دراسات مناخية

الهيمالايا تقترب من نقطة تحوّل مائي خطيرة.. ذوبان الجليد يهدد مستقبل المياه في آسيا

تسارع فقدان الجليد يقترب بالمنطقة من «ذروة المياه».. والخطر لا يتعلق بنقص المياه فقط، بل أيضاً بزيادة الفيضانات والانهيارات في المرحلة الانتقالية

تقترب منظومة جبال هندوكوش-هيمالايا، التي تُعرف بأنها أحد أهم «أبراج المياه» في آسيا، من مرحلة حساسة بصورة متزايدة مع تسارع فقدان الكتلة الجليدية وتراجع الثلوج وتدهور التربة الصقيعية.

وتحذر دراسة جديدة أعدتها شركة Systemiq بالتعاون مع Integrated Mountain Initiative وبمساهمات تقنية من المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال ICIMOD ومعهد G.B. Pant National Institute of Himalayan Environment، من أن المنطقة تواجه سلسلة من نقاط التحول المترابطة التي يمكن أن تؤثر في المياه والغذاء والطاقة والبنية التحتية لمئات الملايين من البشر.

ونُشرت النسخة المختصرة من التقرير في سبتمبر 2026، فيما يُنتظر نشر التقرير الكامل في أكتوبر. ولذلك فإن تقييم هذه النتائج يصبح أكثر قوة عند مقارنتها بسلسلة طويلة من الدراسات والرصد العلمي المستقل للأنهار الجليدية في المنطقة.

ليست مجرد «جبال تذوب».. بل نظام مائي يتغير

تكمن أهمية الهيمالايا في أنها لا تخزن المياه على شكل جليد فحسب، بل تنظّم إطلاقها تدريجياً إلى أحواض الأنهار الكبرى في آسيا.

وتخدم منظومة هندوكوش-هيمالايا نحو 1.9 مليار شخص في المناطق الواقعة أعلى وأسفل الجبال، وفق بيانات ICIMOD، بينما يعيش أكثر من 240 مليون شخص داخل منطقة الجبال نفسها.

ولهذا فإن فقدان الجليد لا يعني ببساطة أن المياه ستختفي غداً.

المشكلة أكثر تعقيداً.

في المرحلة الأولى، يؤدي الاحترار إلى تسريع ذوبان الجليد، وبالتالي يمكن أن ترتفع كمية المياه المتدفقة في بعض الأحواض.

لكن عندما يتقلص المخزون الجليدي إلى حد معين، يبدأ مصدر المياه نفسه بالانكماش.

وهنا تظهر ظاهرة تعرف باسم:

«ذروة المياه» — Peak Water

وهي المرحلة التي تصل فيها مساهمة ذوبان الجليد في تصريف الأنهار إلى أقصى مستوى لها، ثم تبدأ بالانخفاض مع استمرار تقلص الأنهار الجليدية.

وتشير تقييمات ICIMOD والدراسات العلمية إلى أن معظم أحواض هندوكوش-هيمالايا قد تصل إلى هذه المرحلة بحلول منتصف القرن تقريباً، مع اختلاف التوقيت من حوض إلى آخر.

وهذه نقطة شديدة الأهمية:

الوصول إلى ذروة المياه لا يعني أن الأنهار ستجف مباشرة، بل يعني أن الاتجاه طويل الأجل لمساهمة الجليد في المياه يبدأ بالتحول من الزيادة إلى التراجع.

تسارع فقدان الجليد أصبح واضحاً

أحدث تقييم إقليمي من ICIMOD في 2026 يقدم واحدة من أقوى الإشارات الحديثة.

فقد وجد أن معدل فقدان الجليد في منطقة هندوكوش-هيمالايا تضاعف منذ عام 2000، بينما تشير سلسلة الرصد الطويلة إلى فقدان يصل إلى 27 متراً من سماكة الجليد منذ عام 1975 في الأنهار الجليدية التي تمت متابعتها.

وتؤكد دراسة أخرى منشورة في Nature Communications أن الأنهار الجليدية في آسيا الجبلية العالية تعاني اختلالاً مستمراً بين تراكم الثلج وفقدان الجليد، وأن جليد الهيمالايا يسير في اتجاه خسارة طويلة الأجل حتى في حال ثبات الظروف المناخية الحالية.

وفي تقييم ICIMOD الأوسع، يمكن أن تصل خسارة حجم الجليد في هندوكوش-هيمالايا إلى 80% بحلول نهاية القرن في سيناريوهات الانبعاثات المرتفعة.

الخطر لا يأتي فقط من نقص المياه

المفارقة المناخية أن تراجع الجليد يمكن أن يؤدي في الوقت نفسه إلى زيادة بعض المخاطر المائية على المدى القصير والمتوسط.

فعندما تتراجع الأنهار الجليدية، تتشكل أو تتوسع البحيرات الجليدية أمامها، وقد تكون محجوزة بسدود طبيعية مكونة من الركام والصخور والجليد.

وفي حالة انهيار هذه السدود يمكن أن تحدث:

  • فيضانات اندفاعية شديدة.
  • انهيارات أرضية.
  • تدفقات طينية وحطامية.
  • تدمير للطرق والجسور.
  • أضرار لمحطات الطاقة الكهرومائية.
  • خسائر في القرى والمناطق الواقعة أسفل الأودية.

وتشير دراسة منشورة في Nature Geoscience إلى أن عدد البحيرات الجليدية الأمامية في منطقة الهيمالايا الكبرى ارتفع 47% بين 2000 و2020، بينما ارتفعت مساحتها بنحو 33% وحجمها بنحو 42%.

وهذا يعني أن الخطر ليس سيناريو افتراضياً للمستقبل فقط، بل أن أحد مكونات الخطر يتزايد بالفعل.

كارثة أغسطس 2026 كانت إنذاراً شديد القوة

في 26 أغسطس 2026، أدى انهيار جليدي في منطقة الحدود بين نيبال والتبت إلى إطلاق كميات هائلة من المياه والركام، تبعتها فيضانات وانهيارات مدمرة في الأودية.

وبحسب أحدث التقارير، تجاوز عدد القتلى 1,300 شخص، بينما بقي أكثر من 5,300 شخص في عداد المفقودين في نيبال ومنطقة التبت الصينية. كما تعرضت منشآت ومشروعات للطاقة الكهرومائية لأضرار بالغة.

لكن من المهم علمياً عدم اختزال هذه الكارثة بالقول إن «الاحتباس الحراري تسبب مباشرة في الانهيار».

الأدق هو أن الاحترار يغير خصائص الجليد والتربة الصقيعية والمنحدرات والبحيرات الجليدية، وبالتالي يزيد هشاشة البيئة الجبلية ويهيئ لارتفاع مخاطر الانهيارات والفيضانات الجليدية.

وهذا فرق مهم بين الارتباط المناخي وإثبات السبب المباشر لحدث واحد.

مشكلة أخرى: المنطقة لا تتم مراقبتها بما يكفي

من أخطر ما كشفه التقرير الجديد أن المراقبة المباشرة للأنهار الجليدية لا تزال محدودة جداً مقارنة بحجم المنطقة.

وتشير النتائج التي أوردها التقرير إلى أن نحو 21 نهراً جليدياً فقط من أصل ما يقدر بنحو 40 ألفاً في منطقة هندوكوش-هيمالايا تخضع للمراقبة الحالية وفق المنهج المشار إليه في التقرير.

وهذه فجوة علمية مهمة.

فمن الصعب بناء نظام إنذار مبكر فعال للفيضانات الجليدية والانهيارات أو تقدير توقيت «ذروة المياه» بدقة عالية من دون شبكة رصد كثيفة تجمع بين:

الأقمار الصناعية + القياسات الأرضية + الرصد الهيدرولوجي + النمذجة المناخية + الإنذار المبكر.

ولهذا أطلقت ICIMOD في أغسطس 2026 استراتيجية إقليمية جديدة للرصد المنسق للجليد والثلوج والتربة الصقيعية في منطقة هندوكوش-هيمالايا.

ماذا سيحدث للأنهار الآسيوية؟

التأثير لن يكون واحداً في كل مكان.

فبعض الأحواض تعتمد بدرجة أكبر على الأمطار الموسمية، بينما تعتمد أخرى بصورة أكبر على الثلوج والجليد.

ولهذا فإن تراجع الجليد لن يؤدي إلى انخفاض موحد وفوري في تدفق جميع الأنهار.

لكن الاتجاه طويل المدى أكثر وضوحاً:

مياه أقل تنظيماً بالجليد + اعتماد أكبر على الأمطار الموسمية + تقلب أكبر في التدفقات = نظام مائي أكثر حساسية للجفاف والفيضانات.

وتشير مراجعة علمية منشورة في Nature Reviews Earth & Environment إلى أن الأحواض ستصبح أكثر اعتماداً على الأمطار مع تقلص الدور التنظيمي للأنهار الجليدية، وهو ما يمكن أن يزيد التعرض لكل من الجفاف والفيضانات.

ماذا يعني ذلك للغذاء والطاقة؟

المياه القادمة من جبال آسيا لا تستخدم للشرب فقط، فهي تدخل في:

الزراعة → الري → إنتاج الغذاء → الطاقة الكهرومائية → الصناعة → المدن → الأنظمة البيئية.

ولهذا فإن تغير توقيت المياه قد يكون مهماً بقدر تغير كميتها.

فإذا وصلت كميات كبيرة من المياه في فترات قصيرة بسبب ذوبان سريع أو أمطار شديدة، ثم انخفضت مساهمة الجليد خلال موسم الجفاف، فقد تواجه بعض المناطق مشكلة مزدوجة فيضانات أكثر في فترة، وشح مياه أكبر في فترة أخرى.

وهذا هو السبب في أن قضية الهيمالايا ليست قضية «ذوبان جليد» فقط، بل قضية أمن مائي وغذائي وطاقة إقليمي.

هل اقتربت الهيمالايا فعلاً من «نقطة اللاعودة»؟

العلم لا يقول إن هناك يوماً محدداً ستصل فيه الهيمالايا إلى نقطة تنهار بعدها بالكامل.

بل توجد عدة عتبات وتغيرات متداخلة:

  1. استمرار فقدان الكتلة الجليدية.
  2. ارتفاع خط الثلج.
  3. تقلص الأنهار الجليدية.
  4. توسع البحيرات الجليدية.
  5. تدهور التربة الصقيعية.
  6. زيادة عدم استقرار المنحدرات.
  7. الوصول التدريجي إلى ذروة المياه في الأحواض.
  8. ثم انخفاض مساهمة الجليد في تدفق الأنهار.

ولهذا فإن عبارة «نقطة تحول حرجة» يجب فهمها كنظام من نقاط التحول المتداخلة، وليس كحدث واحد مفاجئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى