سوريا تطوي صفحة الليرة القديمة.. والاختبار الأصعب يبدأ غداً

نهاية مرحلة استبدال الليرة السورية القديمة.. ماذا بعد 30 يوليو؟
سوريا تدخل مرحلة نقدية جديدة مع انتهاء تداول العملة القديمة وبدء سحبها مركزياً لمدة خمس سنوات
تطوي سوريا اليوم، الخميس 30 يوليو/تموز 2026، المرحلة الأساسية من عملية استبدال الأوراق النقدية القديمة بالليرة السورية الجديدة، في خطوة بدأت مطلع العام الحالي وشكلت واحداً من أكبر التحولات النقدية التي شهدها الاقتصاد السوري خلال السنوات الأخيرة.
وبحسب مصرف سوريا المركزي، تنتهي مع نهاية اليوم مهلة الاستبدال عبر المصارف والمراكز المعتمدة، فيما تفقد الأوراق النقدية القديمة اعتباراً من 31 يوليو/تموز قوتها الإبرائية، أي أنها لن تعود وسيلة قانونية للدفع أو لتسوية الالتزامات المالية. ومع ذلك، لن تضيع قيمة الأوراق القديمة فوراً، إذ تبدأ مرحلة جديدة لسحبها تمتد خمس سنوات وتتم حصراً عبر مصرف سوريا المركزي في دمشق وفق آلية محددة.
أكثر من 80% من العملة القديمة جرى استبدالها
أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان في يوليو أن عملية استبدال العملة وصلت إلى نحو 80%، بعد أن كانت قد تجاوزت 63% في نهاية مايو/أيار. ويعكس هذا التسارع حجم الأموال التي انتقلت من الأوراق القديمة إلى الإصدار الجديد خلال الأشهر الماضية.
وكانت العملية قد بدأت في الأول من يناير/كانون الثاني 2026 على أساس حذف صفرين من القيمة الاسمية، بحيث تعادل 100 ليرة سورية قديمة ليرة سورية جديدة واحدة، مع تأكيد المصرف المركزي أن الإجراء لا يمثل خفضاً للقيمة الحقيقية للمدخرات أو الأجور أو العقود، وإنما إعادة التعبير عن القيم النقدية بوحدة حساب جديدة.
وتكشف البيانات الرسمية عن حجم العملية؛ ففي فبراير/شباط أعلن المصرف المركزي أنه استبدل أكثر من 13 تريليون ليرة قديمة من أصل كتلة نقدية مقدرة بنحو 42 تريليون ليرة، أي ما يعادل 35% في ذلك الوقت.
ماذا يحدث للعملة القديمة اعتباراً من الغد؟
انتهاء مهلة الاستبدال لا يعني أن من بقيت لديه أوراق قديمة فقد أمواله بشكل فوري.
اعتباراً من 31 يوليو تبدأ مرحلة «السحب» التي تستمر خمس سنوات. وخلال هذه الفترة سيكون مصرف سوريا المركزي في دمشق الجهة الوحيدة المخولة باستقبال طلبات سحب الأوراق القديمة.
وبحسب التعليمات المعلنة، يجب ألا يقل الطلب عن 100 ورقة نقدية، وتخضع الأوراق للتدقيق والموافقة قبل تحويل قيمتها إلى حساب مصرفي بالليرة السورية الجديدة. كما أعلن المصرف أن عملية السحب تتم من دون رسوم أو عمولات أو ضرائب.
وهنا يتغير شكل العملية بصورة واضحة: فبعد أن كان المواطن يستطيع استبدال أمواله عبر شبكة واسعة من المصارف والمراكز، ستصبح العملية بعد 30 يوليو أكثر مركزية وتوثيقاً.
لماذا تريد سوريا إنهاء التعايش بين العملتين؟
لا يتعلق الأمر فقط بتغيير شكل الأوراق النقدية.
وجود عملتين متزامنتين لفترة طويلة يفرض على الاقتصاد التعامل مع وحدتي حساب، ويزيد تعقيدات التسعير والمحاسبة وإدارة النقد، فضلاً عن تكاليف نقل وفرز وتخزين وإتلاف الأوراق القديمة.
ومن الناحية العملية، فإن إنهاء التعامل بالعملة القديمة يسمح للمصرف المركزي بالانتقال إلى نظام نقدي موحد، ويضع حداً للمرحلة الانتقالية التي بدأت مع إطلاق الليرة الجديدة مطلع العام.
لكن الأهم اقتصادياً هو ما سيحدث بعد انتهاء عملية الاستبدال.
فنجاح استبدال الأوراق لا يعني بالضرورة نجاح الإصلاح النقدي بأكمله.
هل نجحت العملية في سحب النقد من الاقتصاد؟
هنا تظهر واحدة من أهم النقاط التي ينبغي التفريق بينها.
هناك فرق بين استبدال الأوراق النقدية وبين إعادة الأموال إلى الجهاز المصرفي.
فإذا سلم المواطن 10 ملايين ليرة قديمة وحصل على ما يعادلها من الليرة الجديدة نقداً، فقد نجح المصرف المركزي في سحب الأوراق القديمة وإحصاء جزء من الكتلة النقدية، لكنه لم ينجح بالضرورة في إدخال تلك الأموال إلى المصارف.
قد يعود النقد الجديد إلى المنزل أو السوق أو يتحول إلى الدولار أو الذهب.
ولهذا فإن المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط عدد الأوراق القديمة التي جرى سحبها، وإنما:
- حجم الودائع المصرفية.
- نسبة النقد المتداول خارج المصارف.
- تطورات سعر الصرف.
- اتجاهات التضخم.
- حجم التعاملات بالليرة مقابل الدولار.
- قدرة المصارف على تمويل النشاط الاقتصادي.
وهذه النقطة مهمة خصوصاً في اقتصاد لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على النقد خارج النظام المصرفي.
استبدال العملة لا يعني تلقائياً انخفاض الأسعار
من أكثر الأفكار التي قد تسبب التباساً لدى المواطنين الاعتقاد بأن حذف صفرين يعني أن الأسعار ستنخفض فعلياً.
وهذا غير صحيح من الناحية الاقتصادية.
إذا كانت سلعة ما تكلف 10 آلاف ليرة قديمة، فإنها تصبح 100 ليرة جديدة وفق معيار التحويل، لكن القوة الشرائية لم تتغير لمجرد تغيير الوحدة الحسابية.
ولهذا أكد مصرف سوريا المركزي منذ بداية العملية أن استبدال العملة لا يؤدي بحد ذاته إلى تغيير القدرة الشرائية أو الحقوق المالية.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في طريقة إعادة التسعير.
فإذا استغل بعض التجار الانتقال بين الوحدتين لتقريب الأسعار إلى الأعلى، فقد تظهر زيادات فعلية في أسعار بعض السلع والخدمات، رغم أن عملية حذف الأصفار نفسها لا تولد تضخماً.
وهذا يجعل الرقابة على الأسواق ووضوح الأسعار خلال المرحلة الانتقالية أمراً بالغ الأهمية.
المشكلة الحقيقية ليست في عدد الأصفار
تغيير العملة يمكن أن يجعل المعاملات اليومية أكثر سهولة ويقلل حجم الأرقام المستخدمة في الرواتب والفواتير والمحاسبة.
لكن هذه الخطوة وحدها لا تعالج جذور الأزمة النقدية السورية.
فالبنك الدولي يشير إلى أن الاقتصاد السوري بدأ يظهر تحسناً نسبياً، مع تقديرات بتراجع التضخم إلى 11.5% في 2025 مقارنة بـ72.1% في 2024، وتحسن قيمة الليرة منذ نهاية 2024، لكنه يؤكد في الوقت نفسه استمرار المخاطر وعدم تجانس التعافي بين القطاعات.
وبالتالي فإن استقرار الليرة على المدى الطويل سيعتمد بدرجة أكبر على قدرة الاقتصاد على زيادة الإنتاج، وتحسين التجارة والاستثمار، وتطوير النظام المصرفي، وتعزيز الثقة بالعملة، وليس على تغيير تصميم الأوراق النقدية وحده.
ماذا عن التضخم وسعر الصرف؟
من الناحية الاقتصادية، لا يمكن توقع أن يؤدي استبدال الأوراق وحده إلى رفع قيمة الليرة أو خفض التضخم بصورة مستدامة.
قيمة العملة تتأثر بعوامل أوسع، من بينها:
الإنتاج المحلي، الصادرات، الواردات، تدفقات العملات الأجنبية، الإنفاق الحكومي، السياسة النقدية، الثقة بالنظام المصرفي، وحجم الدولرة في الاقتصاد.
وكانت رويترز قد أشارت عند الإعلان عن خطة العملة الجديدة إلى أن حذف صفرين يستهدف تبسيط التعاملات واستعادة الثقة بالليرة، لكنه لا يمثل علاجاً مستقلاً للمشكلات الاقتصادية التي تراكمت خلال سنوات الحرب.
وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة: هل تتحول الليرة الجديدة إلى جزء من إصلاح نقدي ومصرفي متكامل، أم تبقى مجرد تغيير في وحدة الحساب؟
هل تكشف العملية الأموال الموجودة خارج النظام المصرفي؟
من الممكن أن تساعد عملية استبدال العملة في إعطاء السلطات صورة أفضل عن حجم الأوراق النقدية التي عادت إلى النظام الرسمي، لكنها لا يمكن اعتبارها بمفردها أداة شاملة لكشف الثروات غير المشروعة.
فالمرحلة الثانية، التي ستتطلب تقديم الأوراق القديمة إلى المصرف المركزي وتحويل قيمتها إلى حساب مصرفي، توفر مستوى أعلى من التوثيق مقارنة بالاستبدال النقدي المباشر.
لكن ذلك لا يعني أن كل مبلغ كبير هو مبلغ مشبوه، ولا أن استبدال العملة قادر وحده على كشف الأموال غير القانونية.
فالثروات الكبيرة يمكن أن تكون موجودة في صورة دولار أو ذهب أو عقارات أو أصول خارج البلاد، بينما تحتاج مكافحة غسل الأموال إلى نظام متكامل من الرقابة المصرفية والقواعد القانونية والتحقق من مصادر الأموال.
التحدي الأكبر: ماذا ستفعل سوريا بالليرة الجديدة؟
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في القصة كلها.
انتهاء عملية الاستبدال ليس نهاية الإصلاح النقدي، بل بدايته الفعلية.
فالنجاح الحقيقي سيظهر إذا تمكنت السلطات خلال الأشهر والسنوات المقبلة من:
إعادة الثقة بالمصارف، زيادة الودائع، تقليص الاعتماد على النقد، تطوير المدفوعات الإلكترونية، الحد من الدولرة، ضبط العجز المالي، تحسين أدوات السياسة النقدية، ودعم الإنتاج المحلي.
وهذه الإصلاحات هي التي يمكن أن تمنح الليرة الجديدة قيمة اقتصادية مستقرة، وليس مجرد كونها تحمل أرقاماً أصغر.
من «استبدال الأوراق» إلى اختبار الثقة
تدخل سوريا اعتباراً من غد مرحلة مختلفة تماماً.
فالمرحلة الأولى كانت اختباراً لوجستياً ضخماً: سحب الأوراق القديمة، توزيع الجديدة، وإدارة عملية استبدال على نطاق وطني.
أما المرحلة الثانية فهي اختبار للثقة.
فإذا عاد النقد الجديد إلى المنازل والأسواق خارج المصارف، فلن يتغير الكثير في بنية الاقتصاد النقدية.
أما إذا نجحت السلطات في تحويل جزء معتبر من هذه السيولة إلى ودائع وتمويل واستثمار وإنتاج، فقد تتحول عملية تغيير العملة من مجرد إعادة ترتيب للأوراق النقدية إلى مدخل لإصلاح نقدي أوسع.
ولهذا، فإن السؤال الذي سيحدد نجاح التجربة السورية لم يعد:
كم ورقة قديمة جرى استبدالها؟
بل أصبح:
كم من الليرة الجديدة ستبقى داخل النظام المصرفي، وكم ستزداد قيمتها الحقيقية في الاقتصاد خلال السنوات المقبلة؟
الخلاصة
مع انتهاء المرحلة الأولى من استبدال العملة السورية، تكون السلطات قد قطعت شوطاً كبيراً في الانتقال إلى الليرة الجديدة، بعدما تجاوزت نسبة الاستبدال 80% وفق تصريحات حاكم مصرف سوريا المركزي. لكن هذه النسبة، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها للحكم على نجاح الإصلاح.
فالاختبار الحقيقي يبدأ في 31 يوليو/تموز 2026: هل تستقر الأسعار؟ هل تتراجع الدولرة؟ هل تتوسع الودائع؟ هل تستعيد المصارف دورها في الاقتصاد؟ وهل تتحول الليرة الجديدة إلى أداة مستقرة للادخار والاستثمار والتبادل؟
هذه الأسئلة ستكون أهم بكثير من شكل الورقة النقدية أو عدد الأصفار المطبوعة عليها.
مصادر وقراءات: مصرف سوريا المركزي ووكالة سانا، رويترز، الجزيرة، CNN الاقتصادية، والبنك الدولي.


