دراسات مناخية

اكتشاف يفكك شيفرة “ولادة” المطر.. اكتشاف بنية خفية داخل السحب الدافئة

ظل تشكل المطر داخل السحب التي لا تحتوي على بلورات جليدية أحد الألغاز الأساسية في علم الغلاف الجوي. ففي حين تمتلك السحب الباردة مسارات معروفة نسبيًا تساعد قطرات الماء على النمو عبر الجليد، تعتمد السحب الدافئة على عملية مختلفة تمامًا تقوم أساسًا على تصادم قطرات الماء واندماجها حتى تصل إلى أحجام تسمح لها بالسقوط على شكل مطر.

لكن المشكلة أن قطرات السحب صغيرة للغاية، وغالبًا ما يكون نموها بالتصادم وحده أبطأ مما ينبغي لتفسير السرعة التي يبدأ بها هطول المطر في الطبيعة.

دراسة جديدة نشرت في دورية Proceedings of the National Academy of Sciences – PNAS في أغسطس/آب 2026 تقدم دليلًا جديدًا قد يساعد على تفسير هذه المفارقة، بعدما كشفت عن بنية داخلية غير متوقعة في السحب الركامية الضحلة: مناطق صغيرة جدًا تتجمع فيها قطرات الماء بكثافة أعلى بكثير من المناطق المحيطة بها.

السحب الدافئة.. مطر بلا حاجة إلى الجليد

ليست كل السحب بحاجة إلى بلورات جليدية حتى تنتج المطر. ففي ما يعرف بالسحب الدافئة، تكون درجات الحرارة داخل الجزء الذي تتشكل فيه القطرات أعلى من درجة التجمد، ولذلك تتكون السحابة أساسًا من قطرات ماء سائلة.

تبدأ هذه القطرات في النمو من خلال تكاثف بخار الماء على نوى التكاثف السحابية. لكن التكاثف وحده لا يفسر عادة انتقال القطرات بسرعة من أحجام صغيرة جدًا إلى أحجام يمكنها الاستمرار في النمو والسقوط كقطرات مطر.

وتظهر هنا عملية التصادم والاندماج. فعندما تصطدم قطرتان، يمكن أن تندمجا في قطرة أكبر، ومع تكرار العملية يمكن أن يصل بعضها إلى أحجام تسمح للجاذبية بالتغلب على التيارات الصاعدة داخل السحابة.

غير أن هذه العملية تواجه ما يسميه العلماء أحيانًا فجوة الحجم؛ إذ إن الانتقال من القطرات الصغيرة إلى القطرات الأكبر القادرة على النمو السريع لا يزال من أصعب مراحل تفسير بداية الهطول في السحب الدافئة. وقد أظهرت أبحاث حديثة أن التفاعل بين الاضطراب الجوي وتصادم القطرات قد يكون مهمًا جدًا في تجاوز هذه المرحلة.

أين تكمن المشكلة؟

لو كانت قطرات الماء موزعة بصورة متجانسة داخل السحابة، فإن احتمال اصطدام قطرة بأخرى سيكون محدودًا نسبيًا، خصوصًا عندما تكون القطرات صغيرة.

ولهذا ظل أحد الأسئلة المهمة هو: هل توجد داخل السحابة مناطق تتجمع فيها القطرات بصورة أكبر بكثير مما توحي به المتوسطات التقليدية؟

الإجابة الجديدة جاءت من قياسات دقيقة للغاية أجراها فريق البحث داخل السحب الركامية الضحلة.

وباستخدام منصة رصد جوية خاصة تعرف باسم CloudKite، تمكن الباحثون من إجراء تصوير هولوغرافي ثلاثي الأبعاد لقطرات الماء داخل السحابة، بدل الاعتماد فقط على قياسات جوية تمتد لمسافات طويلة ويتم فيها حساب متوسط توزيع القطرات.

والنتيجة كانت لافتة: قطرات الماء لم تكن موزعة بصورة متجانسة داخل السحابة، بل ظهرت مناطق صغيرة للغاية، بعضها دون المتر، تحتوي على تركيز مرتفع جدًا من القطرات.

«نقاط ساخنة» قد تكون بداية المطر

أهمية هذا الاكتشاف تكمن في أن تجمع القطرات في مساحة صغيرة يغير احتمالات تصادمها جذريًا.

فبدل أن تكون القطرات موزعة على حجم كبير من السحابة، تصبح في بعض المناطق أقرب إلى بعضها البعض. وهذا يعني أن فرص التصادم والاندماج ترتفع، ما يمكن أن يسمح لبعض القطرات بالنمو بسرعة أكبر من المتوسط.

ومع نمو هذه القطرات، تصبح أكثر قدرة على التقاط قطرات أصغر أثناء سقوطها، ما يسرع عملية النمو أكثر.

ولهذا يرى الباحثون أن هذه المناطق شديدة التركيز يمكن أن تمثل أماكن يبدأ فيها المطر داخل السحب الركامية الضحلة. لكنهم يؤكدون أن الدراسة تقدم دليلًا على وجود هذه البنية وعلاقتها المحتملة ببدء الهطول، وليس إثباتًا نهائيًا لكل الخطوات السببية التي تحولها إلى مطر.

ما الذي يصنع هذه التجمعات؟

هنا تكمن إحدى أهم النقاط التي لا تزال مفتوحة.

وجد الباحثون أن القطرات تتجمع في مناطق محددة، لكن الآلية الدقيقة التي تنشئ هذه البؤر شديدة التركيز لم تُحسم بعد.

ويشير الباحثون إلى أن الاضطرابات الصغيرة داخل السحابة قد تكون مرتبطة بتكوين هذه المناطق، إذ يمكن لحركة الهواء المضطربة أن تؤثر في حركة القطرات وتدفعها إلى مناطق معينة، بدل بقائها موزعة بصورة عشوائية.

وهذا يتوافق مع مجموعة متزايدة من الأبحاث التي تشير إلى أن الاضطراب داخل السحب ليس مجرد عامل ثانوي، بل قد يلعب دورًا أساسيًا في تسريع تصادم القطرات وتكوين المطر. وقد خلصت دراسة منشورة في PNAS عام 2024 إلى أن تأثير الاضطراب في تصادم القطرات واندماجها يمكن أن يؤدي إلى بدء المطر في وقت أبكر وزيادة كمية الهطول مقارنة بالنماذج التي تعتمد على التصادمات الناتجة عن الجاذبية وحدها.

لماذا لم نكتشف هذه البنية من قبل؟

المشكلة مرتبطة بالحجم.

قطرات السحب يبلغ قطرها عادة عشرات الميكرومترات، بينما يمكن أن تحدث التجمعات التي اكتشفها الباحثون على مقاييس مكانية صغيرة جدًا.

وعندما تقيس طائرة سحابة على امتداد مئات الأمتار أو كيلومترات، يمكن أن تختفي هذه البنية المحلية داخل المتوسط العام للبيانات.

أما القياسات الهولوغرافية التي استخدمها الفريق، فقد سمحت برؤية توزيع القطرات في مساحة صغيرة جدًا وبدرجة تفصيل لم تكن متاحة سابقًا بهذه الصورة.

وهذا هو أحد أهم جوانب الدراسة: ربما لم تكن المشكلة أن قطرات الماء لا تتجمع، بل أن أدوات القياس السابقة لم تكن قادرة على رؤية التجمعات الصغيرة التي تحدث داخل السحابة.

من قطرة صغيرة إلى قطرة مطر

يمكن تبسيط السيناريو الذي تطرحه النتائج على النحو التالي:

تبدأ قطرات الماء بالتكون داخل السحابة نتيجة تكاثف بخار الماء.

ثم تؤدي حركة الهواء والاضطرابات داخل السحابة إلى إعادة توزيع القطرات، بحيث تتشكل مناطق صغيرة تحتوي على عدد أكبر من القطرات.

في هذه المناطق، تصبح المسافات بين القطرات أصغر، فتزداد فرص التصادم.

تندمج بعض القطرات لتكوين قطرات أكبر.

ومع زيادة حجم قطرة معينة، تزداد قدرتها على جمع قطرات أخرى أثناء حركتها داخل السحابة.

وبمجرد وصول بعض القطرات إلى أحجام أكبر، يمكن أن تصبح عملية النمو أسرع بكثير، لتتحول في النهاية إلى قطرات رذاذ ثم قطرات مطر قادرة على السقوط إلى سطح الأرض.

وهنا قد تكون البنية المحلية للسحابة هي الحلقة المفقودة التي تساعد على تفسير كيف تبدأ العملية في وقت أقصر مما تتوقعه النماذج البسيطة.

هل حُل لغز المطر في السحب الدافئة؟

ليس بالكامل.

الدراسة تمثل تقدمًا مهمًا لأنها أثبتت رصديًا وجود تجمعات قوية ومحلية لقطرات الماء داخل السحب الركامية الضحلة، وهي تجمعات لم تكن تظهر بوضوح في القياسات السابقة.

لكن لا يزال العلماء بحاجة إلى معرفة كيف تتشكل هذه البؤر، وما الذي يحدد موقعها وحجمها ومدتها، وكيف تتحول فعليًا من مناطق تجمع للقطرات إلى مناطق يبدأ فيها الهطول.

ولهذا يخطط الفريق لإجراء حملات رصد ميدانية إضافية باستخدام منظومة CloudKite في مناطق مختلفة، بينها الأمازون وبحر البلطيق وشمال فنلندا، بهدف دراسة العلاقة بين الاضطراب الجوي وتجمع قطرات الماء بصورة أكثر تفصيلًا.

لماذا يهمنا فهم هذه العملية؟

قد يبدو السؤال متعلقًا بتفصيل مجهري داخل السحب، لكنه يرتبط مباشرة بفهم الطقس والمناخ.

فالسحب لا تتحكم فقط في هطول الأمطار، بل تلعب أيضًا دورًا مهمًا في توازن الطاقة على الأرض من خلال قدرتها على عكس الإشعاع الشمسي واحتجاز الإشعاع الحراري.

وتؤثر الطريقة التي تنمو بها قطرات الماء داخل السحابة في عمر السحابة، وكمية المطر التي تنتجها، وطريقة تطورها، وبالتالي في كيفية تمثيل السحب داخل نماذج التنبؤ العددي بالطقس والمناخ.

وتشير مجموعة الأبحاث الحديثة إلى أن تمثيل التفاعلات الدقيقة بين الاضطراب وقطرات الماء لا يزال يمثل تحديًا كبيرًا للنماذج العددية، خصوصًا عند المقاييس الصغيرة التي لا تستطيع النماذج الجوية التقليدية حلها بصورة مباشرة.

اكتشاف صغير داخل السحابة.. وتأثير محتمل على التنبؤ بالمطر

تكشف الدراسة الجديدة أن السحابة التي تبدو من الخارج كتلة بيضاء متجانسة تخفي في داخلها بنية شديدة التعقيد، وأن قطرات الماء قد لا تكون موزعة بالتساوي كما توحي الصور أو المتوسطات التقليدية.

فداخل هذه السحابة قد توجد مناطق صغيرة جدًا تتجمع فيها القطرات، وقد تكون هذه «النقاط الساخنة» أحد الأماكن التي تبدأ فيها رحلة القطرة من حجم مجهري إلى قطرة مطر.

لكن العلماء لا يعتبرون ذلك نهاية القصة، بل بداية لمرحلة جديدة من البحث.

فإذا أمكن تحديد كيفية تشكل هذه التجمعات، وربطها مباشرة ببدء الهطول، فقد يساعد ذلك مستقبلًا على تحسين الطريقة التي تمثل بها نماذج الطقس السحب والهطول، وبالتالي تحسين التنبؤ بالأمطار، خصوصًا في المناطق التي تعتمد على السحب الركامية الدافئة في جزء كبير من هطولها.

وبذلك، فإن أول قطرة مطر قد لا تبدأ قصتها داخل السحابة بطريقة عشوائية كما كان يُعتقد، وإنما داخل منطقة صغيرة جدًا تتجمع فيها قطرات الماء، فتتحول كثافتها المحلية إلى فرصة أكبر للتصادم والنمو.

ولا يزال السؤال الأكبر قائمًا: ما الذي يصنع هذه البؤر أصلًا؟

وهذا هو اللغز التالي الذي يسعى العلماء إلى حله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى