المحيطات تدخل مرحلة استثنائية من الاحترار.. 100 يوم من الأرقام القياسية وإل نينيو يشتد

المركز السوري للطقس والمناخ
لم يعد ارتفاع حرارة المحيطات مجرد اتجاه طويل الأمد يمكن رصده في السجلات المناخية، بل تحوّل خلال الأشهر الأخيرة إلى ظاهرة قياسية متواصلة. فبيانات عام 2026 تظهر أن مياه المحيطات خارج المناطق القطبية حافظت على مستويات حرارة قياسية يومًا بعد يوم، في وقت يتجه فيه المحيط الهادئ الاستوائي إلى واحدة من أقوى حالات إل نينيو التي شهدها العصر الحديث.
وبحسب بيانات خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ، بلغ متوسط درجة حرارة سطح البحر في المنطقة الواقعة بين خطي عرض 60 درجة جنوبًا و60 درجة شمالًا خلال أغسطس/آب 2026 نحو 21.07 درجة مئوية، وهي أعلى قيمة مسجلة لشهر أغسطس منذ بدء السجلات، كما أنها تعادل أعلى متوسط شهري مسجل لأي شهر، والذي تحقق سابقًا في مارس/آذار 2024.
لكن الرقم الأكثر إثارة للاهتمام لا يتعلق بمتوسط شهر كامل.
100 يوم متتالية من الأرقام القياسية
منذ 19 يونيو/حزيران، سجل متوسط درجة حرارة سطح البحر خارج المناطق القطبية أعلى قيمة مسجلة لكل يوم تقويمي، وفق بيانات كوبرنيكوس. وبحساب الفترة حتى أوائل سبتمبر، امتدت هذه السلسلة إلى نحو 100 يوم متواصل من المستويات اليومية القياسية.
وفي 24 و25 أغسطس/آب، وصلت درجة حرارة سطح البحر إلى 21.11 درجة مئوية، لتسجل أعلى قيمة يومية على الإطلاق في هذه السلسلة، متجاوزة الرقم السابق البالغ 21.09 درجة والمسجل في مارس 2024.
وهنا يجب توضيح نقطة مهمة: الحديث عن “100 يوم من الأرقام القياسية” لا يعني أن المحيط سجل الرقم المطلق نفسه كل يوم، بل إن متوسط حرارة سطح البحر كان الأعلى المسجل لذلك اليوم من السنة طوال هذه الفترة.
وهذا التفصيل مهم، لأنه يعكس استمرار الحرارة غير الاعتيادية وليس مجرد قفزة مؤقتة في يوم واحد.
لماذا ترتفع حرارة المحيطات بهذا الشكل؟
السبب الأساسي لا يبدأ من إل نينيو، وإنما من الاحترار العالمي المستمر الناتج عن تراكم غازات الدفيئة في الغلاف الجوي.
فالمحيطات تمتص أكثر من 90% من الحرارة الزائدة المرتبطة بالاحترار العالمي، ولذلك أصبحت المياه البحرية واحدة من أهم المؤشرات على مقدار الطاقة التي يضيفها النشاط البشري إلى النظام المناخي.
وفي عام 2026، جاء عامل إضافي فوق هذا الاحترار طويل الأمد: إل نينيو.
الظاهرة، التي تحدث بصورة طبيعية ضمن دورة المحيط–الغلاف الجوي المعروفة باسم ENSO، تؤدي إلى ارتفاع كبير في حرارة سطح المياه في الجزء الاستوائي من المحيط الهادئ، وتعيد توزيع الحرارة والطاقة والرطوبة في الغلاف الجوي، ما ينعكس على درجات الحرارة وأنماط الطقس في مناطق بعيدة عن المحيط الهادئ.
وبالتالي فإن الصورة الحالية هي نتيجة تداخل عاملين مختلفين: احترار مناخي طويل الأمد سببه النشاط البشري، مع دفعة مؤقتة إضافية يوفرها إل نينيو.
إل نينيو 2026.. هل نتجه إلى حدث تاريخي؟
المؤشرات الحالية ترفع مستوى القلق.
فوفق أحدث توقعات مركز التنبؤ المناخي التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية NOAA، هناك احتمال يتجاوز 90% لأن يصبح إل نينيو قويًا جدًا خلال خريف وشتاء النصف الشمالي 2026–2027.
والأكثر لفتًا أن NOAA تقدر احتمالًا بنحو 75% لأن يصل الحدث خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2026 إلى قوة تاريخية، وربما يتجاوز قوة جميع حالات إل نينيو المسجلة منذ عام 1950.
ولا يعني ذلك أن العالم سيتجه إلى نمط طقس واحد في كل مكان، فاستجابة المناطق لإل نينيو تختلف بحسب موقعها الجغرافي والفصل من السنة وتفاعل الظاهرة مع أنظمة الغلاف الجوي الأخرى.
لكن قوة الحدث المحتملة تعني أن تأثيره على المناخ العالمي قد يكون أكثر وضوحًا خلال الأشهر المقبلة.
المحيطات لا تسجل الحرارة فقط.. بل تحمل تبعاتها
ارتفاع حرارة سطح البحر لا يمثل مشكلة للمحيطات وحدها.
المياه الأكثر دفئًا يمكن أن تزيد الضغط الحراري على النظم البيئية البحرية، وتؤثر في توزيع الأسماك والكائنات البحرية، وتزيد مخاطر ابيضاض الشعاب المرجانية، كما يمكن أن تغير العلاقة بين المحيط والغلاف الجوي.
وفي بعض المناطق، يمكن لارتفاع حرارة المياه أن يزيد من شدة موجات الحر البحرية التي تستمر أيامًا أو أسابيع أو حتى أشهر، مع آثار تمتد إلى مصايد الأسماك والسياحة والأنظمة الساحلية.
وتظهر التأثيرات بالفعل في مناطق مختلفة من العالم، مع تسجيل درجات حرارة بحرية مرتفعة بصورة استثنائية في أجزاء من المحيط الأطلسي والبحر المتوسط ومناطق أخرى. كما حذرت تقارير حديثة من الضغوط المتزايدة على النظم البيئية البحرية مع استمرار الاحترار.
أغسطس 2026.. شهر استثنائي على اليابسة والبحر
ولا يمكن فصل الأرقام البحرية عن الصورة المناخية الأشمل.
فقد بلغ متوسط درجة حرارة الهواء العالمية في أغسطس 2026 نحو 16.96 درجة مئوية، أي أعلى بنحو 1.65 درجة مئوية مقارنة بمستوى ما قبل الثورة الصناعية، ليصبح أغسطس الأكثر حرارة في السجلات، ومتساويًا مع يوليو 2023 كأعلى شهر مسجل عالميًا وفق بيانات كوبرنيكوس.
وفي الوقت نفسه، شهدت مناطق واسعة من العالم صيفًا شديد الحرارة، بينما عانت أجزاء من أوروبا من موجات حر وجفاف استثنائية.
هذه الصورة المتزامنة بين اليابسة والمحيطات مهمة؛ لأنها تشير إلى أن الحرارة القياسية ليست ظاهرة معزولة في منطقة واحدة، وإنما جزء من حالة أوسع في النظام المناخي العالمي.
ماذا يعني ذلك للأشهر المقبلة؟
من السابق لأوانه ربط كل موجة حر أو عاصفة أو حالة جفاف قادمة بإل نينيو وحده. فالطقس المحلي تحدده مجموعة معقدة من العوامل، وقد يؤدي إل نينيو إلى زيادة احتمالات أنماط معينة في منطقة ما، بينما تكون تأثيراته مختلفة تمامًا في منطقة أخرى.
لكن وجود إل نينيو قوي فوق خلفية من الاحترار العالمي يجعل الأشهر المقبلة فترة تستحق المراقبة عن كثب.
وتشير البيانات الحالية إلى احتمال استمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية خلال الفترة المقبلة، فيما يمكن أن تتواصل موجات الحر البحرية وتزداد الضغوط على الأنظمة البيئية والمناطق الساحلية.
بالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وسوريا، فإن إل نينيو وحده لا يكفي لإصدار حكم مسبق على الموسم المطري أو درجات الحرارة. التأثير النهائي يعتمد على تفاعله مع أنظمة أخرى، من بينها وضع المحيط الأطلسي، والبحر المتوسط، وتذبذب شمال الأطلسي، وديناميكيات الغلاف الجوي فوق أوروبا والبحر المتوسط.
ولهذا ستحتاج قراءة موسم خريف وشتاء 2026–2027 في سوريا إلى الجمع بين مؤشرات ENSO وتوقعات النماذج الموسمية، خصوصًا ECMWF وNOAA، بدل الاعتماد على إل نينيو كعامل منفرد.
المحيط يرسل إشارة واضحة
ربما تكون أهم رسالة في أرقام 2026 أن ارتفاع حرارة المحيطات لم يعد يظهر فقط في متوسطات طويلة الأمد، بل أصبح واضحًا في سلسلة متواصلة من الأرقام القياسية اليومية.
نحو 100 يوم من المستويات القياسية، و21.07 درجة مئوية كمتوسط لحرارة سطح البحر في أغسطس، وإل نينيو يتجه نحو مستويات قد تكون تاريخية.
المعادلة الحالية ليست مجرد “إل نينيو قوي”، وليست مجرد استمرار عادي للاحترار العالمي؛ إنها تفاعل بين محيطات أصبحت أكثر دفئًا بفعل الاحترار المناخي، وظاهرة طبيعية دورية تضيف دفعة حرارية جديدة إلى النظام المناخي.
والسؤال الذي ستجيب عنه الأشهر المقبلة ليس ما إذا كان هناك ارتفاع في الحرارة، فهذا أصبح واضحًا بالفعل، وإنما إلى أي مدى ستدفع هذه الظروف الجديدة العالم نحو أرقام قياسية أخرى في درجات الحرارة والظواهر المناخية المتطرفة؟
المصادر العلمية الأساسية
- Copernicus Climate Change Service / ECMWF — بيانات أغسطس 2026 ودرجات حرارة سطح البحر.
- NOAA / National Centers for Environmental Information — مراقبة الحرارة العالمية والمحيطات.
- NOAA Climate Prediction Center — تحديث إل نينيو بتاريخ 10 سبتمبر 2026.
- World Meteorological Organization (WMO) — توقعات تطور إل نينيو وتأثيراته.



