طقس سوريا

دراسة مناخية…هل يتأخر الخريف وينكمش الشتاء في سوريا؟

تحليل مناخي لسوريا 1950–2025

إعداد: المركز السوري للطقس والمناخ
الفترة المدروسة: 1950–2025
النطاق: كامل الأراضي السورية

تشيرالأدلة المتاحة إلى أن الجزء البارد من السنة في سوريا يتقلص، بينما تطول الفترة الدافئة، وأن الانتقال من الخريف إلى الشتاء أصبح أكثر دفئاً وأقل وضوحاً وبالتالي الجواب العلمي الأقرب إلى الدقة هو: نعم، .

لكن لا ينبغي أن نقول إننا أثبتنا أن «الخريف يتأخر بعدد محدد من الأيام» إلا بعد إجراء تحليل يومي مباشر لتعريف بداية ونهاية الفصول.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن الفصول الفلكية ثابتة تقريباً، بينما الذي يتغير هو الفصل المناخي/الحراري.


1. ماذا حدث لدرجات الحرارة في سوريا منذ 1950؟

الدليل الأقوى المتاح حالياً هو دراسة منشورة في Climate Dynamics في 7 أبريل 2026، اعتمدت ERA5-Land للفترة 1950–2024 وحللت 15 مؤشراً من مؤشرات ETCCDI العالمية للتطرفات المناخية. (Springer) وتوصلت إلى نتيجة واضحة:

سوريا شهدت احتراراً واسع النطاق ومتسقاً، ترافق مع انخفاض التطرفات الباردة وارتفاع التطرفات الدافئة. (Springer)

وهذا مهم جداً بالنسبة لسؤالنا، لأننا لا نعتمد على الانطباع بأن «الشتاء لم يعد كما كان»، بل على مؤشرات مناخية قابلة للقياس.


2. المؤشر الأكثر أهمية: أيام الصقيع

أحد أفضل المؤشرات لمعرفة تقلص البرد هو FD – Frost Days، أي عدد الأيام التي تبلغ فيها درجة الحرارة الدنيا اليومية ≤ 0°C.

الدراسة السورية وجدت انخفاضاً واسع الانتشار في مؤشرات البرودة، وخصوصاً أيام الصقيع. كما وجدت انخفاضاً في الأيام والليالي الباردة، وكان انخفاض الليالي الباردة أكثر وضوحاً من الأيام الباردة في مناطق واسعة من سوريا. (Springer)

وهذا يعني أن: الشتاء لا يصبح فقط أدفأ؛ بل تقل أيضاً فرص الوصول إلى الحدود الحرارية التي تنتج الصقيع. وهذه إشارة مناخية أكثر أهمية من مجرد ارتفاع متوسط الحرارة.


3. الليالي الشتوية أصبحت أدفأ

هذه من أهم نتائج الدراسة.

وجد الباحثون انخفاضاً واضحاً في تكرار الليالي الباردة TN10p، مع اتجاهات أكثر قوة في بعض المناطق الجنوبية الجافة.كما أن الدراسة وجدت ارتفاعاً كبيراً في الليالي الدافئة TN90p عبر مختلف الأقاليم المناخية السورية. (Springer) وهنا نصل إلى أحد المفاتيح الرئيسية لفهم «تأخر الشتاء»:

الشتاء المناخي يعتمد بشدة على الليل وليس النهار فقط.

إذا أصبحت الليالي في: أكتوبر → نوفمبر → ديسمبر أدفأ من الماضي، فإن الانتقال إلى الشتاء الحراري يصبح أبطأ حتى لو شهدت سوريا موجات باردة قوية.


4. ماذا عن الخريف؟

هنا يمكننا الآن صياغة النتيجة بشكل أكثر دقة: لا يوجد دليل على أن الاعتدال الخريفي نفسه تأخر. ولكن هناك دليل قوي على أن: التبريد الخريفي أصبح أضعف.

أي أن الفترة بين: انتهاء الصيف و استقرار البرودة الشتوية أصبحت أكثر دفئاً، وهذا هو ما يشعر به الناس على أنه «الخريف أصبح أطول أو بدأ متأخراً».

والتفسير المناخي الأدق هو تأخر الانتقال الحراري نحو الشتاء.


5. ماذا عن طول الشتاء؟

لدينا هنا دليل إقليمي مهم جداً، دراسة منشورة في International Journal of Climatology درست طول الفصول في شرق المتوسط باستخدام ثمانية نماذج CMIP5. وتوصلت إلى أنه في نهاية القرن الحادي والعشرين، وتحت السيناريو مرتفع الانبعاثات RCP8.5 طول الصيف السينوبتيكي قد يزداد بنحو 49% بينما طول الشتاء السينوبتيكي قد ينخفض بنحو 56%. هذه الدراسة لا تقول إن الشتاء السوري الحالي انكمش بالفعل بنسبة 56%؛ بل إنها إسقاط مستقبلي، لكنها مهمة جداً لأنها تقدم الآلية الإقليمية التي تتوافق مع الاتجاه المرصود في سوريا: زيادة الفترة الدافئة وتراجع الفترة الباردة.


6. لماذا يحدث ذلك؟

الموضوع ليس مجرد «ارتفاع درجة الحرارة»، هناك منظومة كاملة تعمل معاً.

العامل الأول: الاحترار العالمي

شرق المتوسط من المناطق الحساسة جداً للتغير المناخي، وتظهر الدراسات أن المنطقة تسخن بسرعة كبيرة مقارنة بالمتوسط العالمي. (Copernicus)

العامل الثاني: البحر المتوسط

البحر يحتفظ بالحرارة لفترة طويلة بعد انتهاء الصيف، لذلك عندما يصبح البحر أكثر دفئاً:

سبتمبر/أكتوبر

يبقى مخزون حراري كبير فوق المتوسط

يستمر تدفئة الهواء

يتباطأ التبريد الخريفي

يتأخر الوصول إلى البرودة الشتوية المستقرة.


7. العامل الثالث: تغير الدورة الجوية

وهذا مهم جداً لسوريا.

الشتاء السوري ليس نتيجة انخفاض الشمس فقط، وإنما يعتمد على وصول:

  • المنخفضات المتوسطية
  • الكتل الهوائية الباردة
  • الأخاديد العلوية
  • التيار النفاث
  • المرتفع شبه المداري
  • المنخفض القبرصي
  • أنظمة الضغط فوق شرق المتوسط.

والدراسة السورية الحديثة تشير إلى تغيرات في مسار المنخفضات المتوسطية، مع اتجاه نحو إضعاف أو انزياح مسارات العواصف المتوسطية بعيداً عن شرق المتوسط، وهو عامل يرتبط بجفاف المنطقة الغربية والشمالية الغربية من سوريا. (Springer)


8. وهنا تظهر مشكلة أكبر من مجرد الحرارة

إذا كان الشتاء:

أدفأ + أقل برودة + أقل انتظاماً في الأمطار فإن تأثيره المناخي أكبر بكثير من مجرد زيادة درجة أو درجتين.

الدراسة السورية وجدت أن المنطقة المتوسطية في شمال غرب سوريا شهدت اتجاهاً تنازلياً ملحوظاً في الهطول السنوي، بينما كان التغير في المناطق الداخلية والجنوبية الشرقية أكثر تعقيداً. (Springer)

كما وجدت تغيراً في طبيعة الفترات الجافة والهطولات، ما يشير إلى أن المشكلة ليست بالضرورة اختفاء المطر، وإنما تغير توقيته وانتظامه. (Springer) وهذا مهم للغاية.


9. الشتاء السوري قد يصبح «أقصر» ولكن ليس بالضرورة «أقل مطراً كل عام»

وهذه نقطة يجب ألا نخلط بينها، قد يحدث مستقبلاً:

خريف دافئ وطويل

ثم:

دخول متأخر للشتاء

ثم:

فترة قصيرة من المنخفضات القوية

ثم:

عودة الاستقرار والدفء.

وبالتالي قد تبقى بعض السنوات شديدة المطر، ولكنها لا تعني بالضرورة أن الموسم الشتوي نفسه أصبح أطول أو أبرد.

وهذا يتفق مع ما وجدته الدراسة السورية من زيادة في اضطراب توزيع الهطول، بما في ذلك بعض الهطولات الأقوى خلال فترات قصيرة. (Springer)


10. هل الجنوب السوري يتغير بالطريقة نفسها؟

نعم، ولكن ليس بنفس السرعة أو بالطريقة نفسها.

وهذه نقطة أريد تثبيتها في الدراسة، سوريا ليست منطقة مناخية واحدة لدينا:

الساحل…تأثير البحر المتوسط قوي.

الجبال الغربية…ارتفاع كبير وتأثير تضاريسي.

دمشق وريفها…مزيج من التأثير القاري والمتوسطي والارتفاع.

الشمال…تأثير قاري أكبر.

الشرق والبادية…تأثير صحراوي وقاري قوي.

الجنوب – درعا والسويداء…مزيج من التأثير القاري وشبه الجاف والارتفاع، مع تأثر واضح بالكتل الباردة القادمة من الشمال.

ولهذا لا ينبغي أن نقول…«الشتاء انكمش بنفس المقدار في كل سوريا».

الدراسة الحديثة نفسها تؤكد وجود تباين مكاني كبير في التغيرات المناخية بين المناطق السورية. (Springer)


11. ماذا عن البادية السورية؟

لدينا أيضاً دراسة مستقلة للفترة 1970–2020 في منطقة البادية السورية.

ووجدت ارتفاعاً ذا دلالة إحصائية في درجات الحرارة السنوية والفصلية في جميع المحطات المدروسة، مع ارتفاعات وصلت في بعض المؤشرات إلى حوالي 2.5°C، وإلى نحو 3.2°C في الصيف. كما كان متوسط الفترة 2001–2020 أعلى بنحو 1.3°C من 1970–2000 في معظم المحطات. (Arab Institute)


12. ماذا عن عام 2025؟

هنا يجب أن نكون علميين للغاية.

الدراسة المنشورة في Climate Dynamics تنتهي عند 2024.

لذلك لا يجوز أن نقول إن الدراسة نفسها أثبتت اتجاه 1950–2025.

لكن يمكننا استخدام 2025 كسنة إضافية مستقلة عند إجراء تحليل ERA5-Land، لأن قاعدة البيانات نفسها تمتد من 1950 إلى الوقت الحاضر. (Copernicus)

وبالتالي يكون التصميم الصحيح للدراسة:

1950–2024 = الاتجاه المناخي الأساسي المنشور

ثم:

1950–2025 = تحديث المركز السوري للطقس والمناخ

وهذه نقطة ممتازة للمركز لأنها تعني أن الدراسة التي ننشرها ستكون محدثة بسنة إضافية عن البحث المنشور في Climate Dynamics.


13. النتيجة الحالية للدراسة

يمكننا الآن وضع النتيجة في أربعة مستويات:

السؤالالنتيجة
هل سوريا أصبحت أدفأ؟نعم، وباتجاه واسع وواضح
هل التطرفات الباردة تتراجع؟نعم
هل أيام الصقيع والليالي الباردة تتراجع؟نعم
هل الفترة الدافئة تمتد؟نعم، الأدلة تدعم ذلك
هل يمكن القول إن الخريف يتأخر؟نعم مناخياً، لكن يجب تعريفه كمياً
هل الشتاء ينكمش؟نعم من ناحية البرودة، وهناك دعم إقليمي قوي لذلك
هل انكمش الشتاء بعدد محدد من الأيام؟لم نثبت الرقم بعد
هل يتغير المطر؟نعم، لكن بصورة مكانية معقدة
هل الجنوب السوري يتغير؟نعم، لكنه ليس مطابقاً للساحل أو الشمال

14. الحكم العلمي النهائي

نعم، الفرضية التي بدأنا منها صحيحة في جوهرها.

لكن التعبير العلمي الأفضل ليس «الخريف السوري يتأخر والشتاء يختفي».

بل:

«تشير الأدلة المناخية إلى تأخر الانتقال الحراري من الصيف والخريف نحو البرودة الشتوية في سوريا، بالتزامن مع تراجع التطرفات الباردة وأيام الصقيع وارتفاع درجات الحرارة الليلية، ما يؤدي إلى تقلص الجزء البارد من السنة وامتداد الفترة الدافئة.»

وهذا استنتاج تدعمه بيانات سوريا للفترة 1950–2024، إلى جانب الدراسات الإقليمية لشرق المتوسط. (Springer)


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى