طقس العالم

تونس تحت تأثير اضطراب جوي قوي.. كيف تحولت الأمطار إلى سيول؟ ومتى تنتهي الحالة؟

المركز السوري للطقس والمناخ

هطلت أمطار غزيرة فوق مناطق عدة من تونس وخلال ساعات تتحولت الأمطار إلى مشكلة ميدانية. ففي وقت قصير، تجمعت كميات كبيرة من المياه في عدد من المناطق، وغمرت الطرقات وحاصرت السيارات والمواطنين، بينما اضطرت فرق الحماية المدنية إلى التدخل لإخلاء العالقين وإزاحة المركبات المتوقفة وسط المياه.

وكانت باب عليوة في تونس العاصمة من أبرز المناطق التي شهدت تداعيات الحالة، بعدما تجاوزت كمية الأمطار المسجلة في بعض مناطق تونس الكبرى 60 مليمتراً خلال فترة وجيزة.

وبحسب رئيس الإدارة الفرعية للعمليات والمتابعة بالديوان الوطني للحماية المدنية خليل المشري، تدخلت الفرق لإزاحة سيارات عالقة ومساعدة مواطنين حاصرتهم المياه. وفي حصيلة أولية حتى صباح الجمعة 11 سبتمبر، قالت الحماية المدنية إنها نفذت تدخلات في 11 ولاية، شملت 46 عملية معاينة لتجمعات المياه، و21 عملية ضخ من المنازل والمحلات، إضافة إلى إزاحة 135 وسيلة نقل ومساعدة 55 شخصًا على عبور مناطق غمرتها المياه.

من أين جاءت كل هذه المياه؟

المشهد لم يكن نتيجة “مطر غزير” فقط، بل نتيجة اجتماع عدة عوامل جوية في وقت واحد.

كان المعهد الوطني للرصد الجوي قد حذر منذ 9 سبتمبر من اضطراب جوي يبدأ اعتبارًا من بعد ظهر الخميس، مع توقع أمطار رعدية وأحيانًا غزيرة في الشمال ومناطق من الوسط، وتراكمات قد تصل في بعض الولايات إلى 70 مليمتراً.

وفي تحديث لاحق صباح الخميس، رفع المعهد التقديرات في بعض المناطق إلى 80 مليمتراً محليًا، خصوصًا في باجة وزغوان، مع كميات بين 40 و60 مليمتراً في الكاف وجندوبة وسليانة وتونس الكبرى ونابل وسوسة والقيروان. كما حُذر من البَرَد والرياح القوية المصاحبة للخلايا الرعدية.

ففي العواصف الرعدية لا تسقط الأمطار بالضرورة بالتوزيع نفسه على مساحة واسعة. قد تتشكل خلية رعدية فوق منطقة محدودة وتعمل على هطولات غزيرة خلال وقت قصير، بينما تكون منطقة أخرى قريبة منها أقل تأثرًا بكثير.

وهذا النوع من الهطول هو أحد أكثر الأنماط قدرة على إنتاج السيول المفاجئة، خصوصًا في المدن.

لماذا تحولت الأمطار إلى سيول بهذه السرعة؟

أوضح خليل المشري أن تجمع المياه الكبير في المنطقة ارتبط أيضًا بهطول كميات كبيرة من الأمطار في السيدة المنوبية، وهي منطقة أعلى، ما أدى إلى جريان المياه باتجاه باب عليوة، التي تقع في منطقة منخفضة.

بمعنى آخر، لم تكن كمية المطر التي سقطت فوق باب عليوة وحدها هي العامل المحدد؛ فقد ساهم تدفق المياه من مناطق أعلى إلى منطقة منخفضة في تضخيم آثار الحالة.

وهذا يفسر لماذا يمكن أن تتحول بعض المناطق الحضرية إلى نقاط تجمع للمياه خلال فترة قصيرة جدًا، حتى عندما لا تكون كمية المطر المسجلة في الموقع نفسه استثنائية على المستوى اليومي.

العامل الجوي الأهم: صراع بين كتل هوائية

التحليل الجوي المنشور بالتزامن مع الحالة يشير إلى وجود منخفض جوي/أخدود علوي فوق غرب البحر المتوسط، ترافق مع هواء أبرد في طبقات الجو العليا.

ومع توفر الرطوبة تبدأ حركة الهواء الصاعد،مما يساعد على تشكل السحب الركامية بسرعة كبيرة، وتتحول إلى خلايا رعدية قادرة على إنتاج أمطار غزيرة جدًا خلال فترة زمنية قصيرة، إضافة إلى البَرَد وهبات الرياح القوية.

وهذا بالضبط ما يجعل هذا النوع من الحالات مختلفًا عن المطر الشتوي الهادئ والممتد.

المشكلة ليست فقط في كمية المطر، وإنما في سرعة سقوطه.

فعندما تهطل عشرات المليمترات خلال وقت قصير، قد تصبح شبكات تصريف المياه غير قادرة على استيعاب التدفق، خصوصًا في المناطق المنخفضة أو التي تستقبل مياهًا إضافية من مناطق مرتفعة.

ولماذا جاءت الحالة بعد حرارة شديدة؟

التسلسل الزمني مهم.

تونس خرجت من فترة صيفية شديدة الحرارة، وكان المعهد الوطني للرصد الجوي قد وصف يوليو/تموز 2026 بأنه شهر ذو حرارة استثنائية، مع تسجيل معدل وطني بلغ 31.7 درجة مئوية، أي أعلى بـ3.4 درجات من المعدل المناخي المرجعي.

هذا لا يعني أن موجة الحر “سببت” العاصفة بشكل مباشر، لكن الحرارة المرتفعة تهيئ ظروفًا يمكن أن تزيد محتوى بخار الماء والطاقة المتاحة للغلاف الجوي عندما تصل كتلة هوائية باردة في الأعلى.

والنتيجة المحتملة هي انتقال سريع من أجواء حارة ومستقرة نسبيًا إلى أجواء شديدة الاضطراب والرعد.

وهذا أحد المشاهد التي تتكرر بصورة لافتة في مناطق البحر المتوسط خلال فترات الانتقال بين الصيف والخريف.

تونس لم تدخل بعد مرحلة الهدوء الكامل

ورغم أن الوضع في بعض المناطق بدأ يتحسن بعد موجة الأمطار الأولى، فإن الحالة لم تنتهِ بالكامل صباح الجمعة 11 سبتمبر.

المعهد الوطني للرصد الجوي يتوقع استمرار الظروف الملائمة لتشكل الخلايا الرعدية خلال فترة بعد ظهر الجمعة، بداية من المناطق الغربية للشمال والوسط، ثم امتدادها محليًا إلى بعض المناطق الشرقية.

ومن المتوقع أن تكون الأمطار غزيرة أحيانًا، مع كميات قد تتراوح بين 30 و50 مليمتراً في الكاف وسليانة والقصرين، إلى جانب احتمال تساقط البَرَد وهبوب رياح قوية أثناء العواصف الرعدية.

أما السبت 12 سبتمبر، فمن المتوقع استمرار الأمطار في الشمال والوسط الغربي، مع احتمال أن تكون غزيرة خصوصًا في أقصى الشمال.

لذلك فإن الخطر الرئيسي ينتقل تدريجيًا من ذروة الحالة التي ضربت عدة مناطق الخميس إلى خلايا رعدية أكثر محلية خلال الجمعة والسبت.

وبناءً على المعطيات المتاحة حاليًا، تبدو الصورة أقرب إلى انحسار تدريجي للحالة خلال السبت، مع تحسن أوسع بعد ذلك، لكن توقيت انتهاء الأمطار بشكل كامل يختلف من منطقة إلى أخرى، ولا يمكن اعتبار كل تونس خارج الخطر في وقت واحد.

لماذا كانت التحذيرات مهمة؟

اللافت في هذه الحالة أن السلطات لم تتفاجأ بتشكل الاضطراب الجوي، فالمعهد الوطني للرصد الجوي أصدر نشرات متابعة قبل بدء الأمطار، كما خصص اللون البرتقالي لست ولايات، هي تونس ومنوبة وبن عروس وأريانة وباجة وزغوان، بسبب توقعات الأمطار الغزيرة.

وهذا يوضح الفرق بين التنبؤ بالاضطراب الجوي وبين التنبؤ بدقة بالمكان الذي ستحدث فيه أسوأ بؤرة للسيول.

النماذج العددية تستطيع رصد بيئة جوية شديدة عدم الاستقرار، لكنها تواجه صعوبة أكبر في تحديد الخلية الرعدية التي ستتوقف فوق منطقة معينة وتفرغ عشرات المليمترات خلال ساعة أو ساعتين.

ولهذا تكون التحذيرات أثناء العواصف الرعدية مرتبطة دائمًا بالمكان والوقت معًا.

الخطر لم ينتهِ بعد.

فالجمعة والسبت ما زالتا تحملان فرصًا لأمطار رعدية غزيرة محليًا، خصوصًا في شمال وغرب البلاد، قبل أن تميل الحالة إلى الانحسار تدريجيًا.

أما الدرس الأهم من الحالة فهو أن 60 أو 70 مليمتراً لا تحمل الخطر نفسه إذا سقطت خلال يوم كامل مقارنة بسقوطها خلال فترة قصيرة جدًا.

وفي عالم تتزايد فيه درجات حرارة اليابسة والبحر، تصبح مراقبة شدة الهطول وسرعته وتوزعه المكاني بنفس أهمية متابعة كمية المطر الإجمالية.

وهنا تحديدًا تتحول العاصفة من مجرد “أمطار غزيرة” إلى خطر حقيقي للسيول المفاجئة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى