دراسات مناخية

رياح أقوى تقترب من المنطقة العربية.. دراسة تكشف تحولًا مناخيًا لافتًا

كشفت دراسة علمية حديثة عن تغيرات لافتة في أنظمة الرياح السطحية خلال العقود الأخيرة، مع ظهور مناطق واسعة تشهد اشتدادًا في نشاط الرياح، خصوصًا خلال فصل الشتاء، وتمتد من الصحراء الكبرى عبر شبه الجزيرة العربية وصولًا إلى أجزاء من آسيا الوسطى.

وتأتي هذه النتائج في وقت تتزايد فيه أهمية فهم التغيرات التي تطرأ على الغلاف الجوي، ليس فقط بسبب تأثيرها المباشر في الطقس، وإنما لما يمكن أن تتركه من آثار على الغبار والعواصف الرملية والزراعة والطاقة وجودة الهواء.

الدراسة، التي نشرها الباحثان عادل الصالحي وعصام حجي في دورية Journal of Geophysical Research: Atmospheres، اعتمدت على بيانات إعادة التحليل المناخي ERA5-Land للفترة الممتدة من عام 1981 حتى 2024، بهدف رصد التغيرات طويلة الأمد في أنظمة الرياح حول العالم.

حزام من الرياح الأقوى

بدل الاعتماد على متوسط سرعة الرياح فقط، ركز الباحثون على تكرار الأشهر التي تتجاوز فيها سرعة الرياح القصوى عند ارتفاع 10 أمتار 10 أمتار في الثانية، ثم قارنوا الفترة الحديثة 2005–2024 بالفترة المرجعية 1981–2000.

وأظهرت النتائج وجود حزام واضح من اشتداد الرياح بين نحو 20 و40 درجة شمالًا، يمتد من الصحراء الكبرى عبر شبه الجزيرة العربية والمناطق الجافة المحيطة بها إلى آسيا الوسطى.

وفي أجزاء من هذا النطاق، ارتفعت سرعة الرياح بنحو 5 إلى 8%، بينما ازداد عدد الأشهر التي تشهد رياحًا قوية بنحو 1.5 إلى 2.5 شهر سنويًا مقارنة بالفترة المرجعية.

وكان التغير أكثر وضوحًا خلال فصل الشتاء، إذ كانت الإشارة في هذا الفصل أكبر بنحو مرتين إلى ثلاث مرات من التغير المسجل خلال الصيف.

ماذا يعني ذلك للعواصف الغبارية؟

تعد الرياح أحد المحركات الأساسية للعواصف الرملية والغبارية، خصوصًا في المناطق الصحراوية والجافة.

وعندما تزداد سرعة الرياح أو يتكرر حدوث الرياح القوية، يمكن أن تصبح الظروف أكثر ملاءمة لرفع جزيئات الغبار من سطح الأرض ونقلها لمسافات طويلة.

لكن الدراسة لا تعني أن زيادة الرياح ستؤدي تلقائيًا إلى زيادة العواصف الغبارية في كل منطقة. فحدوث العاصفة يعتمد أيضًا على رطوبة التربة، والغطاء النباتي، وطبيعة سطح الأرض، واتجاه الرياح ومدتها.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في المنطقة العربية، التي تضم الصحراء الكبرى والصحراء العربية ومناطق واسعة شديدة الجفاف، وهي من أهم مصادر الغبار في العالم.

كما يمكن للغبار المنطلق من شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية أن ينتقل لمسافات كبيرة، بحيث يصل إلى البحر المتوسط وأوروبا ومناطق أخرى بعيدة عن مصدره.

لماذا يزداد الاهتمام بهذه التغيرات؟

لا تقتصر أهمية الرياح القوية على العواصف الغبارية.

فالرياح يمكن أن تؤثر في تعرية التربة والمحاصيل الزراعية والبنية التحتية والنقل وإنتاج الطاقة.

وفي المناطق الزراعية الجافة، يمكن للرياح القوية أن تزيد فقدان الرطوبة من التربة وتساهم في نقل التربة السطحية، كما يمكن أن تسبب أضرارًا للمحاصيل في مراحل معينة من نموها.

أما في قطاع الطاقة، فقد تحمل الرياح الأقوى فوائد محتملة لمشروعات طاقة الرياح، لكنها في المقابل قد تزيد الأحمال الميكانيكية على التوربينات. وبالنسبة إلى الطاقة الشمسية، فإن زيادة الغبار المحمول في الهواء أو ترسبه على الألواح يمكن أن يخفض كفاءة إنتاج الكهرباء ويرفع الحاجة إلى عمليات التنظيف والصيانة.

التغير ليس عالميًا بالاتجاه نفسه

من أهم ما توصلت إليه الدراسة أن الأرض لا تتجه ببساطة نحو عالم تزداد فيه سرعة الرياح في كل مكان.

فالباحثون وجدوا تغيرات متعاكسة بين المناطق؛ ففي الوقت الذي ظهرت فيه مناطق اشتداد للرياح في النطاق شبه المداري الجاف، سجلت مناطق أخرى، خصوصًا في أجزاء من خطوط العرض المتوسطة شمالًا، اتجاهًا نحو انخفاض نشاط الرياح.

ويرتبط ذلك بإعادة تنظيم أوسع في الدورة العامة للغلاف الجوي، بما في ذلك التغيرات في دورة هادلي والتيارات النفاثة والتدرجات الحرارية والضغطية.

وتشير هذه النتائج إلى أن تأثير تغير المناخ في الرياح أكثر تعقيدًا من مجرد القول إن «الرياح ستصبح أقوى».

ماذا عن سوريا وبلاد الشام؟

تضع نتائج الدراسة المنطقة العربية ضمن نطاق جغرافي مهم من التغيرات التي رصدها الباحثون، لكن لا يمكن استخدامها وحدها للقول إن سوريا أو أي دولة عربية ستشهد عددًا محددًا من العواصف الغبارية في المستقبل.

فالظروف المحلية، بما فيها التضاريس، ورطوبة التربة، والغطاء النباتي، ومسارات المنخفضات الجوية، والكتل الهوائية، تلعب دورًا أساسيًا في تحديد نشاط الرياح والغبار.

ومع ذلك، فإن وجود اتجاه إقليمي واضح يستحق المتابعة، خصوصًا بالنسبة إلى المناطق الجافة وشبه الجافة التي تكون أكثر حساسية لتغيرات الرياح والغبار.

إعادة رسم خريطة الرياح

تكمن أهمية الدراسة في أنها لا تقدم مجرد أرقام عن سرعة الرياح، بل تشير إلى تحول أوسع في التوزيع الجغرافي والموسمي للرياح القوية.

وفي ظل استمرار الاحترار العالمي، قد تتغير العلاقة بين المناطق المدارية وشبه المدارية وخطوط العرض المتوسطة، وهو ما ينعكس على حركة الغلاف الجوي ومسارات العواصف والرياح السطحية.

ولهذا يرى الباحثون أن مراقبة هذه التغيرات ستكون مهمة لتحسين فهم المخاطر المناخية المستقبلية، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على الزراعة والمياه والطاقة وتواجه أصلًا ضغوطًا من الجفاف والتصحر.

الخلاصة

تكشف الدراسة الحديثة عن اشتداد ملحوظ في الرياح ضمن حزام واسع يمتد من الصحراء الكبرى عبر شبه الجزيرة العربية إلى آسيا الوسطى، مع وضوح أكبر للتغير خلال فصل الشتاء.

ولا تعني النتائج أن المنطقة العربية ستشهد بالضرورة عواصف رملية أكثر في كل عام، لكنها تشير إلى تغير في أحد العوامل الرئيسية التي تتحكم في رفع الغبار ونقله.

ومع استمرار تغير المناخ، تصبح مراقبة اتجاهات الرياح أكثر أهمية، ليس فقط للتنبؤ بالعواصف الغبارية، وإنما أيضًا لفهم مستقبل الزراعة والطاقة وجودة الهواء والبنية التحتية في المنطقة العربية.

المصدر العلمي: Journal of Geophysical Research: Atmospheres، American Geophysical Union، دراسة Global Atmospheric Circulation Reorganization Drives Contrasting Wind Regime Changes Across Hemispheric Latitudes، 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى