علماء صينيون يدرسون تحويل المناجم المهجورة إلى مزارع تحت الأرض

من دون شمس أو أمطار.. هل تصبح المناجم المهجورة جزءاً من مستقبل الزراعة؟
في وقت تواجه فيه الزراعة حول العالم ضغوطاً متزايدة بسبب الجفاف وارتفاع درجات الحرارة والظواهر الجوية المتطرفة، يبحث علماء صينيون عن طريقة غير تقليدية لإنتاج الغذاء: استخدام المساحات الموجودة تحت الأرض، بما فيها بعض المناجم المهجورة، لإنشاء بيئات زراعية مغلقة يمكن التحكم في ظروفها.
الفكرة تبدو للوهلة الأولى غريبة، لكنها ليست مجرد سيناريو من أفلام الخيال العلمي. فقد نشر باحثون صينيون دراسة تبحث في مدى ملاءمة المساحات الموجودة داخل المناجم لإنشاء مختبرات أو منشآت للزراعة تحت الأرض.
لكن هناك نقطة مهمة: الصين لم تبدأ بتحويل آلاف المناجم إلى مزارع تجارية، والمشروع لا يزال في إطار البحث والتقييم والتجارب المقترحة.
كيف يمكن للنبات أن ينمو من دون الشمس؟
الجواب هو الزراعة داخل بيئة يتم التحكم بها بالكامل تقريباً.
بدلاً من الاعتماد على ضوء الشمس، يمكن استخدام إضاءة صناعية، بينما يتم التحكم بدرجة الحرارة والرطوبة والمياه والتهوية وتركيز ثاني أكسيد الكربون وفق احتياجات المحاصيل.
وبذلك لا تصبح النباتات مرتبطة بشكل مباشر بحالة الطقس في الخارج؛ فلا موجة حر أو عاصفة أو أمطار غزيرة تصل إليها بالطريقة التي تصل بها إلى الحقول المفتوحة.
وهذه إحدى أهم النقاط التي تجعل الفكرة مثيرة للاهتمام في عصر يتزايد فيه تأثير تغير المناخ على الزراعة.
لماذا المناجم تحديداً؟
الصين تمتلك عدداً كبيراً من المناجم التي خرجت من الخدمة، وتترك هذه المواقع وراءها شبكة واسعة من الأنفاق والمنشآت والبنية التحتية.
ويرى الباحثون أن بعض هذه المساحات يمكن، بعد التأكد من سلامتها، إعادة استخدامها بدلاً من تركها مهجورة.
كما أن البيئة الموجودة تحت الأرض تتمتع بدرجة أكبر من الاستقرار الحراري مقارنة بالسطح، ويمكن الاستفادة من بعض الموارد الموجودة في المناجم، مثل المياه، بعد معالجتها والتأكد من صلاحيتها.
وتبحث الدراسة كذلك في إمكانية الاستفادة من الطاقة الحرارية الأرضية للمساعدة في توفير الظروف المناسبة للنباتات.
هل ستكون هذه المزارع أكثر كفاءة؟
هنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً.
فالزراعة تحت الأرض توفر تحكماً كبيراً بالبيئة، لكنها تحتاج في المقابل إلى كميات كبيرة من الطاقة، خصوصاً لتشغيل الإضاءة والتهوية وأنظمة التحكم بالمناخ.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل يمكن زراعة النباتات داخل المناجم؟، وإنما:
هل يمكن القيام بذلك بتكلفة وطاقة تجعلان المشروع قابلاً للتطبيق على نطاق واسع؟
وهذا أحد أهم التحديات التي لا تزال تحتاج إلى مزيد من الدراسات والتجارب.
الصين ليست وحدها
الفكرة ليست جديدة بالكامل.
ففي بريطانيا، يجري بالفعل اختبار الزراعة في أعماق الأرض داخل منجم Boulby في شمال يوركشاير، حيث تُزرع محاصيل في بيئة مغلقة على عمق كبير تحت سطح الأرض.
وتستخدم التجارب هناك تقنيات الزراعة الداخلية والإضاءة الاصطناعية لدراسة إمكانية إنتاج الغذاء في بيئة بعيدة عن الظروف الجوية المتقلبة.
هذه التجارب تعطي فكرة عن الاتجاه الذي تتحرك نحوه الزراعة الحديثة: ليس فقط تحسين الحقول الموجودة، وإنما إيجاد بيئات جديدة يمكن فيها فصل إنتاج الغذاء جزئياً عن الطقس والمناخ.
تغير المناخ يدفع الزراعة إلى البحث عن بدائل
تكمن أهمية الفكرة الصينية في توقيتها.
فالزراعة في كثير من مناطق العالم أصبحت تواجه مزيجاً من الضغوط: ارتفاع درجات الحرارة، تراجع الموارد المائية، موجات الجفاف، الفيضانات، وتزايد عدم انتظام الظروف الجوية.
ولا تستطيع الزراعة تحت الأرض أن تحل هذه المشكلات بمفردها، كما أنها لن تحل محل الحقول التقليدية.
لكنها قد تصبح في المستقبل جزءاً من منظومة أوسع لإنتاج الغذاء في بيئات خاضعة للتحكم، خصوصاً للمحاصيل ذات القيمة العالية أو في المناطق التي تصبح فيها الظروف المناخية أكثر صعوبة.
من مناجم الفحم إلى مزارع المستقبل؟
إذا أثبتت التجارب أن الفكرة قابلة للتطبيق اقتصادياً، فقد تقدم حلاً مزدوجاً: إعادة استخدام جزء من البنية التحتية للمناجم المهجورة، وفي الوقت نفسه إنتاج الغذاء في بيئة أقل تعرضاً لتقلبات الطقس.
لكن الطريق لا يزال طويلاً.
الفكرة موجودة، والدراسة موجودة، والتجارب المماثلة بدأت بالفعل في بعض الدول، لكن الحديث عن تحويل المناجم الصينية إلى مزارع ضخمة لا يزال سابقاً لأوانه.
والسؤال الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة ليس ما إذا كان النبات يستطيع النمو تحت الأرض، فقد أثبتت التجارب أنه يستطيع ذلك، وإنما ما إذا كان من الممكن إنتاج الغذاء بهذه الطريقة بكفاءة اقتصادية وطاقة مقبولة على نطاق واسع.
المصادر: الدراسة المنشورة في China Mining Magazine، وتقارير South China Morning Post وScienceAlert حول المقترح، إضافة إلى تقارير مشروع الزراعة تحت الأرض في منجم Boulby البريطاني.



