جاري تحميل الطقس...

طقس سوريا

هل تعني ظاهرة النينيو شتاءً ماطرًا في سوريا ولبنان والأردن وفلسطين؟

هل تجلب ظاهرة النينيو شتاءً ماطراً إلى شرق المتوسط؟.. سنوات صنعت الفارق وأخرى خالفت كل التوقعات

مع كل إعلان عن عودة ظاهرة النينيو، يتكرر السؤال ذاته بين المهتمين بالطقس في بلاد الشام وشرق البحر المتوسط: هل نحن أمام شتاء ماطر؟

ورغم أن هذه الظاهرة تنشأ في قلب المحيط الهادئ، على بعد آلاف الكيلومترات من منطقتنا، فإنها تمتلك القدرة على إعادة تشكيل أنماط الطقس حول العالم، لتصبح واحدة من أكثر المؤشرات المناخية التي يتابعها خبراء الأرصاد عند رسم توقعات الشتاء الموسمية.

لكن الحقيقة التي تؤكدها سجلات الطقس هي أن النينيو ليست “وصفة سحرية” لموسم مطير، بل عامل مناخي مهم قد يزيد فرص الأمطار في بعض السنوات، بينما يفشل في سنوات أخرى بسبب تدخل عوامل مناخية أكثر تعقيدًا.

ما هي ظاهرة النينيو؟

النينيو هي المرحلة الدافئة من ظاهرة التذبذب الجنوبي للمحيط الهادئ (ENSO)، وتنشأ عندما ترتفع درجات حرارة سطح مياه المحيط الهادئ الاستوائي فوق معدلاتها الطبيعية لعدة أشهر متتالية.

قد يبدو هذا الحدث بعيدًا عن منطقتنا، لكنه يغيّر توزيع الحرارة والطاقة في الغلاف الجوي، ويؤثر في حركة التيارات النفاثة وأنظمة الضغط الجوي، ما ينعكس على أنماط الأمطار والعواصف في قارات بأكملها.

ولهذا السبب يراقب خبراء المناخ تطور النينيو بدقة قبل أشهر من بداية فصل الشتاء.


لماذا يهتم سكان شرق المتوسط بالنينيو؟

تشير الدراسات المناخية إلى أن سنوات النينيو تميل إحصائيًا إلى زيادة احتمالية النشاط المطري في أجزاء من شرق البحر المتوسط، خاصة خلال النصف الثاني من الشتاء.

ويعود ذلك إلى أن بعض أحداث النينيو تساعد على:

  • تعزيز نشاط المنخفضات الجوية القادمة من البحر المتوسط.
  • زيادة فرص تدفق الهواء الرطب نحو بلاد الشام.
  • رفع احتمالية تشكل العواصف الشتوية في بعض الفترات.
  • تقليل سيطرة المرتفعات الجوية طويلة الأمد في بعض المواسم.

لكن هذه العلاقة ليست ثابتة، إذ يمكن لعوامل أخرى مثل التذبذب الشمالي الأطلسي (NAO) والتذبذب القطبي (AO) وحرارة مياه البحر المتوسط أن تعزز تأثير النينيو أو تلغيه بالكامل.


عندما صنعت النينيو شتاءً استثنائياً

شتاء 1982-1983… بداية الاهتمام العالمي

كان هذا الموسم أول اختبار حقيقي لقوة النينيو الحديثة، إذ شهد العالم تغيرات مناخية واسعة، بينما تأثرت أجزاء من شرق المتوسط بسلسلة من المنخفضات الجوية التي ساهمت في تحسين الموسم المطري مقارنة بالمعدلات في بعض المناطق.

ورغم محدودية بيانات النماذج المناخية آنذاك، اعتُبر هذا الموسم نقطة تحول في فهم تأثيرات الظواهر المناخية العالمية.

شتاء 1997-1998… النينيو الأقوى في القرن العشرين

يعد هذا الحدث أحد أشهر أحداث النينيو على الإطلاق.

شهدت مناطق واسعة من العالم فيضانات وجفافًا غير مسبوقين، بينما عرف شرق المتوسط موسمًا اتسم بنشاط ملحوظ للمنخفضات الجوية، وهطلت أمطار غزيرة على فترات متفرقة، خاصة في بلاد الشام، مع تسجيل كميات جيدة في العديد من المناطق.

وقد ساعد هذا الموسم في ترسيخ الاعتقاد بأن النينيو غالبًا ما تعني شتاءً غنيًا بالأمطار في المنطقة.

شتاء 2009-2010… موسم لا ينساه هواة الطقس

يعتبره كثير من خبراء الطقس أحد أبرز الأمثلة على تأثير النينيو في شرق المتوسط.

فقد شهدت المنطقة سلسلة من المنخفضات الجوية العميقة، وأمطارًا غزيرة، وعواصف ثلجية أثرت في المرتفعات السورية واللبنانية والأردنية والفلسطينية.

وفي عدة محطات رصد، تجاوزت كميات الأمطار المعدلات المناخية، بينما امتلأت السدود وتحسنت الموارد المائية بعد سنوات من الجفاف.


عندما خالفت الطبيعة التوقعات

شتاء 2015-2016… أقوى نينيو… لكن النتائج لم تكن كما توقع الجميع

رغم أن هذه النسخة صنفت ضمن أقوى ثلاث ظواهر نينيو منذ بدء القياسات الحديثة، فإن شرق المتوسط لم يشهد موسمًا استثنائيًا بالمستوى الذي انتظره الكثيرون.

فقد سيطرت المرتفعات الجوية لفترات طويلة، وتوزعت الأمطار بشكل غير منتظم، لتؤكد الطبيعة مرة أخرى أن النينيو ليست العامل الوحيد الذي يتحكم في طقس المنطقة.

وكان هذا الموسم مثالًا واضحًا على أن تأثير الظاهرة قد يتراجع عندما تتداخل معها أنماط مناخية أخرى معاكسة.


لماذا تفشل النينيو أحيانًا؟

الإجابة بسيطة… لكنها معقدة في الوقت نفسه.

فالنينيو ليست سوى قطعة واحدة من لوحة مناخية ضخمة.

إذ تتفاعل معها عدة عوامل، من أبرزها:

  • التذبذب الشمالي الأطلسي (NAO).
  • التذبذب القطبي (AO).
  • حرارة مياه البحر الأبيض المتوسط.
  • قوة الدوامة القطبية.
  • تمركز المرتفع الأزوري.
  • سلوك التيار النفاث فوق أوروبا.

وعندما تتفق هذه العوامل مع النينيو، قد يكون الشتاء نشطًا وغزير الأمطار.

أما إذا تعارضت معها، فقد يخرج الموسم بنتائج مختلفة تمامًا.


ماذا تقول الإحصائيات؟

عند مراجعة سجلات الطقس خلال العقود الماضية، يتبين أن نسبة كبيرة من سنوات النينيو شهدت نشاطًا مطريًا جيدًا في أجزاء من شرق المتوسط، إلا أن هذه العلاقة ليست مطلقة.

فبعض سنوات النينيو جاءت أقل من المعدلات، بينما شهدت سنوات محايدة أو حتى سنوات النينيا مواسم مطيرة للغاية.

وهذا ما يجعل خبراء المناخ يتعاملون مع النينيو على أنها عامل يزيد أو يخفض الاحتمالات، وليس أداة للتنبؤ المؤكد.


هل سيكون الشتاء القادم مختلفًا؟

كلما بدأت حرارة المحيط الهادئ في الارتفاع، تعود الأنظار إلى النينيو باعتبارها أحد أهم مفاتيح توقعات الشتاء.

لكن الخبراء يؤكدون أن الحكم النهائي لا يصدر إلا مع اقتراب الموسم، عندما تتضح صورة الأنظمة الجوية فوق المحيط الأطلسي وأوروبا والقطب الشمالي، وهي عوامل لا تقل أهمية عن النينيو نفسها.

الخلاصة

رغم أنها تولد في أقصى المحيط الهادئ، فإن ظاهرة النينيو تظل واحدة من أكثر الظواهر المناخية تأثيرًا على الطقس العالمي، وتمتد آثارها -بشكل غير مباشر- إلى شرق المتوسط.

وقد أثبت التاريخ أن بعض أقوى مواسم الأمطار والعواصف في بلاد الشام تزامنت مع سنوات نينيو قوية، لكن التاريخ نفسه يثبت أيضًا أن الطبيعة لا تعمل وفق قاعدة واحدة، وأن فهم الشتاء في منطقتنا يتطلب قراءة متكاملة لمجموعة واسعة من المؤثرات المناخية.

لذلك، فإن متابعة النينيو تمنحنا مؤشرًا مهمًا، لكنها لا تمنحنا الإجابة النهائية على السؤال الذي ينتظره الجميع: كيف سيكون الشتاء القادم؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى