث حرارية ذات تأثير صحي شديد.

من التنبؤ بالحرارة إلى التنبؤ بالخطر

أحد أهم جوانب الدراسة هو أنها تشير إلى إمكانية استخدام بيانات الوفيات شبه الفورية إلى جانب بيانات الطقس والمناخ لإجراء تقييم سريع لتأثير الأحداث الحرارية.

ويرى الباحثون أن هذه الطريقة يمكن أن تساعد مستقبلًا في تطوير أنظمة إنذار مبكر لا تركز فقط على سؤال: كم ستكون درجة الحرارة؟

بل على سؤال أكثر أهمية:

ما حجم الخطر الصحي المتوقع من هذه الحرارة؟

وهذا التحول من التنبؤ بالطقس إلى التنبؤ بالمخاطر يمثل أحد الاتجاهات المهمة في علوم المناخ الحديثة، خصوصًا مع تزايد موجات الحر الشديدة في مناطق مختلفة من العالم.

المصدر العلمي: Beck et al., Nature Health, 7 September 2026، بعنوان Extreme event attribution for heat-related mortality due to anthropogenic climate change across Europe. DOI: 10.1038/s44360-026-00193-z.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى