جاري تحميل الطقس...

أخبار سوريا

المشهد الاقتصادي في سوريا اليوم.. تحسن تدريجي في المؤشرات وسط تحديات معيشية وإعادة بناء واسعة

دمشق – 25 تموز/يوليو 2026

يدخل الاقتصاد السوري مرحلة دقيقة تتداخل فيها مؤشرات الانفتاح الاقتصادي وإعادة الاندماج مع الاقتصاد الإقليمي والدولي مع تحديات كبيرة مرتبطة بمستويات الفقر، وضعف القدرة الشرائية، والحاجة إلى إعادة بناء البنية التحتية والإنتاجية التي تضررت بشدة خلال سنوات الحرب.

وتشير التطورات الاقتصادية الأخيرة إلى أن سوريا بدأت تتحرك من مرحلة العزلة والانكماش نحو مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء المؤسسات، جذب الاستثمار، تنشيط التجارة، وإعادة وصل القطاع المصرفي بالاقتصاد العالمي، إلا أن انعكاس هذه التحولات على حياة المواطنين لا يزال تدريجياً وبطيئاً.

تحسن في البيئة الاقتصادية.. لكن الطريق لا يزال طويلاً

يرى البنك الدولي أن الاقتصاد السوري بدأ يظهر علامات تعافٍ تدريجي، مدفوعاً بتخفيف العقوبات، وعودة اللاجئين، وتحسن إمدادات الكهرباء، وارتفاع الاستثمارات العامة والخاصة، إلى جانب الحاجة الكبيرة إلى إعادة الإعمار.

ويشير البنك إلى أن النشاط الاقتصادي في عام 2026 مرشح لمواصلة التحسن بشكل متواضع، مدعوماً بعودة الطلب المحلي وارتفاع الأجور العامة وزيادة تسجيل الشركات وتحسن إنتاج النفط والغاز. لكنه يحذر في الوقت نفسه من أن الصراع الإقليمي يمكن أن يؤثر سلباً على التجارة والسياحة والاستثمار وإمدادات الطاقة.

وتأتي هذه القراءة متوافقة مع تقييم صندوق النقد الدولي الذي أشار في شباط/فبراير الماضي إلى أن النشاط الاقتصادي السوري أظهر علامات تعافٍ مع تحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، ورفع العقوبات، وعودة سوريا تدريجياً إلى الاقتصاد الإقليمي والعالمي.

الليرة السورية.. استقرار نسبي وسط مرحلة انتقال نقدي

لا يزال سعر صرف الليرة يمثل أحد أهم المؤشرات التي يراقبها السوريون والأسواق يومياً.

وبحسب بيانات منشورة عن مصرف سوريا المركزي، بلغ سعر الدولار في المصارف في تداولات 24 تموز نحو 12,150 ليرة سورية قديمة للشراء و12,250 للبيع، أي ما يعادل 121.50 و122.50 ليرة بالعملة الجديدة، بينما بقي سعر السوق الموازية أعلى من السعر المصرفي.

ويأتي ذلك بالتزامن مع عملية الانتقال إلى العملة السورية الجديدة، إذ أعلن مصرف سوريا المركزي أن الأوراق النقدية القديمة ستبقى صالحة للتداول حتى نهاية 30 تموز/يوليو 2026، في إطار عملية استبدال العملة وإعادة تنظيم التداول النقدي.

وتحمل هذه المرحلة أهمية كبيرة للسوق السورية، لأن نجاح الانتقال النقدي لا يرتبط فقط بتغيير شكل الأوراق النقدية، وإنما بقدرة السياسة النقدية على الحفاظ على استقرار الأسعار وتعزيز الثقة بالليرة وتنظيم السيولة.

المصرف المركزي يعيد بناء دوره

على المستوى المؤسسي، تتواصل عملية إعادة بناء النظام المالي السوري.

وفي تطور لافت، أعيد افتتاح فرع مصرف سوريا المركزي في إدلب بعد توقف دام نحو عشرة أعوام، في خطوة تعكس توسع حضور المؤسسة النقدية في المحافظات وإعادة ربط النشاط الاقتصادي بالمؤسسات الرسمية.

كما بحث مصرف سوريا المركزي وهيئة التخطيط والإحصاء في دمشق آليات توحيد البيانات وتنسيق السياسات النقدية، مع التركيز على بيانات ميزان المدفوعات والتجارة الخارجية والتضخم.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة، لأن ضعف البيانات الاقتصادية كان أحد أبرز العوائق أمام تقييم الاقتصاد السوري بصورة دقيقة، وهو ملف يحظى أيضاً باهتمام صندوق النقد الدولي الذي يعمل مع السلطات السورية على تطوير القدرات الإحصائية والمؤسساتية.

القطاع النفطي يعود إلى الواجهة

يمثل النفط والطاقة أحد أهم الملفات التي يمكن أن تحدد سرعة التعافي الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.

ويشير البنك الدولي إلى أن الحكومة الانتقالية استعادت في شباط/فبراير 2026 السيطرة على مناطق رئيسية للنفط والغاز، ما أدى إلى ارتفاع حصتها من الإنتاج النفطي الوطني من نحو 20% إلى 88%.

وفي الوقت نفسه، برز ميناء بانياس خلال الأشهر الأخيرة كمحور متزايد الأهمية في حركة الطاقة الإقليمية.

ووفق تقرير نشرته الجزيرة استناداً إلى بيانات وتقارير دولية، أصبحت سوريا ممراً مهماً لتصدير زيت الوقود العراقي عبر البحر المتوسط، مع تدفقات كبيرة من النفط القادم من العراق إلى محطة بانياس، في تطور يعيد طرح الموقع الجغرافي السوري كعنصر مهم في تجارة الطاقة الإقليمية.

ويكتسب هذا المسار أهمية اقتصادية تتجاوز عائدات العبور والتصدير، إذ يمكن أن يساهم مستقبلاً في دعم إيرادات الدولة، وتنشيط الموانئ والنقل والخدمات اللوجستية، وتوفير موارد إضافية لقطاع الطاقة.

الزراعة.. أولوية اقتصادية واجتماعية

في الداخل السوري، لا تزال الزراعة واحدة من أكثر القطاعات حساسية، خصوصاً مع تأثير الجفاف الذي ضرب البلاد خلال عام 2025.

وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن القطاع الزراعي بدأ يستفيد من تحسن معدلات الهطول خلال 2026، لكنه لا يزال في مرحلة التعافي من آثار الجفاف الحاد الذي شهدته البلاد في العام السابق.

وفي أحدث التطورات الاقتصادية اليوم، بحثت غرفة زراعة دمشق وريفها مع بعثة الاتحاد الأوروبي لدى سوريا سبل دعم القطاع الزراعي والتنمية الريفية، بما في ذلك دعم المرأة الريفية والمشاريع المرتبطة بالقطاع.

وتشكل إعادة تنشيط الزراعة أهمية مزدوجة للاقتصاد السوري، فهي من جهة ترفع الإنتاج المحلي وتحد من فاتورة الاستيراد، ومن جهة أخرى توفر مصادر دخل وفرص عمل في المناطق الريفية.

سوريا ولبنان.. فرص متزايدة للتعاون الاقتصادي

على المستوى الإقليمي، برزت اليوم أيضاً تصريحات وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني عامر البساط حول فرص توسيع التعاون الاقتصادي مع سوريا.

وأكد الوزير أن زيارته الأخيرة إلى دمشق شكلت محطة مهمة لتعزيز التعاون بين البلدين، مع وجود فرص استثمارية واسعة في قطاعات حيوية.

وقد يمثل تحسن العلاقات الاقتصادية السورية–اللبنانية عاملاً مهماً في تنشيط حركة التجارة والنقل والخدمات، خصوصاً بالنظر إلى الترابط الجغرافي والاقتصادي بين البلدين.

الاستثمارات وإعادة الإعمار.. الفرصة الأكبر والأصعب

ربما تكمن أكبر فرصة أمام الاقتصاد السوري في إعادة الإعمار والاستثمار، لكن حجم الاحتياجات يتجاوز بكثير القدرات المالية المحلية.

ويقدر البنك الدولي احتياجات إعادة إعمار الأصول المادية التي تضررت خلال سنوات الصراع بنحو 216 مليار دولار، مع نطاق تقديري واسع يتراوح بين 140 و345 مليار دولار.

كما يؤكد البنك أن الاقتصاد السوري لا يزال يواجه قيوداً كبيرة، رغم التحسن في البيئة الخارجية، وأن استعادة النمو المستدام تحتاج إلى إصلاحات مؤسساتية واستثمارات ضخمة وإعادة بناء القطاعات الإنتاجية.

وفي آذار/مارس الماضي، وافق البنك الدولي على منحة بقيمة 20 مليون دولار لدعم إصلاح الإدارة المالية العامة في سوريا، بهدف تحسين كفاءة وشفافية إدارة الأموال العامة وتعزيز الرقابة على الموازنة والمشتريات الحكومية.

لكن المواطن لا يزال ينتظر انعكاس التعافي على حياته

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن الحديث عن التعافي الاقتصادي لا يعني أن الأزمة المعيشية انتهت.

فبحسب أسوشيتد برس، لا يزال نحو 90% من السوريين يعيشون في حالة فقر، بينما تقدر احتياجات إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار. كما أن تخفيف العقوبات لم ينعكس بعد بصورة كاملة على الحياة اليومية، في ظل استمرار صعوبات اقتصادية وتراجع المساعدات الدولية.

ويشير البنك الدولي إلى أن التضخم تراجع بشكل واضح، إذ قدر عند 11.5% في 2025 مقارنة بنحو 72.1% في 2024، لكن الظروف الاقتصادية لا تزال متفاوتة بشدة بين القطاعات والمناطق.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في الاقتصاد السوري اليوم: تحسن بعض المؤشرات الكلية لا يعني بالضرورة تحسناً سريعاً في مستوى معيشة الأسر.

فاستقرار سعر الصرف، على سبيل المثال، يحتاج إلى أن يترافق مع زيادة الإنتاج وفرص العمل والدخل الحقيقي، بينما تحتاج الاستثمارات الجديدة إلى وقت حتى تتحول إلى وظائف وإيرادات وخدمات أفضل.

ماذا يعني ذلك للاقتصاد السوري خلال المرحلة المقبلة؟

يمكن تلخيص المشهد الاقتصادي الحالي في سوريا بثلاثة مسارات متوازية:

الأول: مسار التعافي والانفتاح
تخفيف العقوبات وإعادة العلاقات مع المؤسسات المالية الدولية وارتفاع فرص الاستثمار يمكن أن يفتح الباب أمام تدفقات رأسمالية وتجارية جديدة.

الثاني: مسار إعادة بناء الدولة الاقتصادية
إصلاح المصرف المركزي، تحسين البيانات والإحصاءات، تطوير الإدارة المالية، وإعادة تنظيم القطاع المصرفي ستكون عوامل حاسمة في بناء الثقة.

الثالث: مسار التحدي المعيشي
يبقى الفقر وضعف القدرة الشرائية والبطالة وارتفاع الاحتياجات الأساسية أبرز اختبار أمام أي تعافٍ اقتصادي، لأن نجاح المرحلة الجديدة لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات أو تحسن سعر الصرف، بل بمدى تحسن حياة المواطن.

الخلاصة

الاقتصاد السوري اليوم يقف أمام فرصة تاريخية، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة التعافي الكامل.

فالمؤشرات القادمة من المؤسسات الدولية والسوق المحلية تشير إلى تحسن تدريجي في النشاط الاقتصادي، وتراجع التضخم، وعودة الاستثمارات، وتوسع الانفتاح على المؤسسات المالية الدولية، إلى جانب تطورات مهمة في قطاعات الطاقة والزراعة والمصارف.

لكن في المقابل، ما زالت سوريا تواجه فجوة ضخمة في إعادة الإعمار، ومستويات مرتفعة من الفقر، وضعفاً في المالية العامة، وحاجة كبيرة إلى الاستثمارات والإصلاحات المؤسسية.

وعليه، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً لقدرة الاقتصاد السوري على تحويل الانفتاح السياسي والاقتصادي إلى إنتاج حقيقي، وفرص عمل، وتحسن مستدام في دخل المواطنين ومستوى معيشتهم.

مصادر المقال

  • وكالة الأنباء السورية (سانا): التطورات الاقتصادية والمصرفية والزراعية في سوريا.
  • البنك الدولي: تقييم الاقتصاد السوري وآفاق التعافي والنمو وإعادة الإعمار.
  • صندوق النقد الدولي: تقييم مسار التعافي والإصلاحات الاقتصادية السورية.
  • أسوشيتد برس: الوضع المعيشي والاقتصادي وتحديات إعادة الإعمار في سوريا.
  • رويترز/تقارير دولية حول قطاع الطاقة السوري: تطورات النفط والطاقة وميناء بانياس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى