دراسات مناخية

الاحترار العالمي يربك علاقة عمرها قرون بين المحيطين الهادئ والهندي

كشفت دراسة علمية حديثة عن تغير استثنائي في العلاقة المناخية التي تربط بين المحيطين الهادئ والهندي، في نتيجة قد تكون لها انعكاسات مهمة على فهم العلماء لتوزيع الأمطار والجفاف والظروف الجوية في مناطق واسعة من آسيا وأفريقيا وأستراليا.

الدراسة، التي نشرت في دورية Nature Communications في 26 أغسطس/آب 2026، جمعت بين سجلات مناخية حديثة، وبيانات مناخية قديمة محفوظة في الشعاب المرجانية وحلقات الأشجار والصواعد الكهفية، إلى جانب محاكاة نماذج مناخية تمتد إلى نحو ألف عام.

وخلص الباحثون إلى أن الترابط المعتاد بين النظامين المحيطيين تعرض لاضطراب كبير خلال العصر الحديث، وأن هذا التغير الحديث يختلف عن الاضطراب التاريخي الذي حدث خلال القرن التاسع عشر، عندما أدت ثورات بركانية ضخمة إلى تبريد مؤقت للمناخ.

لماذا يرتبط المحيط الهادئ بالمحيط الهندي؟

قد يبدو المحيطان نظامين منفصلين، لكنهما في الواقع مرتبطان بشبكة معقدة من التفاعلات بين المحيط والغلاف الجوي.

ومن أهم حلقات هذه الشبكة دورة ووكر، وهي نظام واسع من حركة الهواء فوق المناطق الاستوائية يرتبط بالفروق في درجات حرارة سطح البحر والضغط الجوي.

فعندما ترتفع حرارة مناطق معينة من المحيط الهادئ، تصعد الكتل الهوائية فوق المياه الدافئة، ثم تتحرك في طبقات الجو العليا وتهبط في مناطق أخرى، قبل أن تعود بالقرب من سطح البحر. وتؤثر هذه الدورة في الرياح والضغط وحركة الرطوبة، ويمكن أن تمتد تأثيراتها من المحيط الهادئ إلى المحيط الهندي عبر ما يعرف بالجسر الجوي.

ولهذا فإن التغيرات في المحيط الهادئ، ولا سيما المرتبطة بظواهر مثل النينيو والنينيا، يمكن أن تؤثر في درجة حرارة المحيط الهندي وفي أنماط الأمطار الموسمية في مناطق بعيدة.

وتؤكد أبحاث سابقة أن التغيرات في المحيط الهادئ يمكن أن تؤثر في التذبذبات طويلة المدى للمحيط الهندي، وأن هذه التفاعلات ترتبط بالمناخ الإقليمي والجفاف والأمطار في المناطق المحيطة بالمحيط الهندي.

ماذا تغير خلال العقود الأخيرة؟

وجد الباحثون أن المحيط الهندي شهد احترارًا مستمرًا منذ منتصف القرن العشرين، بمعدل يقارب 0.1 درجة مئوية لكل عقد في بعض التقديرات المستخدمة في الدراسات المناخية.

ويعد المحيط الهندي من أسرع أحواض المحيطات الاستوائية ارتفاعًا في درجات حرارتها، وقد أظهرت دراسات سابقة أن ارتفاع درجة حرارة سطحه منذ خمسينيات القرن الماضي يرتبط بدرجة كبيرة بالتغير المناخي الناتج عن النشاط البشري.

وفي المقابل، تغيرت خصائص دورة ووكر في المحيط الهادئ خلال العقود الأخيرة، وأصبح التفاعل التقليدي بين تقلبات المحيط الهادئ والمحيط الهندي أقل استقرارًا.

وتشير الدراسة الجديدة إلى أن الاحترار العالمي أصبح عاملًا قادرًا على تغيير التوازن بين التأثير القادم من المحيط الهادئ والعمليات التي تحدث داخل المحيط الهندي نفسه.

هل انقلبت العلاقة فعلًا؟

هنا تحتاج النتيجة إلى قدر من الدقة.

فالمسألة ليست أن المحيطين «انفصلا» تمامًا، ولا أن كل تأثير للهادئ على الهندي قد اختفى.

المقصود أن العلاقة الإحصائية والديناميكية التي كانت تربط تغيرات النظامين أصبحت أضعف بصورة استثنائية، بل تغيرت إشارتها في بعض المؤشرات خلال الفترة الحديثة.

وبعبارة أبسط، فإن تغيرًا معينًا في المحيط الهادئ لم يعد ينتج بالضرورة الاستجابة نفسها في المحيط الهندي التي كانت تظهر بصورة أكثر انتظامًا في الماضي.

وهذا مهم لأن العلماء يستخدمون هذه الروابط بين الأحواض المحيطية بوصفها إحدى الأدوات التي تساعدهم على توقع التطورات المناخية في مناطق بعيدة.

كيف عرف العلماء أن ما يحدث غير عادي؟

هذه إحدى أهم نقاط الدراسة.

فالسجلات الآلية المباشرة لدرجات حرارة المحيطات لا تمتد إلى عدة قرون، ولذلك لا يمكن الاعتماد عليها وحدها لمعرفة ما إذا كان التغير الحالي استثنائيًا فعلًا.

ولهذا استخدم الباحثون 35 سجلًا من الشعاب المرجانية، وثلاثة سجلات من حلقات الأشجار، وسجلًا من الصواعد الكهفية لإعادة بناء جوانب من مناخ منطقة المحيطين الهندي والهادئ خلال الفترة من عام 1631 إلى 1990.

كما استخدموا بيانات حديثة ومحاكاة مناخية لتوسيع المقارنة إلى فترات زمنية أطول تصل إلى نحو ألف عام.

وتسمح مثل هذه السجلات الطبيعية للعلماء بقراءة آثار التغيرات السابقة في درجات الحرارة والهطول والمحيطات، حتى في الفترات التي لم تكن فيها أجهزة الرصد الحديثة موجودة.

حدث مشابه في القرن التاسع عشر

كشفت إعادة بناء المناخ عن فترة مهمة بين 1810 و1850، شهدت اضطرابًا واضحًا في العلاقة بين المحيطين.

لكن السبب في تلك الفترة كان مختلفًا جذريًا عن الظروف الحالية.

فقد شهد أوائل القرن التاسع عشر سلسلة من الثورات البركانية الاستوائية الكبرى، وكان من أبرزها ثوران بركان تامبورا في إندونيسيا عام 1815.

أدى الثوران إلى ضخ كميات كبيرة من المواد البركانية إلى الغلاف الجوي، ما ساهم في تقليل وصول الإشعاع الشمسي وحدوث تبريد عالمي مؤقت، وهو ما أثر في الدورة الجوية والمحيطية.

وتشير النماذج المناخية المستخدمة في الدراسة إلى أن الثورات البركانية الكبيرة قادرة على إضعاف الترابط بين المحيطين الهادئ والهندي، وأن حجم التأثير يعتمد على قوة الثوران والظروف المناخية السائدة في ذلك الوقت.

لكن الوضع الحالي مختلف

الفارق الجوهري هو أن اضطراب القرن التاسع عشر حدث في ظل تبريد مؤقت ناجم عن النشاط البركاني، بينما يحدث الاضطراب الحالي في بيئة تتسم بارتفاع مستمر في درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات نتيجة تراكم غازات الدفيئة.

وبحسب الباحثين، فإن التأثير الحديث أصبح أكثر استثنائية مقارنة بما تظهره إعادة بناء المناخ خلال الألف عام الماضية.

وقال الباحث الرئيسي شون وانغ إن الاضطراب الحديث في العلاقة بين النظامين الهندي والهادئ يبدو غير مسبوق مقارنة بما ظهر في السجل المناخي للألفية الماضية، بينما أشارت كارولين أومينهوفر إلى أن الاحترار العالمي والانبعاثات البشرية أصبحت تتغلب على التأثير الطبيعي الذي كان يمارسه المحيط الهادئ على المحيط الهندي.

لماذا يهم ذلك بالنسبة للأمطار؟

لا تكمن أهمية الاكتشاف في المحيطات وحدها.

فالمحيط الهندي يمثل مصدرًا ضخمًا للحرارة والرطوبة، وتؤثر تغيرات حرارته في الغلاف الجوي والرياح الموسمية والأمطار فوق مناطق واسعة من آسيا وأفريقيا وأستراليا.

كما ترتبط التغيرات في المحيط الهندي بظواهر مناخية مثل ثنائي قطب المحيط الهندي (IOD)، الذي يمكن أن يؤثر في الأمطار والجفاف والحرارة في مناطق واسعة من العالم.

وقد أظهرت سجلات مناخية تمتد إلى خمسة قرون أن تغيرات IOD نفسها شهدت تغيرًا في تكرارها وشدتها خلال القرن العشرين، وهو ما يضيف إلى أهمية فهم كيفية تغير العلاقات بين المحيطات في عالم أكثر دفئًا.

إذا أصبحت الروابط التاريخية بين المحيطين أقل ثباتًا، فإن بعض المؤشرات التي يعتمد عليها العلماء في التنبؤ بعيد المدى قد تصبح أقل موثوقية في المستقبل.

وهذا لا يعني أن نماذج الطقس والمناخ «أصبحت خاطئة»، وإنما يعني أن النظام الذي تحاول هذه النماذج محاكاته يتغير نفسه، وأن بعض العلاقات المناخية التي كانت مستقرة نسبيًا قد تحتاج إلى تمثيل أكثر دقة.

هل يمكن أن يؤثر ذلك في أستراليا وآسيا وأفريقيا؟

نعم، من حيث المبدأ، لأن التفاعلات بين المحيطين ترتبط بأنظمة الغلاف الجوي التي تتحكم في انتقال الحرارة والرطوبة.

وتُظهر الدراسات السابقة أن تأثيرات المحيطين الهندي والهادئ يمكن أن تلعب دورًا في تحديد ظروف الجفاف ورطوبة التربة في جنوب شرق أستراليا، كما أن التغيرات في حرارة المحيط الهندي يمكن أن تؤثر في الدورة الجوية العالمية والإقليمية.

لكن من المهم عدم تحويل هذه النتيجة إلى توقع مباشر بأن منطقة معينة ستصبح أكثر جفافًا أو أمطارًا في سنة محددة.

الدراسة الجديدة لا تقدم توقعًا موسميًا أو إقليميًا مباشرًا، وإنما تكشف تغيرًا في إحدى العلاقات التي يعتمد عليها النظام المناخي في توزيع تأثيراته بين الأحواض المحيطية.

ماذا يعني ذلك لنماذج المناخ؟

تحتاج النماذج المناخية إلى تمثيل العلاقات بين المحيطات والغلاف الجوي حتى تتمكن من محاكاة تغيرات الحرارة والأمطار والرياح.

وعندما تتغير هذه العلاقات نفسها، يصبح من الضروري اختبار قدرة النماذج على إعادة إنتاج التحول المرصود.

ولهذا تمثل الدراسة الجديدة أهمية خاصة؛ لأنها لا تعتمد على نموذج واحد أو فترة رصد قصيرة، بل تجمع بين الرصد الحديث والسجلات المناخية الطبيعية والنمذجة المناخية طويلة المدى.

وهذا النوع من المقارنة يسمح للعلماء بتمييز ما إذا كان التغير الحديث مجرد تقلب طبيعي سبق أن حدث في الماضي، أم أنه يتجاوز نطاق التذبذب المعروف.

هل الاحترار العالمي هو السبب الوحيد؟

الدراسة لا تقول إن كل تغير في العلاقة بين المحيطين سببه عامل واحد.

فالنظام المناخي يتأثر بالتذبذبات الطبيعية، والنشاط البركاني، والتغيرات في المحيطات والغلاف الجوي، إضافة إلى التأثير المتزايد لغازات الدفيئة.

لكن المقارنة التاريخية هي التي تجعل النتيجة الحالية أكثر إثارة للاهتمام: فقد حدث اضطراب سابق خلال القرن التاسع عشر بالتزامن مع نشاط بركاني قوي، بينما يأتي الاضطراب الحالي في ظل احترار عالمي مستمر.

وهذا هو السبب الذي يدفع الباحثين إلى اعتبار التغير الحديث حالة استثنائية، وليس مجرد تكرار بسيط لما حدث قبل قرنين.

تغير العلاقة لا يعني انهيار القدرة على التنبؤ

من المهم أيضًا تجنب المبالغة.

لا تعني الدراسة أن العلماء لم يعودوا قادرين على توقع الطقس أو المناخ، ولا أن النماذج المناخية فقدت صلاحيتها.

الأكثر دقة هو القول إن بعض العلاقات المناخية التي استخدمت لفهم قابلية التنبؤ قد تتغير مع استمرار الاحترار، ما يستدعي تحسين النماذج واختبار افتراضاتها باستمرار.

وهذه ليست مشكلة جديدة في علم المناخ؛ فالهدف من الأبحاث الحديثة هو اكتشاف مثل هذه التحولات وإدخالها في النماذج قبل أن تؤدي إلى أخطاء أكبر في تقدير المخاطرالمستقبلية.

المصادر العلمية الأساسية

  • الدراسة الأصلية – Nature Communications (2026): Coupling of Pacific and Indian Ocean variability disrupted by 19th century volcanism.
  • Woods Hole Oceanographic Institution (WHOI): شرح رسمي للدراسة ومنهجية استخدام سجلات الشعاب المرجانية والأشجار والصواعد والنماذج المناخية.
  • Nature Reviews Earth & Environment: مراجعة علمية حول الاحترار والتغيرات الحرارية والمائية في المحيط الهندي.
  • Journal of Climate / American Meteorological Society: أبحاث حول الترابط متعدد العقود بين المحيطين الهندي والهادئ وتأثيره في مناخ المناطق المحيطة.
  • Australian National University: إعادة بناء تذبذب المحيط الهندي باستخدام سجلات مرجانية تمتد إلى خمسة قرون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى