دراسات مناخية

هل أصبح الطقس المتطرف هو القاعدة الجديدة؟ عالم أكثر حرارة.. وطقس أكثر تطرفاً…وماذا يعني ذلك لسوريا؟

لم يعد الطقس المتطرف يظهر على شكل أحداث متفرقة يصعب الربط بينها. ففي صيف 2026، شهد العالم موجات حر شديدة، وجفافاً وحرائق واسعة، وأمطاراً غزيرة وفيضانات في مناطق أخرى، بالتزامن مع استمرار ارتفاع حرارة المحيطات وتطور ظاهرة إل نينيو في المحيط الهادئ.

لكن هل يعني ذلك أن الطقس المتطرف أصبح بالفعل «القاعدة الجديدة»؟

الإجابة العلمية أكثر دقة من ذلك. الطقس المتطرف لم يصبح قاعدة بالمعنى الذي يعني أن كل يوم سيكون متطرفاً، لكن المناخ الذي تحدث فيه هذه الظواهر أصبح أكثر دفئاً، وهذا يغيّر احتمالات وشدة العديد من الظواهر المتطرفة.

صيف 2026 يقدم صورة واضحة

في 12 أغسطس/آب، حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من استمرار الحرارة القياسية والظواهر الجوية المتطرفة، مشيرة إلى أن يوليو وبداية أغسطس شهدا مزيجاً من الحرارة الشديدة والجفاف والحرائق والفيضانات، إلى جانب ارتفاعات قياسية في درجات حرارة اليابسة والبحر.

وتؤكد بيانات خدمة كوبرنيكوس الأوروبية أن يوليو 2026 كان ثاني أحر يوليو على مستوى العالم بالتساوي مع يوليو 2024، بفارق ضئيل جداً عن الرقم القياسي المسجل في يوليو 2023. كما بلغت حرارة سطح المحيطات خارج المناطق القطبية أعلى مستوى مسجل لشهر يوليو.

هذه الأرقام لا تعني أن العالم يسجل أرقاماً قياسية في كل مكان في الوقت نفسه، لكنها تكشف اتجاهاً أوسع: خط الأساس الحراري الذي تحدث ضمنه الظواهر الجوية يتحرك إلى الأعلى.

عندما تصبح موجة الحر أشد من الماضي

أحد أهم التغيرات التي يحدثها الاحترار العالمي هو أن موجة الحر التي كانت تُعد نادرة في الماضي يمكن أن تصبح أكثر احتمالاً، وأن موجة الحر نفسها قد تصل إلى درجات أعلى مما كانت تصل إليه في مناخ أكثر برودة.

وهذا ما ظهر بوضوح في تحليل حديث لـ World Weather Attribution لموجة الحر الأوروبية في يونيو 2026.

وجد الباحثون أن نمط الغلاف الجوي الذي ساهم في موجة الحر ليس جديداً بالضرورة، لكن درجات الحرارة المصاحبة لهذا النمط أصبحت أعلى بكثير بسبب ارتفاع خط الأساس المناخي. وخلص التحليل إلى أن انبعاثات الوقود الأحفوري جعلت موجة الحر الأوروبية أكثر شدة مما كانت ستكون عليه في عالم أكثر برودة.

وهذه نقطة جوهرية في فهم تغير المناخ:

تغير المناخ لا يصنع كل موجة حر من الصفر، لكنه يجعل بعض موجات الحر أشد وأكثر احتمالاً.

الحرارة ليست المشكلة الوحيدة

قد يبدو الاحترار العالمي وكأنه يعني ببساطة ارتفاع درجات الحرارة، لكن تأثيره على دورة المياه أكثر تعقيداً.

فالهواء الأكثر دفئاً يستطيع حمل كمية أكبر من بخار الماء. وعندما تتوافر الظروف الجوية المناسبة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى هطول أمطار أكثر غزارة خلال فترات قصيرة.

وفي المقابل، يمكن أن تؤدي الحرارة المرتفعة إلى زيادة التبخر وتجفيف التربة والغطاء النباتي، ما يزيد خطر الجفاف والحرائق.

وهكذا يمكن أن نجد في العالم نفسه:

حرارة وجفاف وحرائق في منطقة، وأمطار غزيرة وفيضانات في منطقة أخرى.

وهذا ليس تناقضاً مناخياً.

أوروبا مثال على الحلقة الجديدة

شهد غرب أوروبا خلال صيف 2026 ظروفاً استثنائية من الحرارة والجفاف.

وتشير كوبرنيكوس إلى أن الفترة يونيو–يوليو 2026 كانت الأكثر حرارة على الإطلاق في غرب أوروبا، بينما ساعدت الظروف الحارة والجافة الممتدة على زيادة خطر وانتشار حرائق الغابات.

وفي يوليو، كانت رطوبة التربة في أجزاء واسعة من أوروبا الغربية والوسطى منخفضة إلى مستويات استثنائية، مع تسجيل بعض المناطق أدنى مستويات لرطوبة التربة منذ بداية سلسلة بيانات ERA5-Land عام 1979. كما انخفضت تدفقات الأنهار بشدة في العديد من المناطق الجافة.

هنا تظهر الصورة الأوسع:

الحرارة → زيادة التبخر → جفاف التربة → جفاف النباتات → ارتفاع خطر الحرائق.

لكن هذه السلسلة يمكن أن تنعكس في مناطق أخرى عندما تتجمع كميات كبيرة من الرطوبة وتحدث ظروف جوية مناسبة للأمطار الغزيرة.

هل كل فيضان سببه تغير المناخ؟

هنا يجب الحذر من التبسيط.

ليس صحيحاً علمياً القول إن كل فيضان أو كل عاصفة أو كل حريق سببه تغير المناخ.

الطقس المتطرف ينتج عن مجموعة معقدة من العوامل: أنظمة الضغط الجوي، التيارات النفاثة، الرطوبة، التضاريس، حرارة المحيطات، الرياح، والعوامل المحلية.

لكن السؤال العلمي الأكثر أهمية أصبح:

هل جعل تغير المناخ هذه الظاهرة أكثر احتمالاً أو أكثر شدة؟

وهذا هو مجال علم إسناد الظواهر المناخية المتطرفة.

وقد أجرى مشروع World Weather Attribution أكثر من 100 دراسة تناولت موجات الحر والأمطار الغزيرة والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات وغيرها، بهدف تقدير الدور الذي لعبه تغير المناخ في تلك الأحداث.

وفي كثير من الحالات، تظهر النتائج أن الاحترار العالمي لا يفسر الحدث بالكامل، لكنه يزيد شدة بعض أنواعه أو احتمالية حدوثه.

المحيطات.. المحرك الذي لا يمكن تجاهله

هناك عامل آخر أصبح أكثر أهمية: حرارة المحيطات.

بيانات كوبرنيكوس تشير إلى أن متوسط درجة حرارة سطح المحيطات خارج المناطق القطبية سجل في يوليو 2026 أعلى مستوى له على الإطلاق لذلك الشهر. كما ارتبط جزء من هذا الدفء بتطور إل نينيو في المحيط الهادئ.

المحيطات تخزن كميات هائلة من الطاقة الحرارية، وتؤثر حرارتها في حركة الغلاف الجوي وتوزيع الرطوبة والأمطار والعواصف.

ولهذا فإن مراقبة الطقس المتطرف لم تعد ممكنة من خلال النظر إلى درجة حرارة الهواء فوق اليابسة فقط.

وإل نينيو يضيف عاملاً جديداً

العام الحالي يحمل أيضاً تطوراً مهماً في المحيط الهادئ.

وفق أحدث تحديث لـ NOAA، فإن إل نينيو موجود بالفعل ويتعزز، مع احتمال يتجاوز 90% لحدوث حدث قوي جداً خلال خريف وشتاء النصف الشمالي 2026–2027.

لكن وجود إل نينيو لا يعني تلقائياً أن كل الظواهر المتطرفة الحالية ناتجة عنه.

إل نينيو هو نظام مناخي طبيعي يتكرر عادة كل عدة سنوات، لكنه يعيد توزيع الحرارة والرطوبة ويغير أنماط دوران الغلاف الجوي، ولذلك يمكن أن يزيد احتمال بعض الظواهر أو يقللها في مناطق معينة.

أما الاحترار العالمي فهو عامل طويل الأمد يرفع خط الأساس الحراري للكوكب.

الاثنان يمكن أن يتفاعلا، لكنهما ليسا الشيء نفسه.

هل نحن أمام «طقس جديد»؟

ربما تكون العبارة الأدق هي أننا ندخل مرحلة من مناخ جديد نسبياً، وليس طقساً جديداً بالكامل.

فالظواهر التي عرفها الإنسان منذ آلاف السنين — موجات الحر، العواصف، الجفاف، الأمطار الغزيرة والفيضانات — لا تزال موجودة.

لكن البيئة المناخية التي تحدث فيها تغيرت.

عندما يكون الكوكب أكثر دفئاً، تبدأ بعض الأرقام القياسية التي كانت نادرة في الماضي بالظهور بوتيرة أكبر، بينما تصبح بعض الأحداث المتطرفة أكثر شدة.

وهذا يفسر لماذا أصبحت مؤسسات الأرصاد والمناخ تركز بشكل متزايد على الإنذار المبكر والاستعداد للمخاطر، وليس فقط على توقع درجة الحرارة أو كمية المطر.

وماذا يعني ذلك لسوريا؟

بالنسبة لسوريا، لا يعني هذا أن كل صيف قادم سيكون أشد حرارة أو أن كل شتاء سيكون أكثر مطراً.

لكن ارتفاع درجة حرارة المنطقة يمكن أن يزيد من أهمية مراقبة عدد من المخاطر في الوقت نفسه:

موجات الحر، الجفاف، الحرائق، الإجهاد المائي، الأمطار الغزيرة قصيرة المدة، والسيول المفاجئة.

كما أن موقع سوريا في شرق المتوسط يجعلها حساسة للتغيرات في أنظمة الضغط والرطوبة القادمة من مناطق مختلفة، ولذلك لا يمكن استخدام الاتجاه العالمي وحده للتنبؤ بموسم مطري أو شتاء سوري محدد.

وهنا تصبح النماذج الموسمية مثل ECMWF وNOAA/CPC وCFS، إلى جانب مراقبة المحيطات وENSO، أدوات مهمة لفهم ما قد يحدث خلال الأشهر المقبلة.

الخلاصة: ليست «قاعدة جديدة».. لكنها احتمالات جديدة

السؤال «هل أصبح الطقس المتطرف هو القاعدة الجديدة؟» جذاب، لكنه يحتاج إلى إجابة علمية دقيقة.

لا، ليس بمعنى أن الطقس المتطرف سيصبح حالة يومية أو أن كل حدث جوي أصبح استثنائياً.

لكن نعم، المناخ الذي تحدث فيه هذه الظواهر تغير، وأصبح أكثر دفئاً، وهذا يزيد احتمال وشدة بعض أنواع الطقس المتطرف.

وصيف 2026 يقدم مثالاً واضحاً على ذلك: حرارة وجفاف وحرائق في أجزاء من أوروبا، حرارة مرتفعة للمحيطات على نطاق عالمي، وأحداث هطول وفيضانات شديدة في مناطق أخرى، بالتزامن مع تطور إل نينيو.

لذلك ربما يكون التعبير الأدق هو:

الطقس المتطرف ليس «الطبيعي الجديد»، لكن التطرف أصبح يحدث فوق خط أساس مناخي أكثر حرارة.

وهذا الفرق مهم جداً؛ لأنه يعني أن التحدي في السنوات المقبلة لن يكون فقط في محاولة معرفة أين ستحدث الظاهرة المتطرفة، بل أيضاً في الاستعداد لعالم يمكن أن تكون فيه بعض هذه الظواهر أكثر شدة وأسرع تأثيراً وأكثر تكلفة.

المصادر العلمية

  • المنظمة العالمية للأرصاد الجوية WMO: تقييم حالة الطقس والمناخ في يوليو وبداية أغسطس 2026.
  • خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ C3S: درجات الحرارة العالمية والمحيطات في يوليو 2026.
  • الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي NOAA/CPC: أحدث تشخيص وتوقعات ENSO وإل نينيو.
  • World Weather Attribution: دراسات إسناد موجات الحر والظواهر المتطرفة ودور تغير المناخ فيها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى