أخبار سوريا

درعا.. من «أهراء روما» إلى الزراعة تحت ضغط الجفاف والمياه

كيف تغيّرت زراعة حوران خلال قرون؟ ولماذا بدأ بعض المزارعين يعودون إلى القمح والشعير؟

حين يُذكر اسم درعا، قد يتبادر إلى الذهن اليوم كثير من الأشياء، لكن الزراعة كانت دائمًا جزءًا أساسيًا من هوية هذه المنطقة.

ففي جنوب سوريا، حيث تمتد سهول حوران وتلتقي الأرض البركانية الخصبة مع أمطار الشتاء، نشأت علاقة قديمة بين الإنسان والأرض جعلت المنطقة واحدة من أهم البيئات الزراعية في بلاد الشام.

ولسنوات طويلة ارتبط اسم حوران بالحبوب حتى شاع وصفها بأنها «أهراء روما» أو «سلة روما».

لكن هذا الوصف، رغم شهرته، يحتاج إلى بعض الدقة. فحوران التاريخية كانت إقليمًا أوسع من محافظة درعا الحالية، ولذلك فإن الحديث عن دورها الغذائي في العصر الروماني لا يعني أن حدود درعا الحديثة كانت وحدها مصدر الحبوب.

ومع ذلك، فإن الأدلة الأثرية والزراعية تؤكد أن منطقة حوران وبصرى عرفت زراعة الحبوب منذ عصور قديمة، إلى جانب البقوليات والزيتون والعنب وغيرها من المحاصيل.

واللافت أن قصة الزراعة في درعا لم تتوقف عند ذلك الإرث.

فخلال القرن العشرين، تغيرت الزراعة بصورة كبيرة. دخلت الآبار والمضخات، واتسعت الزراعة المروية، وظهرت محاصيل جديدة ذات قيمة اقتصادية أعلى.

ثم جاء الجفاف.

وبدأت المياه الجوفية بالتراجع في بعض المناطق.

وأصبح المزارع الذي كان يسأل قديمًا: هل أمطرت السماء؟ مضطرًا اليوم إلى أن يسأل سؤالًا آخر:

هل ما زال في البئر ماء؟

وهنا تبدأ قصة التحول الحقيقي في زراعة درعا.


أرض صنعتها الحبوب

تتمتع حوران بخصائص طبيعية ساعدت على قيام الزراعة منذ وقت مبكر.

فجزء كبير من المنطقة يتميز بتربة مرتبطة بالصخور البركانية والبازلتية، إلى جانب سهول واسعة ومناخ يسمح في السنوات المناسبة بزراعة الحبوب اعتمادًا على الأمطار.

وكانت الدورة الزراعية التقليدية منطقية جدًا بالنسبة إلى هذا المناخ.

تهطل الأمطار في الخريف والشتاء، تنمو الحبوب خلال الأشهر الباردة، ثم تنضج في الربيع وتحصد قبل دخول أشهر الصيف الجافة والحارة.

لم يكن هناك في هذه المنظومة حاجة إلى ضخ المياه طوال أشهر الصيف.

وكان القمح والشعير، إلى جانب البقوليات، في قلب النظام الزراعي.

وتشير الدراسات الأثرية في بصرى إلى العثور على أدلة على زراعة القمح والشعير والعدس والبازلاء والزيتون والعنب، كما تظهر السجلات التاريخية استمرار أهمية القمح والشعير في المنطقة خلال فترات لاحقة.

وهذا يجعل «حوران أرض الحبوب» أكثر من مجرد صورة رومانسية عن الماضي.

إنها هوية زراعية لها جذور تاريخية وأثرية واضحة.


القمح الحوراني.. ذاكرة وراثية للأرض

ومن أكثر ما يكشف عمق العلاقة بين المنطقة والحبوب وجود ما يعرف علميًا بـ القمح الحوراني Haurani، وهو من القمح القاسي.

وفي دراسة علمية منشورة في مجلة Genetic Resources and Crop Evolution، درس باحثون التنوع الوراثي للقمح الحوراني في عدة مناطق سورية، من بينها درعا.

وأظهرت الدراسة وجود اختلافات وراثية بين تجمعات القمح الحوراني بحسب البيئة التي نمت فيها.

وهذه النتيجة تحمل معنى مهمًا.

فالقمح الحوراني ليس مجرد اسم قديم لصنف من القمح، بل يمثل جزءًا من الذاكرة الوراثية للزراعة في سوريا، ومن قدرة المحاصيل المحلية على التكيف مع ظروف بيئية مختلفة.

ومن هنا يمكن فهم لماذا ظل القمح حاضرًا في حوران عبر أجيال متعاقبة.

فالمزارع لم يكن يزرع محصولًا عشوائيًا.

كان يزرع محصولًا عرفته الأرض وعرفه أهلها.


عندما دخل الماء إلى الحقل

لكن الزراعة لم تبقَ على حالها.

خلال القرن العشرين، تغيرت الأدوات وتغير معها شكل الحقل.

أصبح الوصول إلى الآبار والمضخات أسهل، وتوسعت الزراعة المروية، وأصبح بالإمكان زراعة محاصيل لم تكن تعتمد على الأمطار وحدها.

وهنا بدأت مرحلة جديدة.

بدل أن يكون القمح والشعير محور المشهد الزراعي، ظهرت مساحة أكبر للخضروات والأشجار المثمرة، ومن بينها البندورة والبصل والبطيخ والزيتون وغيرها.

كان التحول منطقيًا من الناحية الاقتصادية.

فالخضروات يمكن أن تحقق عائدًا نقديًا أكبر من الحبوب في بعض المواسم، كما أن توفر الري أعطى المزارع حرية أكبر في اختيار موعد الزراعة والمحصول.

لكن لهذه الحرية ثمنًا.

فالقمح البعلي يحتاج إلى المطر.

أما محصول صيفي مثل البندورة أو البطيخ فيحتاج إلى الماء في وقت تكون فيه السماء جافة في الغالب.

وبذلك انتقلت الزراعة من الاعتماد على المطر وحده إلى الاعتماد على منظومة جديدة:

المياه الجوفية + المضخة + الوقود + الكهرباء + السوق.


من نعمة الري إلى مشكلة المياه الجوفية

في البداية بدا الأمر وكأنه انتصار.

كلما توفر الماء أمكن توسيع الزراعة.

لكن المشكلة ظهرت تدريجيًا تحت سطح الأرض.

دراسة منشورة في Journal of Hydrology بحثت تأثير السياسات الزراعية والغذائية على استخدام المياه الجوفية في سوريا، وخلصت إلى أن توسع الري، إلى جانب دعم الوقود، ساهم في زيادة استخراج المياه الجوفية في بعض المناطق إلى مستويات غير مستدامة.

بعبارة بسيطة، أصبحت بعض الآبار تعطي أكثر مما تستطيع الطبيعة تعويضه.

وهنا بدأت المعادلة القديمة تتغير.

في الزراعة البعلية، إذا جاء المطر جاء المحصول، وإذا انقطع المطر تراجع الإنتاج.

أما في الزراعة المروية، فقد بدا أن الإنسان يستطيع التغلب على نقص المطر.

لكن المياه الجوفية ليست بلا نهاية.

ومع مرور السنوات، أصبح بعض المزارعين يواجهون آبارًا أعمق، ومضخات أقوى، وتكاليف أعلى، ومياهًا أقل.


تغير المناخ يضيف طبقة جديدة من الضغط

لو كانت المشكلة في المياه وحدها لكان بالإمكان التعامل معها باعتبارها مشكلة إدارة موارد.

لكن المناخ نفسه يتغير.

وتشير الدراسات المناخية في منطقة الهلال الخصيب إلى زيادة مخاطر الجفاف وارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط الهطول، في منطقة تعتمد فيها الزراعة بدرجة كبيرة على الأمطار.

وهذا مهم بالنسبة إلى درعا تحديدًا.

فارتفاع درجة الحرارة لا يعني فقط أن الجو أصبح أكثر حرارة.

بالنسبة إلى المزارع، يعني ذلك أيضًا:

مياه أكثر تفقدها التربة بالتبخر.

احتياجات مائية أعلى للمحاصيل.

إجهاد حراري أكبر للنبات.

وفترات أطول يمكن أن تمر فيها الأرض من دون رطوبة كافية.

وهكذا يمكن أن يصبح موسم المطر نفسه غير كافٍ إذا جاء في الوقت الخطأ أو توزع بطريقة مختلفة عن المعتاد.


من البندورة والزيتون إلى القمح والشعير؟

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى وكأنه عودة إلى الماضي.

لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا.

فالقمح الذي يزرع اليوم ليس بالضرورة جزءًا من النظام الزراعي القديم نفسه، والظروف الاقتصادية مختلفة، والمناخ مختلف، والسوق مختلف.

المزارع اليوم يواجه تكاليف الوقود والأسمدة والبذار والنقل والعمالة.

كما أن الجفاف أصبح أكثر قدرة على قلب الحسابات الزراعية خلال موسم واحد.

ولهذا فإن اختيار المحصول أصبح في بعض المناطق سؤالًا اقتصاديًا ومائيًا في آن واحد.

قد يحقق محصول ما ربحًا أعلى في سنة جيدة.

لكن إذا لم يكن الماء متاحًا، فلن يكون بالإمكان زراعته أصلًا.


عام 2025.. عندما ضرب الجفاف الحبوب

ظهر حجم المشكلة على المستوى السوري بوضوح خلال موسم 2024–2025.

وفق منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة FAO، بلغ إنتاج الحبوب السوري في عام 2025 نحو 1.2 مليون طن، أي أكثر من 60% دون متوسط السنوات السابقة.

وكان السبب الرئيسي هو الجفاف الشديد، إذ كانت الأمطار بين نوفمبر 2024 ومايو 2025 أقل من المتوسط طويل الأجل بأكثر من 50%.

وهذه أرقام تخص سوريا ككل، وليس محافظة درعا وحدها.

لكنها تكشف مدى حساسية الزراعة السورية لتغيرات المطر.

فحين ينخفض المطر بهذا الشكل، لا يستطيع الري وحده تعويض النقص في كل المناطق، خصوصًا عندما تكون المياه الجوفية نفسها تحت الضغط.


لكن 2026 حملت مفاجأة مختلفة

من السهل بعد موسم جاف جدًا أن نعتقد أن التدهور الزراعي يسير في اتجاه واحد.

لكن موسم 2025–2026 قدم تذكيرًا مهمًا بأن الزراعة السورية لا تتحرك في خط مستقيم.

فوفق أحدث تقديرات FAO، تحسنت الأمطار في موسم 2026، وتحسنت معها رطوبة التربة والظروف النباتية في العديد من مناطق إنتاج الحبوب.

وقدرت المنظمة إنتاج القمح السوري في 2026 بنحو 2.7 مليون طن، أي أكثر من 50% فوق متوسط السنوات الخمس السابقة.

هذه القفزة مهمة.

فهي تؤكد أن المطر ما زال يمتلك قدرة كبيرة على تغيير المشهد الزراعي السوري خلال موسم واحد.

لكنها لا تعني أن مشكلة المياه والجفاف قد انتهت.

بل تعني شيئًا آخر:

أن الزراعة في سوريا ما زالت شديدة الحساسية لتقلب المناخ.


فماذا بقي من «أهراء روما»؟

ربما يكون السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت درعا ما زالت «سلة غذاء» كما كانت في الماضي.

فالمقارنة بين اقتصاد زراعي قديم واقتصاد زراعي حديث ليست بسيطة.

السؤال الأهم هو:

هل ما زالت الأرض قادرة على لعب دور زراعي كبير في المستقبل؟

والإجابة، من الناحية الطبيعية، ليست مستحيلة.

درعا ما زالت تمتلك:

  • أراضي زراعية واسعة.
  • خبرة زراعية متوارثة.
  • أصنافًا ومحاصيل محلية ذات قيمة.
  • تاريخًا طويلًا في زراعة الحبوب.
  • إمكانية لتطوير تقنيات الري والزراعة المحافظة على المياه.

لكن الظروف تغيرت. والمستقبل لن يكون نسخة من الماضي.


الزراعة التي تحتاجها درعا غدًا

قد لا يكون الحل في العودة الكاملة إلى الزراعة القديمة.

كما أن الاستمرار في زراعة محاصيل شديدة الاستهلاك للمياه ليس بالضرورة خيارًا مستدامًا في المناطق التي تتراجع فيها الموارد المائية.

المطلوب هو شيء بين الاثنين:

زراعة تعرف حدود الماء.

وهذا يعني اختيار المحاصيل وفق الموارد المائية المتاحة، وتحسين كفاءة الري، واستخدام أصناف أكثر تحملًا للحرارة والجفاف، وتحسين إدارة التربة، وتقليل فاقد المياه، وربط القرارات الزراعية ببيانات المناخ والتوقعات الموسمية.

وقد يكون من المفيد أيضًا إعادة تقييم القيمة الزراعية للقمح والشعير والمحاصيل المحلية التي تطورت تاريخيًا في ظروف مناخية شبه جافة.

ففي عالم أكثر حرارة وتقلبًا، قد تصبح بعض الصفات التي كانت تُعد قديمة ذات قيمة جديدة.


من أهراء روما إلى «سلة مناخية» جديدة

ربما تكون أجمل مفارقة في قصة درعا أن المستقبل قد يعيدها إلى الحبوب، ولكن بطريقة مختلفة تمامًا.

لن تكون العودة إلى القمح عودة إلى الماضي. بل قد تكون جزءًا من محاولة بناء زراعة تتلاءم مع المناخ والمياه المتاحين.

فالدرس الذي تركته القرون الماضية واضح:

حوران لم تصبح منطقة حبوب بالصدفة. لقد تطورت زراعتها في انسجام مع الأرض والمطر والمناخ.

وعندما تغيرت العلاقة بين الأرض والماء، تغيرت الزراعة معها. واليوم، يبدو أن المنطقة تقف أمام تحول جديد.

فإذا كان السؤال في الماضي:

كم تستطيع الأرض أن تنتج؟

فإن سؤال المستقبل ربما سيكون:

كم تستطيع الأرض أن تنتج من دون أن تستنزف الماء الذي تحتاجه لكي تستمر؟

وهنا تحديدًا يمكن أن تبدأ قصة جديدة لدرعا.

ليست قصة «أهراء روما» التي تنظر إلى الماضي، وإنما قصة منطقة تحاول أن تجد صيغة زراعية تستطيع أن تعيش في مناخ القرن الحادي والعشرين.


المراجع العلمية والأممية

الدراسات العلمية

  1. Pagnotta, M. A., Impiglia, A., Tanzarella, O. A., Nachit, M. M., & Porceddu, E. (2005). Genetic variation of the durum wheat landrace Haurani from different agro-ecological regions. Genetic Resources and Crop Evolution, 51, 863–869.
  2. Aw-Hassan, A., Rida, F., Telleria, R., & Bruggeman, A. (2014). The impact of food and agricultural policies on groundwater use in Syria. Journal of Hydrology, 513, 204–215.
  3. Kelley, C. P., Mohtadi, S., Cane, M. A., Seager, R., & Kushnir, Y. (2015). Climate change in the Fertile Crescent and implications of the recent Syrian drought. Proceedings of the National Academy of Sciences.

المصادر الأممية والدولية

  1. Food and Agriculture Organization of the United Nations (FAO), Global Information and Early Warning System (GIEWS), Syrian Arab Republic – Country Brief, 2026.
  2. Food and Agriculture Organization of the United Nations (FAO), GIEWS, تقارير إنتاج الحبوب والجفاف في سوريا، 2025–2026.
  3. United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR), From Fields to Fleeing: How Climate Change is Uprooting Syrian Farmers in Dar’a Governorate, 2024.
  4. CGIAR / ICARDA، موارد ودراسات التنوع الوراثي للقمح في سوريا.

المصادر الأثرية والتاريخية

  1. French Ministry of Culture / Archaeology of Bosra, Vegetation and Crops – Bosra.
  2. French Ministry of Culture / Archaeology of Bosra، الدراسات المتعلقة بالبيئة والزراعة في بصرى وحوران خلال العصور القديمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى