مفارقة أزمة المناخ.. أين قد تكون المناطق الأقل تعرضاً للاحترار في المستقبل؟ وهل تعتبر سوريا من الدول الأقل تعرضا للاحترار؟

دراسة حديثة تعيد فتح ملف العدالة المناخية: المناطق التي ساهمت بدرجة أقل في الاحترار العالمي، ولا سيما في المناطق المدارية، قد تكون من بين آخر المناطق التي تبدأ فيها آثار خفض الانبعاثات بالظهور. لكن أين يمكن أن تكون المناطق الأقل تعرضاً نسبياً للمخاطر المناخية في العقود المقبلة؟
تبدو الصورة للوهلة الأولى متناقضة.
فالدول والمناطق الواقعة في المناطق المدارية، والتي ساهم كثير منها تاريخياً بنسبة محدودة في تراكم غازات الدفيئة، هي من بين المناطق التي شهدت تغيراً مناخياً كبيراً مقارنة بنطاقها الحراري التاريخي. وفي المقابل، تظهر المناطق الأعلى عرضاً، ولا سيما أجزاء من نصف الكرة الشمالي، استجابة مختلفة عندما يتوقف ارتفاع تركيز ثاني أكسيد الكربون ويصل العالم إلى مرحلة صافي الانبعاثات الصفري.
وهذه هي الفكرة الأساسية التي تناولها مقال حديث نشرته إرم نيوز استناداً إلى دراسة يقودها علماء من جامعة ملبورن، بقيادة الباحث أندرو كينغ. وقد استخدم الباحثون تجارب نمذجة مناخية متعددة لدراسة ما يحدث للمناخ الإقليمي بعد الوصول إلى صافي الصفر، مع مقارنة النتائج بالمستوى الاقتصادي للدول.
لكن عبارة «آخر الناجين» الواردة في العنوان الصحفي تحتاج إلى قدر من الحذر؛ فالعلوم المناخية لا تتحدث عن دول «ستنجو» وأخرى «ستفنى»، وإنما عن اختلاف في سرعة الاحترار، وشدة الأخطار، وقدرة المجتمعات على التكيف.
ماذا يحدث بعد الوصول إلى صافي الصفر؟
الوصول إلى صافي الصفر في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لا يعني أن درجات الحرارة العالمية ستعود مباشرة إلى مستويات ما قبل الثورة الصناعية.
فالجزء الأكبر من ثاني أكسيد الكربون الذي تراكم في الغلاف الجوي لا يختفي فوراً، كما أن المحيطات والنظم الجليدية ودورة الكربون تستجيب ببطء شديد.
ولهذا يمكن أن يستمر تغير المناخ لفترات طويلة بعد توقف الزيادة الصافية في الانبعاثات.
وتظهر تجارب نمذجة طويلة الأمد أن الاستجابة ليست متساوية جغرافياً. فقد تبرد مناطق واسعة من اليابسة في نصف الكرة الشمالي تدريجياً بعد توقف الانبعاثات، بينما تستمر بعض المناطق الأخرى، ولا سيما أجزاء من نصف الكرة الجنوبي والمحيطات، في إظهار تغيرات حرارية لفترات أطول. كما أن انخفاض درجات الحرارة القصوى لا يحدث بالسرعة نفسها في المناطق الأقل تنمية اقتصادياً.
وهنا تظهر المفارقة التي ركزت عليها الدراسة الحديثة: المناطق الأكثر فقراً والمدارية لا تحصل بالضرورة على الفائدة المناخية بالسرعة نفسها التي تحصل عليها مناطق أعلى دخلاً وعرضاً جغرافياً.
إذاً.. أين توجد المناطق التي قد تكون أقل تعرضاً نسبياً؟
لا يمكن وضع «خريطة للناجين» بالمعنى الحرفي، لكن عند الجمع بين نماذج ما بعد صافي الصفر ونتائج IPCC والدراسات الإقليمية، يمكن تحديد مجموعة من المناطق التي تتمتع، نسبياً، بظروف أفضل في بعض جوانب التغير المناخي.
1. شمال أوروبا وأجزاء من أوروبا الشمالية
تُظهر النماذج المناخية أن مناطق شمال أوروبا لا تواجه نفس مستوى مخاطر الحرارة والجفاف المتوقع في حوض المتوسط.
وتشير تقييمات IPCC إلى أن جنوب أوروبا والبحر المتوسط معرضان بشكل خاص لزيادة الجفاف الزراعي والهيدرولوجي وخطر حرائق الطقس، بينما يتوقع ارتفاع الهطولات الشتوية في المناطق الأوروبية الأعلى عرضاً.
لكن هذا لا يعني أن شمال أوروبا «محصن»؛ فهناك مخاطر متزايدة للفيضانات، والأمطار الغزيرة، وفقدان بعض النظم الباردة والثلجية.
وبالتالي فإن النرويج، السويد، فنلندا وأجزاء من شمال المملكة المتحدة وشمال أوروبا قد تكون أقل تعرضاً لبعض مخاطر الحرارة والجفاف مقارنة بجنوب أوروبا، وليس بالضرورة أقل تعرضاً لكل الأخطار المناخية.
وفي دراسة حديثة حول مناطق الملاذ المناخي المحتملة في أوروبا، ظهرت أجزاء من سواحل النرويج وآيسلندا وغرب غرينلاند ضمن المناطق ذات التعرض المنخفض نسبياً لبعض مؤشرات سرعة التغير المناخي.
2. كندا، وخصوصاً الأجزاء الجنوبية والشمالية الأقل تطرفاً
كندا مثال مهم، ولكنها تحتاج إلى تفسير دقيق.
فالمناطق الشمالية ستشهد احتراراً كبيراً جداً، ولذلك لا يمكن اعتبار القطب الكندي «منطقة آمنة مناخياً». وتشير أحدث التقييمات الحكومية الكندية لعام 2026 إلى أن الاحترار في كندا سيكون أعلى من المتوسط العالمي، وقد يتجاوز 10 درجات مئوية في بعض المناطق الشمالية خلال الشتاء في سيناريوهات السياسات الحالية. كما يستمر ذوبان التربة الصقيعية وفقدان الجليد.
لكن مقارنة بالمناطق المدارية، قد تتمتع أجزاء من كندا بميزة مختلفة: ارتفاع الحرارة قد يؤدي في بعض المناطق إلى إطالة موسم النمو وتقليل بعض أخطار البرد الشديد.
إذن كندا ليست «ملاذاً مناخياً» بالمعنى المطلق، وإنما منطقة قد تتحول فيها بعض المخاطر الحالية إلى ظروف أكثر اعتدالاً، بينما تظهر في الوقت نفسه مخاطر جديدة شديدة.
3. أجزاء من شمال الولايات المتحدة
ينطبق منطق مشابه على شمال الولايات المتحدة، خصوصاً مناطق البحيرات العظمى والشمال الشرقي.
فارتفاع درجات الحرارة قد يقلل بعض مخاطر البرد ويطيل موسم النمو، لكن ذلك لا يلغي مخاطر الأمطار الغزيرة والفيضانات وموجات الحر وحرائق الغابات.
لذلك فإن الأفضل علمياً هو وصف هذه المناطق بأنها أقل تعرضاً لبعض أشكال الحرارة القصوى مقارنة بالمناطق المدارية، وليس اعتبارها مناطق آمنة.
4. بعض المناطق الساحلية في النرويج وآيسلندا وغرب غرينلاند
هذه المجموعة تستحق اهتماماً خاصاً.
فدراسة أوروبية حديثة بحثت في مفهوم Climate Refugia، أي المناطق التي يكون فيها معدل انتقال المناخ المحلي أقل سرعة نسبياً.
ووجدت الدراسة أن بعض المناطق الساحلية في النرويج، وآيسلندا، وغرب غرينلاند ظهرت ضمن المناطق ذات القيم المنخفضة نسبياً في بعض مؤشرات سرعة التغير المناخي. لكنها في الوقت نفسه أكدت أن النتيجة تختلف باختلاف المؤشر المستخدم وسيناريو الانبعاثات.
وهذا مهم جداً: الملاذ المناخي ليس منطقة لا تتغير، بل منطقة قد يتغير مناخها بسرعة أقل من المناطق المحيطة بها.
وماذا عن المناطق المدارية؟
هنا تظهر الصورة الأكثر وضوحاً.
تشير تقييمات IPCC إلى أن المناطق المدارية، وخاصة أجزاء من إفريقيا وجنوب آسيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، ستواجه مستويات مرتفعة من مخاطر الحرارة والرطوبة، إلى جانب آثار على الزراعة والمياه والصحة.
وفي إفريقيا تحديداً، خلص IPCC إلى أن القارة من أقل مناطق العالم مساهمة تاريخياً في انبعاثات غازات الدفيئة، لكنها تتعرض بالفعل لخسائر وأضرار واسعة مرتبطة بتغير المناخ. كما أن مخاطر الحرارة والصحة والغذاء والمياه ترتفع بسرعة مع كل زيادة إضافية في الاحترار العالمي.
وتزداد أهمية خط الاستواء لأن جسم الإنسان والنظم البيئية المدارية تعمل أصلاً ضمن نطاق حراري ضيق نسبياً.
ومع ارتفاع الحرارة والرطوبة معاً، يمكن أن تصبح الزيادة في درجات الحرارة أكثر خطورة من مجرد ارتفاع درجة الحرارة الجافة.
وتشير تحليلات IPCC إلى أن المناطق الاستوائية، إلى جانب شمال إفريقيا والساحل وأجزاء من جنوب إفريقيا، من بين المناطق التي تشهد أكبر الزيادات في الإجهاد الحراري.
جنوب آسيا.. واحدة من أكثر المناطق تعرضاً
جنوب آسيا، بما فيها أجزاء من الهند وبنغلادش وباكستان، لا تظهر ضمن قائمة المناطق التي يمكن وصفها بأنها «ملاذات مناخية».
فالـIPCC يحدد جنوب آسيا وإفريقيا باعتبارهما من أبرز بؤر المخاطر متعددة القطاعات، نتيجة تداخل الحرارة والمياه والزراعة والفيضانات والصحة. كما أن مخاطر الفيضانات تتزايد بصورة أكبر من المتوسط في أجزاء من آسيا وإفريقيا مع ارتفاع الاحترار العالمي.
وهذا لا يعني أن كل منطقة في هذه الدول ستواجه السيناريو نفسه؛ فالارتفاع، والقرب من الساحل، والتضاريس، والموارد المائية، والقدرة على التكيف كلها تغير الصورة محلياً.
وماذا عن الشرق الأوسط وسوريا؟
هنا يجب الحذر من الاستنتاج السريع.
الشرق الأوسط ليس مرشحاً لأن يكون من «المناطق الناجية» من الاحترار لمجرد أنه بعيد عن خط الاستواء.
بل تشير تقييمات المناخ إلى أن حوض المتوسط والمناطق شبه الجافة معرضة لمزيج من ارتفاع الحرارة والجفاف والإجهاد المائي وازدياد خطر الحرائق.
وتُظهر الدراسات الأوروبية الحديثة أن حوض المتوسط من المناطق ذات التعرض المرتفع لتغير المناخ، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحجم التغير المناخي والجفاف والحرارة.
وهذا يعني أن سوريا وبلاد الشام لا ينبغي وضعها ضمن قائمة «الملاذات المناخية» العالمية، رغم أن بعض المناطق الساحلية أو الجبلية قد تظهر سلوكاً مختلفاً عن المناطق الداخلية.
بل إن الدراسة الأوروبية الحديثة وجدت أن الساحل السوري ظهر ضمن بعض المناطق ذات القيم المنخفضة نسبياً في مؤشرات معينة لسرعة التغير المناخي، إلى جانب لبنان وقبرص وأجزاء من البلقان. لكن هذا لا يعني أن المنطقة آمنة؛ فالدراسة نفسها تفرق بين سرعة التغير المناخي وبين حجم المخاطر المناخية الكلي.
وهذا التفصيل مهم جداً بالنسبة لسوريا.
المفارقة الحقيقية ليست «من سينجو؟»
الاستنتاج العلمي الأقوى من الدراسة ليس أن الدول الغنية ستنجو والدول الفقيرة ستختفي.
بل إن الاحترار العالمي يعيد توزيع المخاطر بطريقة غير متناسبة مع المسؤولية التاريخية عن الانبعاثات.
وتشير الدراسات إلى أن المناطق المدارية والأقل دخلاً شهدت بالفعل تغيراً مناخياً أكثر وضوحاً مقارنة بتذبذب مناخها التاريخي، بينما يمكن للمناطق الأعلى عرضاً أن تشهد استجابة مختلفة بعد توقف ارتفاع الانبعاثات.
وفي الوقت نفسه، فإن الوصول المبكر إلى الحياد الكربوني يمكن أن يقلل بشكل ملموس من عدم المساواة في مخاطر الحرارة والرطوبة. دراسة منشورة في Earth’s Future عام 2026 وجدت أن تحقيق الحياد الكربوني في وقت مبكر يقلل مخاطر موجات الحر الرطبة بصورة أكبر ويخفض الفجوة في المخاطر بين الدول ذات الدخل المرتفع والمنخفض.
خريطة أولية للمناطق الأقل تعرضاً نسبياً
إذا أردنا تحويل هذه النتائج إلى صورة مبسطة، فيمكن القول إن المناطق التي قد تمتلك أفضل الظروف النسبية في عالم أكثر دفئاً تشمل:
مرشحة نسبياً لبعض المخاطر الأقل:
- أجزاء من شمال أوروبا.
- أجزاء من النرويج والسويد وفنلندا.
- آيسلندا.
- أجزاء من شمال المملكة المتحدة.
- أجزاء من كندا والولايات المتحدة الشمالية، مع تحفظات كبيرة.
- بعض المناطق الساحلية ذات المناخ المعتدل في شمال الأطلسي.
مناطق ذات مخاطر مرتفعة أو متزايدة:
- المناطق المدارية حول خط الاستواء.
- أجزاء واسعة من إفريقيا.
- جنوب آسيا.
- جنوب شرق آسيا.
- مناطق من أمريكا الوسطى وشمال أمريكا الجنوبية.
- البحر المتوسط والشرق الأوسط، خصوصاً من ناحية الحرارة والجفاف والمياه.
لكن هذه ليست قائمة «دول آمنة»؛ إنها خريطة تقريبية لمستويات مختلفة من التعرض لبعض المخاطر المناخية.
الخلاصة
المفارقة المناخية التي يسلط الضوء عليها البحث حقيقية، لكن عنوان «آخر الناجين» يحتاج إلى ترجمة علمية أكثر دقة.
المناطق المدارية والأقل دخلاً هي من بين المناطق التي قد تستمر في تحمل عبء حراري أكبر حتى بعد الوصول إلى صافي الصفر، بينما يمكن لمناطق أعلى عرضاً في نصف الكرة الشمالي أن تشهد تباطؤاً أو انعكاساً لبعض جوانب الاحترار على المدى الطويل.
لكن لا توجد منطقة على الأرض ستخرج من أزمة المناخ بلا خسائر.
فحتى المناطق التي قد تستفيد من ارتفاع الحرارة في جانب ما ستواجه مخاطر أخرى: الفيضانات، الحرائق، تغير النظم البيئية، ذوبان الجليد، اضطراب الموارد المائية أو ظهور موجات حر لم تكن مألوفة تاريخياً.
ولهذا فإن السؤال العلمي الصحيح ليس:
«من سيكون آخر الناجين؟»
بل:
«أين سيكون تغير المناخ أبطأ نسبياً، وأين ستكون القدرة على التكيف أعلى، وأي المناطق ستواجه أخطر مزيج من الحرارة والمياه والغذاء والصحة؟»
وهذه الصورة، عند جمعها مع أحدث نماذج CMIP6 وIPCC، تشير بوضوح إلى أن شمال الأطلسي وشمال أوروبا وأجزاء من المناطق ذات العروض العليا قد تتمتع بميزة نسبية في بعض المؤشرات، في حين تبقى المناطق المدارية وشبه المدارية، وحوض المتوسط، والعديد من المناطق الجافة، في دائرة المخاطر الأعلى.
المصادر العلمية
- IPCC – AR6, Working Group I: الأساس العلمي للتغيرات الإقليمية في الحرارة والهطول.
- IPCC – AR6, Working Group II: تقييم المخاطر على الصحة والغذاء والمياه والمجتمعات في مختلف المناطق.
- Cassidy et al. – Regional temperature extremes and vulnerability under net zero CO₂ emissions, Environmental Research Letters: دراسة الاستجابة الإقليمية للحرارة القصوى بعد صافي الصفر.
- Douglas et al. – Drivers of Regional Variation in the De-Emergence of Climate Change under Negative Emissions, Journal of Climate: اختلاف استجابة المناطق للانبعاثات السالبة.
- Yu et al., 2026 – Earth’s Future: أثر الوصول المبكر للحياد الكربوني في تقليل عدم المساواة في مخاطر الحرارة الرطبة.
- دراسة التعرض المناخي في أوروبا، 2025: تحديد المناطق ذات سرعة التغير المناخي الأقل نسبياً وبعض مواقع الملاذات المناخية المحتملة.



