دمشق في المرتبة الأخيرة عالمياً في مؤشر قابلية العيش 2026 ولكن دمشق ليست مجرد رقم في قائمة

دمشق في المرتبة الأخيرة عالمياً في مؤشر قابلية العيش 2026.. ماذا يقول التصنيف عن واقع العاصمة السورية؟
دمشق – المركز السوري للطقس والمناخ
جاءت العاصمة السورية دمشق في المرتبة 173 والأخيرة عالمياً ضمن مؤشر قابلية العيش العالمي لعام 2026، الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية (EIU) التابعة لمجموعة «الإيكونوميست»، في تصنيف شمل 173 مدينة حول العالم.
وحصلت دمشق على 32 نقطة من أصل 100، لتأتي في ذيل القائمة العالمية، في مؤشر يعكس مجموعة واسعة من الظروف التي تؤثر في الحياة اليومية للسكان، بدءاً من الاستقرار والأمن، مروراً بالصحة والتعليم، وصولاً إلى البنية التحتية والبيئة والثقافة.
خمسة محاور تضع دمشق في المركز الأخير
اعتمد المؤشر على خمسة مجالات رئيسية لتقييم المدن، وجاء أداء دمشق متفاوتاً بينها، إلا أن الاستقرار كان الحلقة الأضعف بوضوح.
وسجلت العاصمة السورية:
- الاستقرار: 20 من 100
- الرعاية الصحية: 33 من 100
- الثقافة والبيئة: 41 من 100
- التعليم: 33 من 100
- البنية التحتية: 32 من 100
وبذلك بلغ متوسط النتيجة الإجمالية 32 نقطة من 100.
وتكشف هذه الأرقام أن التحدي الذي تواجهه دمشق لا يرتبط بعامل واحد، وإنما بمجموعة مترابطة من الملفات، تتراوح بين الاستقرار والخدمات الأساسية وقدرة البنية التحتية على تلبية احتياجات السكان.
سنوات الحرب تركت أثراً عميقاً على العاصمة
لا يمكن قراءة ترتيب دمشق بمعزل عن الظروف التي مرت بها سوريا خلال السنوات الماضية.
فالحرب الطويلة تسببت في أضرار واسعة طالت البنية التحتية والخدمات العامة والقطاعات الصحية والتعليمية، كما أدت إلى ضغوط اقتصادية واجتماعية كبيرة.
ورغم أن دمشق كانت أقل تعرضاً للدمار المباشر مقارنة ببعض المدن السورية الأخرى، فإنها تحملت خلال سنوات الأزمة ضغوطاً كبيرة نتيجة النزوح الداخلي، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتدهور قطاعات الخدمات والطاقة والنقل.
ومن هنا، فإن النتيجة التي سجلتها العاصمة تعكس بدرجة كبيرة تراكم آثار سنوات طويلة من الأزمات، أكثر مما تعكس وضعاً آنياً منفصلاً عن السياق السوري الأوسع.
الاستقرار.. نقطة الضعف الأكبر
يبرز حصول دمشق على 20 نقطة فقط في محور الاستقرار باعتباره العامل الأكثر تأثيراً في النتيجة النهائية.
فالاستقرار يمثل أحد المكونات الأساسية في تقييم قابلية العيش، ويرتبط بدرجة الأمان والاستقرار الاجتماعي والسياسي وقدرة السكان على ممارسة حياتهم اليومية ضمن بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ.
وتشير النتيجة المنخفضة إلى أن استعادة مستوى أعلى من قابلية العيش في العاصمة تتطلب قبل كل شيء ترسيخ الاستقرار والأمن، وتحسين المؤسسات والخدمات، وإعادة بناء الثقة بالبيئة الاقتصادية والاجتماعية.
البنية التحتية والصحة والتعليم.. تحديات مترابطة
حصلت دمشق على 32 نقطة في البنية التحتية، وهي نتيجة تعكس حجم التحديات التي تواجه قطاعات النقل والخدمات العامة وشبكات المياه والكهرباء وغيرها من المرافق الحيوية.
أما في قطاع الصحة، فقد بلغت النتيجة 33 نقطة، في ظل الضغوط التي تعرض لها القطاع الصحي خلال سنوات الأزمة، بما في ذلك نقص الموارد والتجهيزات وهجرة الكوادر الطبية وارتفاع تكاليف الخدمات.
وسجل التعليم أيضاً 33 نقطة، ما يعكس الحاجة إلى استثمارات طويلة الأجل في المدارس والجامعات والبنية التعليمية والموارد البشرية.
وفي المقابل، كان محور الثقافة والبيئة الأفضل نسبياً لدمشق، مسجلاً 41 نقطة من 100، وهو ما يشير إلى وجود عناصر حضرية وثقافية وبيئية مهمة يمكن البناء عليها في أي مشروع مستقبلي لإعادة تأهيل العاصمة.
دمشق ليست مجرد رقم في قائمة
ورغم قسوة المركز الأخير، فإن تصنيف قابلية العيش لا يقيس القيمة التاريخية أو الحضارية للمدينة.
فدمشق واحدة من أقدم المدن المأهولة باستمرار في العالم، وتمتلك إرثاً تاريخياً وثقافياً استثنائياً، إضافة إلى موقع جغرافي مهم وإمكانات بشرية واقتصادية كبيرة.
لذلك فإن المركز الأخير في المؤشر يمكن قراءته أيضاً باعتباره مؤشراً على حجم الفجوة بين الإمكانات التي تمتلكها العاصمة وبين مستوى الخدمات والظروف المعيشية الحالية.
وتحسين ترتيب دمشق مستقبلاً لن يتطلب إجراءً واحداً، وإنما عملية طويلة تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتطوير النقل، وتحسين البيئة الحضرية، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ماذا تحتاج دمشق لتحسين قابلية العيش؟
إذا أرادت العاصمة السورية الانتقال تدريجياً إلى مراتب أفضل في المؤشرات الدولية، فإن الأولويات تبدو واضحة في عدة اتجاهات:
أولاً: الاستقرار والأمان
وهو الأساس الذي يسمح ببناء بقية القطاعات واستعادة النشاط الاقتصادي والاجتماعي.
ثانياً: إعادة تأهيل البنية التحتية
خصوصاً شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق والنقل العام.
ثالثاً: دعم القطاع الصحي
عبر تحديث المستشفيات والمراكز الصحية، وتأمين المعدات والأدوية، واستعادة الكوادر الطبية.
رابعاً: الاستثمار في التعليم
من خلال تحسين المدارس والجامعات، وتطوير المناهج، ورفع جودة التعليم والتدريب المهني.
خامساً: تحسين البيئة الحضرية
بزيادة المساحات الخضراء، وتحسين إدارة النفايات، والحد من تلوث الهواء، وتطوير النقل العام.
سادساً: تحسين الظروف الاقتصادية
إذ لا يمكن فصل قابلية العيش عن قدرة السكان على تأمين السكن والغذاء والخدمات وفرص العمل ضمن مستويات دخل مناسبة.
المركز الأخير ليس حكماً نهائياً
قد يكون ترتيب دمشق في مؤشر 2026 منخفضاً جداً، لكنه في الوقت نفسه يقدم خط أساس يمكن قياس التحسن المستقبلي انطلاقاً منه.
فأي تحسن مستدام في الاستقرار والخدمات والبنية التحتية والاقتصاد سينعكس في النهاية على جودة الحياة اليومية للسكان، ويمكن أن يغيّر موقع العاصمة في التصنيفات الدولية خلال السنوات المقبلة.
وبالنسبة إلى دمشق، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في الخروج من المركز الأخير، بل في استعادة مكانتها كمدينة آمنة وحيوية وقابلة للعيش، تتناسب ظروفها المعاصرة مع ثقلها التاريخي والثقافي.
الخلاصة
وضع مؤشر قابلية العيش العالمي لعام 2026 دمشق في المرتبة 173 والأخيرة عالمياً، بدرجة 32 من 100. وتكشف تفاصيل المؤشر أن المشكلة متعددة الأبعاد، مع ضعف واضح في الاستقرار، إلى جانب تحديات كبيرة في الصحة والتعليم والبنية التحتية.
لكن الرقم لا يلغي الإمكانات التي تمتلكها العاصمة، بل يوضح حجم المهمة المطلوبة لإعادة بناء مدينة قادرة على تقديم خدمات أفضل ومستوى معيشة أكثر استقراراً لسكانها.
المصدر: وحدة الاستخبارات الاقتصادية (Economist Intelligence Unit) – مؤشر قابلية العيش العالمي 2026.



