طقس سوريا

تحوّل نمط الهطولات المطرية في سوريا وآثاره الحالية والمستقبلية

المناخ السوري يتغير

تحوّل نمط الهطولات المطرية في سوريا وآثاره الحالية والمستقبلية

دراسة تحليلية في التغير المناخي والهطولات والجفاف والفيضانات والأمن المائي والغذائي، مع حلول للتكيف

إعداد: المركز السوري للطقس والمناخ
التاريخ: آب/أغسطس 2026


لم تعد قضية الأمطار في سوريا قابلة للاختزال في سؤال: «هل أصبحت سوريا أكثر جفافاً أم لا؟».

المشكلة الأعمق هي أن النظام المطري نفسه بدأ يتغير.

فالدراسات المناخية المتاحة لسوريا، إلى جانب تقييمات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، تشير إلى اتجاه طويل الأمد نحو ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة الطلب التبخري على المياه، وتفاقم الجفاف في منطقة شرق المتوسط، بالتزامن مع تغيرات في كمية الهطول وتوزيعه الموسمي والزمني. كما أظهرت دراسة اعتمدت بيانات 71 محطة سورية للفترة 1991–2009 اتجاهات تناقصية في معظم المحطات، وبشكل أوضح خلال الشتاء والربيع، وهما الفصلان الأكثر أهمية للموارد المائية السورية.

لكن المشكلة لا تكمن فقط في انخفاض المجموع السنوي.

فالسيناريو الأكثر خطورة بالنسبة لسوريا هو أن تصبح كمية المطر السنوية أقل انتظاماً، وأن تتزايد الفجوة بين:

فترات طويلة بلا مطر ← ثم هطولات مركزة وشديدة خلال فترة زمنية قصيرة.

وهذا يعني أن هطول 100 ملم مثلاً لا يؤدي بالضرورة الوظيفة المائية نفسها التي كان يؤديها في الماضي إذا أصبح يهطل خلال عدد قليل من العواصف بدلاً من توزيعه على أسابيع أو أشهر.

وبالتالي فإن سوريا قد تواجه في المستقبل مفارقة مناخية خطيرة:

مطر أقل في المتوسط + جفاف أطول + أمطار أشد عند حدوثها + ارتفاع أكبر في التبخر = ضغط مائي أكبر بكثير من مجرد انخفاض كمية الأمطار.

وتتوافق هذه الصورة مع تقييمات IPCC للمتوسط، حيث تشير إلى ارتفاع مخاطر الجفاف المائي والزراعي والبيئي في منطقة المتوسط، وانخفاض الأمطار في أجزاء واسعة من المنطقة، مع استمرار احتمال زيادة شدة بعض الهطولات المتطرفة.

أما سوريا، فقد دخلت بالفعل مرحلة لا يمكن فيها التعامل مع المناخ باعتباره خلفية ثابتة للتنمية.

ففي موسم 2024–2025، سجلت مناطق سورية أزمة جفاف شديدة؛ وقدرت منظمة الأغذية والزراعة أن الهطول خلال الفترة من تشرين الثاني/نوفمبر 2024 إلى أيار/مايو 2025 كان أقل من المتوسط طويل الأمد بأكثر من 50%، مع انخفاض إنتاج الحبوب إلى نحو 1.2 مليون طن، أي أكثر من 60% دون المتوسط.

وفي الغوطة الشرقية، أشارت FAO في 2026 إلى انخفاض الهطول خلال موسم 2024–2025 بنسبة 54%، ووصفته بأنه الأسوأ خلال أربعين عاماً في المنطقة.

لذلك تقترح هذه الدراسة الانتقال من سياسة «إدارة المطر عندما يهطل» إلى سياسة جديدة تقوم على:

إدارة المخاطر المناخية قبل الهطول، وأثناءه، وبعده.


أولاً: السؤال المركزي للبحث

السؤال لم يعد: هل انخفضت الأمطار في سوريا؟… بل:

كيف تغير نظام الهطول المطري في سوريا خلال العقود الأخيرة، وما الذي نتوقعه خلال العقود المقبلة، وكيف يمكن للدولة والمجتمعات والقطاعات الاقتصادية التكيف مع هذا التغير؟

وينبثق عن ذلك خمسة أسئلة رئيسية:

  1. هل تغير متوسط الهطول السنوي؟
  2. هل تغير توزيع المطر بين الخريف والشتاء والربيع؟
  3. هل أصبحت الفترات الجافة أطول؟
  4. هل تغيرت طبيعة الهطولات الشديدة والقصيرة؟
  5. ماذا يعني ذلك للمياه والزراعة والمدن والفيضانات والأمن الغذائي؟

ثانياً: لماذا لا يكفي استخدام المتوسط السنوي للأمطار؟

من الأخطاء الشائعة في تحليل مناخ سوريا مقارنة مجموع الأمطار السنوي فقط.

فقد تسجل محطة ما 300 ملم في سنة معينة، وهو رقم قريب من المعدل التاريخي لكن توزيع هذه الكمية قد يكون مختلفاً جذرياً:

النمط القديم

20 ملم
15 ملم
12 ملم
25 ملم
18 ملم
10 ملم

أي أمطار موزعة تساعد التربة والمياه الجوفية والزراعة.

النمط الجديد المحتمل

10 ملم
0
0
0
75 ملم خلال عاصفة واحدة
0
0
110 ملم خلال عاصفة أخرى

المجموع قد يكون مشابهاً، لكن النتيجة الهيدرولوجية مختلفة تماماً.

في الحالة الثانية:

  • يرتفع الجريان السطحي.
  • تقل قدرة التربة على امتصاص المياه.
  • تزداد مخاطر السيول.
  • لا تستفيد الزراعة من كامل كمية المطر.
  • لا تصل كل الكمية إلى المياه الجوفية.
  • ثم تبدأ فترة جفاف طويلة.

ولهذا فإن تغير توزيع المطر قد يكون أكثر أهمية من تغير مجموع المطر نفسه.


ثالثاً: ماذا تقول الدراسات عن سوريا؟

أظهرت دراسة تحليلية شملت 71 محطة مطرية في سوريا خلال 1991–2009 اتجاهات تناقصية في معظم المحطات، مع انخفاض واضح خلال الشتاء والربيع، مقابل بعض الإشارات إلى زيادة طفيفة خلال الخريف.

وهذه النتيجة مهمة للغاية لأن الشتاء والربيع يمثلان الجزء الأساسي من الميزانية المائية السنوية في معظم المناطق السورية.

كما أظهرت دراسات سابقة باستخدام اختبارات Mann–Kendall وSen’s slope وجود اتجاهات تناقصية متكررة في سلاسل الهطول السورية، مع توصيات بدمج تحليل الاتجاهات المطرية في إدارة الموارد المائية والتخطيط للمخاطر.

لكن الصورة أصبحت أوضح مع الدراسات الأحدث.

فدراسة منشورة في 2026 اعتمدت ERA5-Land للفترة 1950–2024 قامت بتحليل مؤشرات التطرف الحراري والمطري على مستوى سوريا، وخلصت إلى أن التغيرات المناخية أصبحت جزءاً أساسياً من تفسير التحولات في الظروف المناخية المتطرفة في البلاد.

وهذا مهم لأن السلسلة الزمنية الممتدة إلى 1950 تسمح برؤية التغير ليس فقط مقارنة بعقد أو عقدين، وإنما ضمن فترة مناخية طويلة.


رابعاً: التغير الحقيقي قد يكون في «شكل الموسم المطري»

أحد أهم التحولات التي ينبغي مراقبتها في سوريا هو تغير توقيت المطر.

قد لا تختفي الأمطار من الموسم المطري، ولكنها قد:

  • تتأخر في بدايتها.
  • تنقطع لفترات أطول.
  • تأتي على شكل دفعات.
  • تنتهي مبكراً.
  • تصبح أكثر تقلباً من سنة إلى أخرى.

وهذا يعني أن المزارع قد يحصل على مجموع مطري مقبول في نهاية الموسم، لكنه يفشل زراعياً لأن الأمطار جاءت في التوقيت الخطأ.

وهذه المشكلة بدأت تظهر بالفعل.

فقد أشارت FAO إلى أن تأخر بداية الأمطار الموسمية أدى إلى تأخير زراعة محاصيل الحبوب في المناطق البعلية خلال موسم 2025–2026، رغم حدوث تحسن لاحق في رطوبة التربة بعد أمطار ديسمبر.

إذن: المشكلة ليست كمية المطر فقط، وإنما توقيته.


خامساً: الحرارة تجعل كل ملم من المطر أقل قيمة

هذه نقطة أساسية يجب ألا يغفلها أي تحليل للمناخ السوري.

إذا ارتفعت الحرارة، فإن التربة والنباتات والمسطحات المائية تفقد المياه بسرعة أكبر بسبب التبخر والنتح.

ولهذا يمكن أن تتساوى كمية الأمطار في عامين، لكن يكون العام الأكثر حرارة أكثر جفافاً من الناحية الفعلية.

وهذا ما تؤكده تقييمات IPCC لمنطقة المتوسط، حيث يؤدي ارتفاع الحرارة إلى زيادة الطلب التبخري وتجفيف التربة وتقليص المياه المتاحة، حتى عندما لا يكون انخفاض الهطول كبيراً.

وبعبارة مبسطة:

الماء الذي يدخل سوريا من السماء ليس هو نفسه الماء الذي يبقى في سوريا على الأرض.

وهذه النقطة ستكون جوهرية في المستقبل.


سادساً: سوريا أمام «مفارقة المطر»

قد يبدو الأمر متناقضاً:

كيف يمكن أن تعاني سوريا من الجفاف والسيول في الوقت نفسه؟

الجواب هو أن التغير المناخي لا يعني بالضرورة اختفاء الأمطار الغزيرة.

بل يمكن أن يجتمع: جفاف طويل + عاصفة شديدة + سيول + عودة سريعة للجفاف.

وتشير IPCC إلى أن منطقة المتوسط تواجه في الوقت نفسه زيادة في الجفاف ومخاطر المياه، بينما يمكن أن تزداد شدة بعض أحداث الهطول المتطرف في أجزاء من المنطقة.

وبالتالي فإن البنية التحتية السورية يجب ألا تُصمم فقط لمواجهة «قلة المطر»، بل يجب أن تكون قادرة على التعامل مع:

قلة المطر عندما نحتاجه + كثرة المطر عندما لا تستطيع المدن استيعابه.


سابعاً: ماذا بدأ بالفعل في سوريا؟

يمكن رصد مجموعة من الإشارات التي تؤكد أن القضية لم تعد مستقبلية فقط.

1. الجفاف الزراعي

شهدت سوريا خلال السنوات الأخيرة أزمات جفاف شديدة أثرت في الحبوب والمحاصيل البعلية.

وفي 2025 قدرت FAO إنتاج الحبوب بنحو 1.2 مليون طن، بأكثر من 60% دون المتوسط، نتيجة الجفاف وعوامل أخرى.

2. تراجع المياه الجوفية

تفاقم الاعتماد على الآبار والضخ الجوفي في مناطق زراعية كثيرة، بينما يؤدي الجفاف إلى زيادة الطلب على الري.

وهذا يخلق حلقة خطيرة:

قلة المطر → زيادة الضخ → انخفاض المياه الجوفية → زيادة كلفة الري → تراجع الزراعة → مزيد من الضغط على الموارد.

وقد وثقت FAO هذه المشكلة في الغوطة الشرقية، بما في ذلك الإفراط في ضخ المياه الجوفية وجفاف الآبار وتراجع تصريف نهر بردى.

3. تغير الموسم الزراعي

تأخر الأمطار أصبح عاملاً يؤثر في مواعيد الزراعة وليس فقط في الإنتاج النهائي.

4. تزايد هشاشة المدن

المدن السورية ليست مجهزة بالضرورة للتعامل مع تزايد احتمالات الهطولات الشديدة قصيرة المدة، خصوصاً مع التوسع العمراني وتراجع نفاذية الأرض.

5. ارتفاع التبخر

ارتفاع الحرارة يعني فقدان جزء أكبر من المياه من التربة والخزانات والمسطحات المائية.


ثامناً: ماذا سيحدث لاحقاً؟

لا يمكن إعطاء «توقع واحد» لمستقبل سوريا المناخي، لكن يمكن تحديد اتجاهات عالية الأهمية.

حتى 2030

الأرجح أن تصبح التقلبات السنوية أكثر أهمية من المتوسطات المناخية، وقد نشهد سنوات مطرية جيدة تتبعها سنوات شديدة الجفاف، مع صعوبة أكبر في الاعتماد على متوسطات الماضي في التخطيط.

2030–2050

ستزداد أهمية:

  • الجفاف الزراعي.
  • ندرة المياه.
  • انخفاض رطوبة التربة.
  • ارتفاع الطلب على الري.
  • تراجع موثوقية الزراعة البعلية في المناطق الهامشية.
  • مخاطر الهطولات الشديدة والسيول.

ويؤكد IPCC أن مخاطر الجفاف الزراعي والهيدرولوجي في المتوسط تتزايد مع الاحترار، وتصبح أكثر وضوحاً مع تجاوز مستويات الاحترار الأعلى.

2050–2100

إذا استمرت الانبعاثات المرتفعة، فإن الاتجاه نحو الجفاف المائي والمناخي في منطقة المتوسط سيصبح أكثر وضوحاً.

وتشير تقييمات IPCC إلى أن الأمطار السنوية في أجزاء واسعة من المتوسط قد تنخفض، بينما تزداد الحرارة والتبخر والجفاف.

وبالتالي فإن سوريا لن تواجه ببساطة: «مستقبلًا أكثر حرارة». بل قد تواجه:

مستقبلاً أكثر حرارة + أقل استقراراً مطرياً + أكثر عطشاً للمياه + أكثر تعرضاً للأحداث المتطرفة.


تاسعاً: التأثير على القطاعات السورية

الزراعة

القطاع الأكثر تعرضاً.

الحل لا يمكن أن يكون زيادة الآبار،بل يجب الانتقال إلى:

  • أصناف مقاومة للجفاف والحرارة.
  • تغيير مواعيد الزراعة وفق مؤشرات مناخية.
  • تطوير الزراعة الحافظة للرطوبة.
  • تقليل فقد المياه.
  • الري بالتنقيط حيثما كان مناسباً.
  • إعادة تقييم المحاصيل وفق الموارد المائية المتاحة.
  • توسيع نظم الإنذار المبكر للمزارعين.

وتؤكد IPCC أن إدارة المياه في المزرعة، وحفظ رطوبة التربة، وتخزين المياه، وتحسين الري من أهم خيارات التكيف، مع ضرورة تجنب أن يؤدي الري غير المنضبط إلى استنزاف المياه الجوفية.


عاشراً: المياه الجوفية يجب أن تصبح «احتياطياً استراتيجياً»

الخطأ الأكبر هو اعتبار المياه الجوفية مصدراً دائماً، في المناخ الجديد يجب التعامل معها باعتبارها:

بنكاً مائياً استراتيجياً. ويجب:

  1. قياس مناسيب المياه الجوفية باستمرار.
  2. تحديد معدلات السحب الآمن.
  3. منع الحفر العشوائي.
  4. استخدام عدادات ومراقبة رقمية للآبار الكبرى.
  5. إعادة تغذية الخزانات الجوفية حيث تسمح الظروف.
  6. استثمار مياه الأمطار الغزيرة في تغذية المياه الجوفية بدلاً من تركها تتحول إلى سيول.

وهنا تكمن إحدى أهم الفرص:

العاصفة المطرية التي تسبب فيضاناً يمكن أن تصبح مصدراً لإعادة شحن المياه الجوفية إذا صُممت البنية التحتية لذلك.


الحادي عشر: الحل الحضري – من تصريف المياه إلى حصادها

يجب إعادة النظر في فلسفة إدارة مياه الأمطار في المدن السورية.

النموذج التقليدي:

المطر → شبكة الصرف → خارج المدينة.

أما النموذج المستقبلي فيجب أن يكون:

المطر → احتجاز → تخزين → تسرب للتربة → تغذية جوفية → استخدام لاحق.

ويشمل ذلك:

  • خزانات مياه الأمطار.
  • أحواض تجميع.
  • حدائق مطرية.
  • أسطح خضراء حيث تكون مناسبة.
  • أرصفة نفوذة.
  • أحواض تغذية جوفية.
  • توسيع مناطق التصريف الطبيعي.
  • حماية مجاري السيول القديمة.
  • منع البناء في الممرات المائية.

الثاني عشر: الحل الزراعي – «كل قطرة يجب أن تنتج»

لا يكفي أن نزيد كمية المياه المتاحة، يجب أن نزيد إنتاجية كل متر مكعب. أي:

متر مكعب ماء → أكبر إنتاج غذائي ممكن.

وهذا يعني إعادة تقييم المحاصيل وفق:

  • استهلاك المياه.
  • القيمة الاقتصادية.
  • القيمة الغذائية.
  • القدرة على تحمل الحرارة.
  • القدرة على تحمل الجفاف.
  • ملاءمة المنطقة المناخية الجديدة.

الثالث عشر: إنشاء «نظام إنذار مناخي سوري»

من أهم الحلول التي يمكن تنفيذها حتى في ظل محدودية الموارد إنشاء نظام وطني متعدد المستويات:

المستوى الأول: المطر

مراقبة:

  • بداية الموسم.
  • كمية المطر.
  • توزيع المطر.
  • عدد الأيام الممطرة.
  • فترات الانقطاع.

المستوى الثاني: التربة

مراقبة:

  • رطوبة التربة.
  • العجز المائي.
  • الإجهاد الزراعي.

المستوى الثالث: المياه

مراقبة:

  • الأنهار.
  • السدود.
  • الآبار.
  • المياه الجوفية.

المستوى الرابع: التطرف

إنذار مبكر لـ:

  • السيول.
  • الأمطار الشديدة.
  • الجفاف.
  • موجات الحر.
  • الحرائق.

الرابع عشر: إنشاء قاعدة بيانات مناخية سورية موحدة

من أكبر مشكلات البحث المناخي في سوريا نقص واستمرارية البيانات الرصدية. ولهذا يجب إنشاء قاعدة وطنية موحدة تجمع:

  • سجلات محطات الأرصاد التاريخية.
  • بيانات الأمطار اليومية.
  • درجات الحرارة.
  • الثلوج.
  • الرطوبة.
  • الرياح.
  • بيانات الأنهار والسدود.
  • بيانات الآبار.
  • صور الأقمار الصناعية.
  • ERA5-Land.
  • CHIRPS.
  • GPM.
  • بيانات النماذج المناخية CMIP6.

ثم إجراء عملية:

Homogenization + Quality Control + Gap Filling

قبل تحليل الاتجاهات، وهذه الخطوة ضرورية لأن مقارنة محطات مختلفة دون معالجة تغير مواقع المحطات أو أجهزة القياس أو فترات الانقطاع قد تنتج اتجاهات مضللة.


الخامس عشر: ما الذي يجب أن نفعله الآن؟

خطة عاجلة 2026–2030

المياه

  • وقف التوسع غير المنضبط في الضخ الجوفي.
  • مراقبة مناسيب المياه الجوفية.
  • إصلاح شبكات المياه.
  • تقليل الفاقد.
  • إنشاء مشاريع حصاد مياه الأمطار.

الزراعة

  • التوسع في الأصناف المقاومة للجفاف.
  • تطوير الري الحديث.
  • تحسين توقيت الزراعة.
  • إعادة تقييم مناطق الزراعة البعلية.
  • تقديم نشرات مناخية زراعية للمزارعين.

المدن

  • تحديث خرائط مخاطر السيول.
  • تنظيف وتوسيع شبكات التصريف.
  • منع البناء في مسارات السيول.
  • اعتماد تصميمات حضرية تسمح بتسرب مياه الأمطار.

الأرصاد

  • تحديث شبكة المحطات.
  • زيادة المحطات الآلية.
  • دمج الرصد الأرضي بالأقمار الصناعية.
  • بناء نظام إنذار مبكر للأمطار الشديدة والجفاف.

السادس عشر: خطة متوسطة المدى 2030–2050

ينبغي الانتقال من مشاريع منفردة إلى إدارة مناخية متكاملة للأحواض المائية، أي أن كل حوض مائي يجب أن تكون لديه ميزانية:

مطر → جريان سطحي → تسرب → مياه جوفية → استهلاك زراعي → استهلاك منزلي → فاقد.

ثم تحديد الحد الأقصى الممكن للسحب، كما ينبغي إنشاء خرائط وطنية للمخاطر المناخية تشمل:

  • الجفاف.
  • السيول.
  • التصحر.
  • الحرائق.
  • تراجع المياه الجوفية.
  • الإجهاد الحراري.
  • تراجع الإنتاج الزراعي.

السابع عشر: الحل الأهم – تغيير طريقة التخطيط

لم يعد من الصحيح أن نقول: «كان متوسط المطر في المنطقة 400 ملم، ولذلك يمكن بناء خطة تعتمد على 400 ملم».

بل يجب أن يصبح السؤال: «ما احتمال أن نحصل على 400 ملم؟ وفي أي أشهر؟ وفي كم يوماً؟ وما نسبة هذه الكمية التي ستصل فعلياً إلى التربة والمياه الجوفية؟»

هذه هي النقلة الأساسية من: التخطيط المناخي التاريخي

إلى: التخطيط المناخي الاحتمالي.


الثامن عشر: ما الذي ينبغي أن يدرسه المركز السوري للطقس والمناخ ؟

تقترح الورقة إنشاء مشروع بحثي طويل الأمد بعنوان:

«مؤشر التغير المطري السوري – Syrian Rainfall Change Index»

ويشمل جميع المحافظات السورية.

ويتم حساب المؤشر سنوياً وفق خمسة عناصر:

  1. كمية الهطول.
  2. عدد الأيام الممطرة.
  3. طول فترات الجفاف.
  4. شدة الهطولات القصوى.
  5. توقيت بداية ونهاية الموسم المطري.

ثم إعطاء كل محافظة درجة سنوية من:

0 = استقرار مناخي مرتفع

إلى:

100 = تغير مطري شديد الخطورة.

وبذلك يصبح لدينا لأول مرة مؤشر سوري مبسط يمكن تحديثه كل عام. وهو ما نعكف على دراسته والبدء به سيكون قريبا….يتبع من المركز السوري للطقس والمناخ


التاسع عشر: فرضية الدراسة الأساسية

تصل الدراسة إلى فرضية مركزية قابلة للاختبار:

التغير المناخي في سوريا لا يظهر فقط في انخفاض متوسط الهطول، وإنما في إعادة توزيع المطر زمنياً ومكانياً، وزيادة عدم انتظام الموسم المطري، وتداخل فترات الجفاف مع أحداث الهطول الشديد، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة والتبخر، الأمر الذي يجعل التأثير الفعلي على الموارد المائية أكبر من التأثير الذي يمكن استنتاجه من مجموع المطر السنوي وحده.

وهذه الفرضية يجب اختبارها إحصائياً على السلاسل اليومية وليس السنوية فقط.


العشرون: كيف يجب أن تكون الدراسة العلمية النهائية؟

لكي تصبح هذه الورقة مرجعاً علمياً سورياً حقيقياً، ينبغي تنفيذ تحليل موحد للفترة:

1950–2025

مع تقسيمها إلى:

  • 1950–1980
  • 1981–2010
  • 2011–2025

ثم مقارنة كل فترة بما قبلها. وتحليل:

الهطول

  • السنوي.
  • الشهري.
  • الموسمي.
  • اليومي.

التطرف

  • أكبر هطول يومي.
  • أكبر هطول خلال 5 أيام.
  • عدد الأيام فوق 10 ملم.
  • عدد الأيام فوق 20 ملم.
  • عدد الأيام فوق 50 ملم.
  • أقصى فترة جفاف متصلة.

التوقيت

  • بداية الموسم المطري.
  • نهاية الموسم.
  • طول الموسم.
  • منتصف الموسم.

المياه

  • مؤشرات الجفاف.
  • رطوبة التربة.
  • الجريان السطحي.
  • المياه الجوفية.

الحرارة

  • المتوسط.
  • موجات الحر.
  • الأيام الحارة.
  • التبخر والطلب التبخري.

الحادي والعشرون: النتيجة الرئيسية

النتيجة الأهم ليست أن: «سوريا ستصبح أكثر جفافاً». هذه عبارة صحيحة جزئياً لكنها غير كافية. الرسالة الأكثر دقة هي:

سوريا تدخل نظاماً مناخياً تصبح فيه المياه أقل موثوقية.

وقد يكون المطر موجوداً، لكنه:

  • يأتي متأخراً.
  • يأتي مبكراً.
  • ينقطع لفترة طويلة.
  • يهطل بغزارة في وقت قصير.
  • لا يتوزع بالشكل الذي تحتاجه الزراعة.
  • يتبخر بسرعة أكبر بسبب ارتفاع الحرارة.

وهذا يعني أن التحدي المستقبلي لسوريا ليس فقط:

كمية المطر التي تسقط؟

بل:

متى تسقط؟ وأين؟ وبأي شدة؟ وكم منها يبقى في الأرض؟


الثاني والعشرون: التوصية الاستراتيجية الكبرى

إذا كان هناك قرار واحد يجب أن يبدأ العمل عليه الآن فهو:

إنشاء «الاستراتيجية الوطنية للمناخ والمياه في سوريا 2030–2050».

ويجب ألا تكون وثيقة بيئية فقط، بل استراتيجية مشتركة بين:

  • المياه.
  • الزراعة.
  • الأرصاد.
  • الإدارة المحلية.
  • التخطيط العمراني.
  • الطاقة.
  • الصحة.
  • الدفاع المدني.
  • البيئة.
  • التعليم والبحث العلمي.

لأن المناخ لم يعد ملفاً بيئياً منفصلاً، إنه ملف أمن مائي وغذائي واقتصادي واجتماعي.


الخلاصة

تظهر الأدلة العلمية أن سوريا لا تواجه تغيراً مناخياً مستقبلياً فقط، بل تشهد بالفعل تغيرات في الحرارة والجفاف والهطول والتطرفات المناخية.

وتتوافق النتائج السورية مع الاتجاه الأوسع في شرق المتوسط، حيث تتجه المنطقة نحو حرارة أعلى وطلب تبخري أكبر وجفاف أكثر شدة، مع تغيرات في الهطول واحتمال زيادة مخاطر بعض الأحداث المطرية الشديدة.

والأخطر أن آثار هذه التغيرات تتراكم فوق مشكلات موجودة أصلاً:

تدهور البنية التحتية + استنزاف المياه الجوفية + تراجع الزراعة + تغير المناخ + ضعف القدرة على التكيف.

لكن هذا لا يعني أن مستقبل سوريا المناخي حتمي.

فالعديد من إجراءات التكيف معروفة وقابلة للتطبيق، وتشمل تحسين إدارة المياه، وحصاد مياه الأمطار، وحفظ رطوبة التربة، وتحديث أنظمة الري، وتطوير أصناف زراعية أكثر تحملاً، وبناء أنظمة إنذار مبكر. وتؤكد IPCC أن هذه الإجراءات يمكن أن تقلل مخاطر الجفاف والمياه، بشرط إدارتها بطريقة تمنع استنزاف الموارد المائية نفسها.

والأهم أن التحرك بدأ بالفعل على مستوى بعض المشاريع. ففي يوليو/تموز 2026 وافق صندوق المناخ الأخضر على مشروع WATER-RES في سوريا للفترة 2026–2031، ويركز على إدارة المياه الجوفية، والبنية التحتية المقاومة للمناخ، وكفاءة استخدام المياه، وإعادة الاستخدام، والري الذكي مناخياً في مناطق متأثرة بشدة مثل أحواض بردى والعوج.

وهذا يؤكد أن القضية لم تعد نظرية.

المناخ السوري يتغير الآن.، والسؤال الذي سيحدد حجم الخسائر في المستقبل ليس: هل سيتغير المناخ؟

بل:

هل ستتغير سوريا بالسرعة الكافية لتتكيف معه؟


مراجع أساسية

  1. IPCC, Climate Change 2021: The Physical Science Basis, Chapters 10–12.
  2. IPCC, Climate Change 2022: Impacts, Adaptation and Vulnerability – Mediterranean Region.
  3. Zeleňáková et al., Spatial and Temporal Variability of Rainfall Trends in Response to Climate Change—A Case Study: Syria, Water, 2022.
  4. Trends of rainfall as a support for integrated water resources management in Syria, Desalination and Water Treatment.
  5. Aksu et al., Climate change-induced variabilities and most recent normal in climate extremes using ERA5-Land reanalysis data in Syria from 1950 to 2024, Climate Dynamics, 2026.
  6. FAO Syria – بيانات الجفاف والإنتاج الزراعي وموسم 2024–2025.
  7. Green Climate Fund – WATER-RES Syria, 2026–2031.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى