المناخ وسقوط الحضارات

من الانقراضات الكبرى إلى أزمات سوريا وبلاد الرافدين: كيف يتحول التغير المناخي إلى عامل في انهيار المجتمعات؟
دراسة تاريخية–مناخية
إعداد: المركز السوري للطقس والمناخ
مقدمة
عندما تنهار حضارة، يميل التاريخ إلى البحث عن سبب واضح: حرب، غزو، وباء، صراع على السلطة أو انهيار اقتصادي. لكن السجل المناخي للأرض يضيف طبقة أخرى إلى هذه القصة، أقل وضوحًا في المصادر التاريخية وأكثر عمقًا في تأثيرها: المناخ.
فالجفاف لا يظهر في كتب التاريخ دائمًا باعتباره حدثًا سياسيًا، لكنه يظهر في طبقات التربة، ورواسب البحيرات، وحلقات الأشجار، والصواعد الكلسية داخل الكهوف، وتغيرات حبوب اللقاح، وحتى في الرواسب التي تحملها الأنهار.
ومن خلال جمع هذه الأدلة مع السجل الأثري والتاريخي، بدأ يتضح أن بعض التحولات الكبرى في تاريخ المجتمعات حدثت في فترات تزامنت مع تغيرات ملحوظة في الحرارة أو الأمطار أو انتظام المواسم.
لكن هذه العلاقة تحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
فليس صحيحًا علميًا القول إن “الجفاف أسقط الإمبراطورية الأكدية”، أو إن “المناخ أسقط روما”، أو إن “الجفاف أنهى حضارة المايا”. الواقع أكثر تعقيدًا.
المناخ قد يضغط على الزراعة والمياه والغذاء، لكنه لا يتحول إلى أزمة حضارية إلا عندما يتقاطع مع عوامل أخرى مثل الحرب، والهجرة، والاقتصاد، والمرض، والضغط السكاني، وضعف المؤسسات.
وهنا تظهر الفكرة الأساسية لهذه الدراسة:
التغير المناخي لا يسقط الحضارات بالضرورة، لكنه يستطيع أن يدفع نظامًا هشًا إلى ما وراء حدود قدرته على التكيف.
أولًا: عندما أدى تغير المناخ إلى أكبر انقراض في تاريخ الأرض
قبل أن نصل إلى الحضارات البشرية، علينا أن نعود إلى ما قبل وجود الإنسان بزمن هائل.
قبل نحو 252 مليون سنة، حدث ما يعرف بانقراض نهاية العصر البرمي، وهو أكبر انقراض جماعي معروف في تاريخ الأرض.
ارتبط الحدث بثورات بركانية هائلة في منطقة سيبيريا الحالية، عُرفت باسم المصاطب السيبيرية – Siberian Traps.
أطلقت هذه الأحداث كميات ضخمة من الغازات والكربون، ما أدى إلى تغيرات كبيرة في النظام المناخي والبيئي.
لم يكن التأثير مجرد ارتفاع في درجات الحرارة. فقد تداخلت عدة عمليات في الوقت نفسه:
زيادة الغازات الدفيئة → احترار → تغير في دورة المياه → تحمّض المحيطات → نقص الأكسجين في البحار → انهيار النظم البيئية → انقراض جماعي.
وتشير المراجعات العلمية إلى أن نحو 81–94% من الأنواع البحرية اختفت خلال هذه الأزمة، مع خسائر كبيرة أيضًا بين الكائنات البرية.
هذه الحادثة تقدم درسًا أساسيًا: عندما يتعرض النظام الطبيعي لعدة ضغوط في الوقت نفسه، قد تتحول التغيرات المناخية إلى سلسلة من التأثيرات المتتابعة بدل أن تبقى مجرد تغير في درجة الحرارة.
ثانيًا: الحضارة أكثر مرونة من النظام البيئي… لكنها ليست بلا حدود
يمتلك الإنسان شيئًا لا تمتلكه معظم الأنواع الأخرى: القدرة على التكيف.
يمكن للمجتمعات أن:
- تخزن الحبوب.
- تنقل المياه.
- تغير المحاصيل.
- تستورد الغذاء.
- توسع التجارة.
- تنقل السكان.
- تبني السدود وشبكات الري.
- تغير مواقع المدن.
لكن هذه القدرة لها حدود.
فإذا تزامن الجفاف مع حرب، أو مع زيادة سكانية، أو مع ضعف اقتصادي، أو مع انهيار طرق التجارة، يمكن أن يتحول تغير مناخي متوسط إلى أزمة شديدة.
ومن هنا يمكن تصور المسار التالي:
تغير مناخي
↓
انخفاض أو اضطراب الموارد المائية
↓
تراجع الإنتاج الزراعي
↓
انخفاض فائض الغذاء
↓
ارتفاع الأسعار
↓
هجرة واضطرابات
↓
صراع على الموارد
↓
ضعف اقتصادي وسياسي
↓
إعادة تنظيم الدولة أو تفككها
وهذا النموذج يفسر لماذا يمكن أن يتعرض مجتمعان لتغير مناخي مشابه، بينما ينجح أحدهما في التكيف ويفشل الآخر.
ثالثًا: أزمة 4.2 ألف سنة – واحدة من أهم الأزمات المناخية في تاريخ الشرق الأدنى
نحو 2200 قبل الميلاد حدث تحول مناخي مهم في أجزاء من الشرق الأدنى، تزامن مع تغيرات أكثر برودة وجفافًا في بعض السجلات المناخية.
ويعرف هذا الحدث في الأدبيات باسم:
4.2 ka event
أي “حدث 4.2 ألف سنة قبل الحاضر”.
وقد ارتبطت هذه الفترة بأزمات في عدد من المجتمعات القديمة، ومنها مناطق من بلاد الرافدين وشمال سوريا.
لكن الدراسات الحديثة أصبحت أكثر حذرًا من وصف الحدث بأنه “جفاف عالمي متزامن”. فالأدلة تظهر اختلافات إقليمية مهمة؛ إذ لم تتعرض جميع مناطق العالم للتغير نفسه في الوقت نفسه أو بالحدة نفسها.
وهذه نقطة مهمة للغاية، لأن المناخ في التاريخ القديم كان غالبًا إقليميًا أكثر من كونه ظاهرة عالمية متجانسة.
رابعًا: تل ليـلان… عندما يظهر المناخ داخل طبقات مدينة سورية قديمة
في شمال شرق سوريا يقع موقع تل ليـلان، أحد أهم المواقع الأثرية لفهم علاقة المناخ بالمجتمع في الألفية الثالثة قبل الميلاد.
كان الموقع مركزًا حضريًا مهمًا في شمال بلاد الرافدين، ثم حدث تحول كبير حول 2200 قبل الميلاد.
وتشير الأدلة الأثرية والمناخية إلى تزامن ظروف أكثر جفافًا وبرودة مع هجر الموقع وانقطاع الحياة الحضرية فيه تقريبًا خلال تلك المرحلة.
لكن الصورة ليست بهذه البساطة.
فالجفاف لم يكن العامل الوحيد الذي يمكن أن يفسر التحول، كما أن مناطق أخرى في بلاد الشام لم تستجب للتغير المناخي بالطريقة نفسها.
وهنا تظهر أهمية تل ليـلان بالنسبة للدراسة المناخية: فهو يقدم مثالًا على أن التغير المناخي يمكن أن يصبح عاملًا حاسمًا عندما يتزامن مع نظام اقتصادي يعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة والمطر ويكون معرضًا للصدمات.
خامسًا: نهاية العصر البرونزي… أزمة واسعة ضربت شرق المتوسط
بعد نحو ألف عام تقريبًا، واجه شرق المتوسط أزمة أخرى أكثر اتساعًا.
في حدود 1200 قبل الميلاد بدأت مجموعة من المراكز السياسية والاقتصادية في المنطقة بالانهيار أو التراجع.
شملت الأزمة أجزاء من:
- الأناضول.
- سوريا.
- فلسطين.
- قبرص.
- بحر إيجه.
- مصر.
وكانت هذه المنطقة في ذلك الوقت مرتبطة بشبكة تجارية وسياسية واسعة تضم الحيثيين والمصريين وممالك بلاد الشام ومدن الساحل.
وعندما تتعرض شبكة بهذا التعقيد لصدمة في الإنتاج الزراعي أو التجارة أو الأمن، فإن التأثير يمكن أن ينتشر بسرعة من منطقة إلى أخرى.
وتشير سجلات مناخية وأثرية إلى وجود فترة من الجفاف في أجزاء من شرق المتوسط خلال أواخر العصر البرونزي.
وتشير إحدى الدراسات المقارنة إلى أدلة على ظروف أكثر جفافًا امتدت تقريبًا من 1200 إلى 850 قبل الميلاد في عدد من سجلات شرق المتوسط، مع اختلاف واضح بين المواقع والمناطق.
لكن حتى هنا لا يمكن القول إن “الجفاف أسقط العصر البرونزي”.
فالحروب والهجرات واضطراب التجارة والصراعات السياسية كانت جزءًا من الأزمة أيضًا.
الأدق هو القول إن الجفاف أدى إلى تقليص الهامش الاقتصادي للمجتمعات، في وقت كانت فيه الشبكة السياسية والتجارية تعاني أصلًا من ضغوط أخرى.
سادسًا: سوريا في قلب هذه القصة
أهمية سوريا في هذه الدراسة ليست جغرافية فقط.
فموقعها بين البحر المتوسط والأناضول وبلاد الرافدين والبادية جعلها عبر التاريخ منطقة عبور بين أنظمة مناخية مختلفة، وفي الوقت نفسه منطقة تعتمد أجزاء واسعة منها على الأمطار الموسمية.
وهذا خلق ميزة كبيرة في السنوات الرطبة، لكنه خلق أيضًا نقطة ضعف في سنوات الجفاف.
وتظهر المواقع الأثرية في شمال سوريا والساحل السوري أن التغيرات البيئية لم تكن دائمًا تؤدي إلى اختفاء السكان.
في بعض الحالات حدث شيء أكثر تعقيدًا:
مدينة تتراجع → السكان يتحركون → النشاط الاقتصادي ينتقل → تظهر مراكز جديدة.
أي أن ما يبدو من منظور أثري “انهيار حضارة” قد يكون في بعض الحالات إعادة توزيع للسكان والاقتصاد والسلطة.
وهذا استنتاج مهم جدًا؛ فالحضارات لا تختفي دائمًا، بل قد تغير شكلها.
سابعًا: المايا… الدرس الأكثر وضوحًا حول أهمية انتظام المطر
بعيدًا عن الشرق الأوسط، تقدم حضارة المايا مثالًا مهمًا جدًا.
اعتمدت مجتمعات المايا على الأمطار الموسمية بدرجة كبيرة، ولذلك لم تكن كمية المطر وحدها مهمة، بل كان توقيت المطر وقابليته للتنبؤ عنصرين أساسيين في نجاح الزراعة.
تشير سجلات من الكهوف والرواسب إلى حدوث سلسلة من فترات الجفاف خلال الفترة بين نحو 800 و950م.
لكن أبحاثًا حديثة أضافت تفصيلًا مهمًا:
لم يكن الخطر في أن يصبح المناخ أكثر جفافًا فقط، بل في أن يصبح المطر أقل قابلية للتنبؤ من موسم إلى آخر.
وتشير بيانات من كهف Yok Balum في بليز إلى تراجع واضح في انتظام الأمطار بين 700 و800م، بالتزامن مع جفاف شديد، ثم بدأت مؤشرات على التراجع السكاني والتفكك السياسي في عدد من مناطق المايا.
وتشير الدراسة إلى أن أكثر من 63% من الكيانات الحضرية ذات المعالم المؤرخة كانت قد تفككت بحلول نحو 835م.
لكن الباحثين لا يقدمون الجفاف باعتباره السبب الوحيد؛ بل يرونه جزءًا من تفاعل بين المناخ والزراعة والمؤسسات السياسية والحرب والهجرة.
ثامنًا: روما والعالم القديم… عندما جاء التغير المناخي من السماء
في القرن السادس الميلادي حدث تغير مناخي مختلف تمامًا.
شهدت الفترة 536 و540 و547م سلسلة من الثورات البركانية الكبيرة التي أدخلت كميات من الجسيمات إلى الغلاف الجوي، وحجبت جزءًا من الإشعاع الشمسي.
وأظهرت دراسات حلقات الأشجار في أوروبا وآسيا الوسطى وجود تبريد واضح في هذه الفترة.
واقترحت دراسة شهيرة في Nature Geoscience أن الفترة من 536 إلى نحو 660م شهدت مرحلة تبريد واسعة أطلق عليها الباحثون:
Late Antique Little Ice Age – العصر الجليدي الصغير في العصور القديمة المتأخرة.
وربط الباحثون هذه الفترة بمجموعة واسعة من التحولات التي شهدتها أوراسيا، بما فيها أزمات سياسية وهجرات وأمراض وتحولات في الإمبراطورية الرومانية الشرقية وانهيار الإمبراطورية الساسانية.
لكن هذا التفسير تعرض أيضًا لنقاش علمي؛ إذ تشير أبحاث أخرى إلى أن شدة التبريد ومدته لم تكن متطابقة في جميع المناطق.
وهذا مثال ممتاز على الطريقة الصحيحة لقراءة التاريخ المناخي:
هناك إشارة مناخية قوية، لكن تأثيرها الجغرافي والسياسي لم يكن موحدًا.
تاسعًا: هل أسقط المناخ الإمبراطورية الساسانية؟
هذه واحدة من أكثر الأسئلة إثارة للجدل.
الإمبراطورية الساسانية انتهت سياسيًا في 651م، بعد عقود من الحرب مع الإمبراطورية البيزنطية، واضطرابات داخلية، وتغيرات سياسية وعسكرية كبيرة.
وتزامنت نهايتها مع فترة التبريد التي بدأت في القرن السادس.
لكن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن العلاقة بين المناخ وانهيار الساسانيين ليست محسومة.
فوجود تغير مناخي في الفترة نفسها لا يعني أن المناخ تسبب مباشرة في سقوط الإمبراطورية.
وهذا مثال مهم على ضرورة تجنب ما يسمى في الدراسات التاريخية بـ:
Environmental Determinism – الحتمية البيئية
أي افتراض أن البيئة تحدد مصير المجتمع بصورة آلية.
التاريخ أكثر تعقيدًا من ذلك.
عاشرًا: ما الذي يجمع بين هذه الحالات؟
رغم الاختلاف الهائل بين الإمبراطورية الأكدية والمايا وروما والساسانيين، هناك نمط متكرر:
1. يعتمد المجتمع على مورد حساس
غذاء، ماء، مطر أو نهر.
2. يتغير المناخ
جفاف، برودة، حرارة أو اضطراب في المواسم.
3. تنخفض القدرة على التنبؤ
وهذه نقطة قد تكون أخطر من التغير في المتوسط نفسه.
4. يتراجع هامش الأمان
المخزون الغذائي يقل، والأسعار ترتفع.
5. تظهر تأثيرات اجتماعية
هجرة، فقر، صراع، عدم استقرار.
6. تتعرض المؤسسات للضغط
تزداد تكلفة الحفاظ على المدن والجيوش وشبكات الري.
7. يبدأ المجتمع بالتكيف
إما بنجاح أو بفشل.
وفي حالة الفشل لا يكون “المناخ” قد أسقط الدولة بمفرده؛ بل يكون قد أزال جزءًا من هامش الأمان الذي كان يسمح للنظام بتحمل الأزمات الأخرى.
حادي عشر: الأرقام التي تخبرنا بالقصة
| الحدث | التاريخ التقريبي | التغير البيئي | النتيجة أو التأثير |
|---|---|---|---|
| انقراض نهاية البرمي | 252 مليون سنة | احترار واضطراب كيمياء المحيطات | فقدان نحو 81–94% من الأنواع البحرية |
| أزمة 4.2 ka | نحو 2200 ق.م. | ظروف أكثر جفافًا وبرودة في مناطق من الشرق الأدنى | أزمات في عدد من المراكز الحضرية |
| أزمة العصر البرونزي | نحو 1200–850 ق.م. | جفاف إقليمي طويل في شرق المتوسط | اضطراب الزراعة والتجارة والمراكز السياسية |
| أزمة المايا | 700–950م | جفاف وتقلب في انتظام المطر | تراجع سكاني وتفكك سياسي تدريجي |
| التبريد المتأخر للعصور القديمة | 536–660م تقريبًا | تبريد واسع بعد ثورات بركانية | ضغط بيئي واقتصادي وسياسي على أجزاء من أوراسيا |
هذه الأرقام ليست متساوية في درجة اليقين؛ فالأرقام الخاصة بالانقراض البرمي أكثر مباشرة من تقدير كمية المطر في مجتمع عاش قبل أربعة آلاف عام.
ثاني عشر: الخريطة التي تكشف العلاقة
يمكن تمثيل أهم مراكز الدراسة على خريطة واحدة للشرق الأدنى:
البحر المتوسط
│
├── أوغاريت – الساحل السوري
├── تل تويني – سوريا
├── إيبلا – شمال غرب سوريا
├── تل براك – شمال شرق سوريا
├── تل ليـلان – شمال شرق سوريا
├── الفرات
├── دجلة
└── جنوب بلاد الرافدين
وعند وضع هذه المواقع فوق خرائط إعادة بناء المناخ القديم، يظهر أمر مهم:
المناطق التي ازدهرت فيها المدن القديمة كانت غالبًا مناطق تقع على الحدود بين الزراعة المطرية والمروية.
وهذا أعطاها إنتاجية مرتفعة، لكنه جعلها حساسة أيضًا لتغيرات المطر والجريان المائي.
ثالث عشر: لماذا لا يكون الجفاف وحده كافيًا لتفسير الانهيار؟
يمكن أن تمر دولة بجفاف شديد دون أن تنهار.
والسبب هو أن قدرة المجتمع على التكيف تختلف.
دولة لديها:
- أنهار كبيرة.
- شبكات ري.
- مخازن حبوب.
- تجارة بعيدة المدى.
- مؤسسات قوية.
- طرق نقل آمنة.
يمكن أن تتحمل صدمة مناخية لا تستطيع دولة أخرى تحملها.
ولهذا فإن السؤال العلمي الأكثر أهمية ليس:
هل حدث جفاف؟
بل:
هل كان المجتمع قادرًا على امتصاص الجفاف؟
رابع عشر: المناخ كـ “مضاعف للأزمات”
يمكن تلخيص الدرس التاريخي كله في مفهوم واحد:
Climate Stress Multiplier
مضاعِف الضغط المناخي
عندما تكون الدولة مستقرة، قد يؤدي الجفاف إلى:
خفض الإنتاج → استيراد الغذاء → تجاوز الأزمة.
لكن عندما تكون الدولة في أزمة أصلًا:
جفاف → نقص غذاء → ارتفاع أسعار → هجرة → صراع → انخفاض الإيرادات → ضعف الدولة.
وهنا يصبح التغير المناخي جزءًا من سلسلة سببية أكبر.
خامس عشر: ماذا يخبرنا التاريخ عن المستقبل؟
الدرس الأهم من التاريخ ليس أن الحضارات القديمة انهارت بسبب المناخ.
الدرس هو أن قدرة المجتمع على التكيف هي التي تحدد حجم الخطر.
المجتمعات الحديثة تملك تقنيات لم تكن موجودة في العالم القديم:
- السدود.
- شبكات المياه.
- التجارة العالمية.
- الأقمار الصناعية.
- التنبؤات الجوية.
- أنظمة الإنذار المبكر.
- أصناف زراعية مقاومة للجفاف.
- تخزين الغذاء.
- تحلية المياه.
لكنها في المقابل أصبحت تعتمد على شبكات أكثر تعقيدًا وترابطًا.
وهذا يعني أن صدمة مناخية كبيرة قد لا تضرب الزراعة فقط، بل يمكن أن تنتقل عبر:
الغذاء → الطاقة → الأسعار → التجارة → الهجرة → الاستقرار الاجتماعي.
سادس عشر: سوريا… لماذا تستحق دراسة منفصلة؟
سوريا مثال مهم جدًا في هذا السياق لأنها تقع في منطقة شهدت بعض أقدم التجارب الزراعية والحضرية في العالم.
والمنطقة نفسها تعرضت تاريخيًا لتذبذبات كبيرة في المطر والجفاف.
لكن المقارنة التاريخية يجب أن تكون حذرة.
لا يمكن وضع جفاف 2200 ق.م. بجانب جفاف حديث ومقارنتهما مباشرة دون توحيد البيانات والمقاييس.
الطريقة العلمية الأفضل هي إعادة بناء سلسلة زمنية طويلة باستخدام:
Palaeoclimate + Archaeology + Historical Records + Modern Climate Data
أي:
المناخ القديم + الآثار + المصادر التاريخية + بيانات الأرصاد الحديثة.
وعندها يمكن طرح سؤال أكثر قوة:
هل تغير المناخ في سوريا كان عبر التاريخ عاملًا في إعادة توزيع السكان ومراكز الزراعة والسلطة، أكثر من كونه سببًا مباشرًا في “اختفاء الحضارات”؟
وهذا السؤال، في رأينا، أكثر دقة من مقولة “المناخ أسقط الحضارات”.
الخلاصة
التاريخ المناخي للأرض لا يقدم لنا قصة بسيطة عن حضارات تنهار كلما انخفض المطر.
بل يقدم قصة أكثر تعقيدًا، وربما أكثر أهمية.
في نهاية العصر البرمي، أدى اضطراب مناخي وبيئي واسع إلى واحدة من أعظم الكوارث الحيوية في تاريخ الأرض.
وفي الشرق الأدنى القديم، تزامنت فترات من الجفاف والتغير الهيدرولوجي مع أزمات حضرية وسياسية، من تل ليـلان إلى أزمة العصر البرونزي.
وفي أمريكا الوسطى، تزامن تفكك عدد كبير من مراكز المايا مع سلسلة من الجفاف وتراجع القدرة على التنبؤ بالمطر.
وفي القرن السادس الميلادي، تزامنت فترة تبريد واسعة مع واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ أوراسيا.
لكن القاسم المشترك ليس أن “المناخ أسقط الجميع”.
القاسم المشترك هو أن المجتمعات التي تعتمد على موارد مناخية حساسة تصبح أكثر هشاشة عندما تتزامن الصدمة المناخية مع أزمات أخرى.
ولهذا فإن المناخ لا ينبغي أن يُدرس في التاريخ باعتباره سببًا منفردًا، بل باعتباره جزءًا من منظومة.
وربما يكون الدرس الأكثر أهمية بالنسبة لسوريا اليوم هو أن السؤال لا ينبغي أن يكون:
“هل سيتغير المناخ؟”
فالتغير يحدث بالفعل.
السؤال الأهم هو:
ما مقدار الضغط المناخي الذي تستطيع الزراعة والمياه والمدن والاقتصاد والمجتمع السوري تحمله قبل أن يتحول تغير بيئي إلى أزمة اجتماعية واقتصادية واسعة؟
هذا هو الحد الفاصل بين دراسة المناخ بوصفه تاريخًا، ودراسته بوصفه إنذارًا للمستقبل.
المصادر العلمية الرئيسية
- Büntgen et al., Nature Geoscience — Cooling and societal change during the Late Antique Little Ice Age from 536 to around 660 AD.
- Kaniewski et al., PLOS ONE — Environmental Roots of the Late Bronze Age Crisis.
- Lawrence et al., PLOS ONE — Beyond megadrought and collapse in the Northern Levant: The chronology of Tell Tayinat and two historical inflection episodes.
- Douglas et al., PNAS — Drought, agricultural adaptation, and sociopolitical collapse in the Maya Lowlands.
- دراسة Communications Earth & Environment حول تراجع قابلية التنبؤ بالأمطار الموسمية ودورها المحتمل في زعزعة مجتمعات المايا.
- ملاحظات التوثيق العلمي
- أزمة تل ليـلان/2200 ق.م. موثقة أثريًا ومناخيًا، لكن الأدلة الحديثة تحذر من التعامل معها باعتبارها “جفافًا عالميًا موحدًا”.
- أزمة العصر البرونزي المتأخر لديها أدلة مناخية وأثرية تربط الجفاف بضغط زراعي ومجتمعي، لكن تفسير الانهيار باعتباره مناخيًا فقط سيكون تبسيطًا مفرطًا.
- بالنسبة إلى المايا، هناك أدلة قوية على الجفاف، والأهم على تراجع قابلية التنبؤ بالأمطار بين نحو 700 و800م، مع ارتباط ذلك بالتفكك السياسي؛ ومع ذلك بقيت الاستجابات الإقليمية مختلفة.
- بالنسبة إلى 536–660م، تشير سجلات حلقات الأشجار إلى تبريد مهم عقب ثورات بركانية في 536 و540 و547م، لكن مدى التبريد لم يكن متطابقًا في جميع المناطق، وهناك نقاش علمي حول امتداده الزمني والجغرافي.
- أما الإمبراطورية الساسانية تحديدًا، فهناك نقاش حديث يحذر من الاستنتاج بأن المناخ وحده أو حتى أساسًا هو الذي أدى إلى انهيارها، وهو مثال جيد على ضرورة تجنب الحتمية المناخية.



