دراسات مناخية

زئبق تحت جليد أنتاركتيكا.. ماذا تكشف الدراسات الحديثة عن خطر محتمل على الحياة البحرية؟

زئبق تحت جليد أنتاركتيكا.. هل يهدد الاحترار السلسلة الغذائية البحرية؟

أبحاث حديثة تكشف تغير دورة الزئبق في المحيط الجنوبي ووصوله إلى الكريل والأسماك، لكن الأدلة لا تثبت حتى الآن حدوث كارثة بيئية أو أن ذوبان الجليد هو المصدر الوحيد للزئبق.

كشفت دراسة علمية منشورة في مجلة Nature Communications في فبراير/شباط 2025 أن الاحترار وتراجع الجليد في غرب أنتاركتيكا ارتبطا بتغيرات كبيرة في دورة الزئبق في بحر روس.

واعتمد الباحثون على 20 عينة من رواسب قاع البحر لتتبع التغيرات خلال آلاف السنين، ووجدوا أن دفن الزئبق في الرواسب ارتفع بنحو 3 أضعاف في منطقة بحر روس وبنحو 8 أضعاف في المحيط المفتوح خلال فترة دافئة من الهولوسين.

لكن النتيجة لا تعني أن “ذوبان الجليد أطلق ثمانية أضعاف كمية الزئبق إلى البحر”. فقد أظهرت الدراسة أن دورة الزئبق تتأثر بمجموعة من العوامل، بينها الترسب الجوي، والمدخلات الجليدية والبرية، والإنتاجية البحرية، وتغير مساحة الجليد البحري وتبادل الزئبق بين المحيط والغلاف الجوي. كما وجد الباحثون أن الزئبق في المنطقة يعود بدرجة كبيرة إلى الترسبات الجوية.

من الرواسب إلى السلسلة الغذائية

أصبحت الصورة أكثر أهمية مع الدراسات التي ظهرت خلال 2025 و2026.

فقد بحثت دراسة منشورة عام 2025 في تراكم الزئبق داخل الكريل القطبي Antarctic krill، وهو أحد أهم مكونات الشبكة الغذائية في المحيط الجنوبي، ووجدت أن تراكم الزئبق يتأثر بالعوامل الموسمية والبيئية وديناميكيات الجليد البحري.

وفي دراسة أخرى عام 2025، جرى رصد الزئبق والميثيل زئبق عند قاعدة الشبكة الغذائية البحرية في خليج Admiralty بأنتاركتيكا، مع أدلة على وجود الميثيل زئبق في المياه والمواد العالقة والعوالق الدقيقة.

وتزداد أهمية هذه النتيجة لأن الميثيل زئبق هو الشكل الأكثر قابلية للتراكم الحيوي، ويمكن أن ينتقل من الكائنات الدقيقة إلى الكريل ثم الأسماك والمفترسات البحرية.

دليل أحدث من الأسماك

في 2026، أظهرت دراسة على الأسماك القطبية Notothenia coriiceps في خليج Admiralty وجود تراكم للزئبق والميثيل زئبق، مع أدلة على التضخم الحيوي؛ أي ارتفاع تركيز الزئبق مع الانتقال إلى مستويات غذائية أعلى.

وهذا يعني أن الزئبق في البيئة القطبية لا يبقى محصوراً في الرواسب أو المياه، وإنما يمكن أن يدخل بالفعل في الشبكة الغذائية.

الاحترار قد يزيد تعقيد المشكلة

لا تقتصر المخاوف على ذوبان الجليد. فقد أظهرت أبحاث حديثة أن تغير المناخ ونقص الأكسجين في بعض البيئات المائية يمكن أن يعززا الظروف الملائمة لتكوين الميثيل زئبق، ما قد يزيد من المخاطر البيئية مستقبلاً.

كما كشفت دراسة منشورة في Nature Sustainability عام 2025 أن الجروف القارية تمثل مخزناً مهماً للزئبق، لكن الاحترار والأنشطة البشرية التي تعيد تحريك الرواسب يمكن أن تؤدي إلى إعادة إطلاق جزء منه، ما يثير احتمال تحول بعض المناطق من مصارف للزئبق إلى مصادر له.

ماذا تعني هذه النتائج؟

الأبحاث الحالية تدعم عدة حقائق:

  • الزئبق موجود في البيئة البحرية القطبية.
  • الاحترار وتراجع الجليد يمكن أن يغيرا حركة الزئبق ومصيره.
  • الزئبق والميثيل زئبق موجودان في الشبكة الغذائية البحرية.
  • الكريل والأسماك يمكن أن يتراكما فيهما.
  • توجد أدلة على تضخم الزئبق عبر المستويات الغذائية.

لكنها لا تثبت حتى الآن أن ذوبان جليد أنتاركتيكا هو المصدر الوحيد أو الرئيسي للزئبق، ولا تثبت أن القارة تحولت إلى مصدر صافٍ للزئبق، كما لا توجد أدلة على حدوث كارثة زئبقية وشيكة.

الخلاصة

الخطر الذي تكشفه الدراسات ليس “انفجاراً زئبقياً” يخرج فجأة من الجليد، بل تغير تدريجي ومعقد في دورة الزئبق نتيجة تفاعل الاحترار مع الجليد والرواسب والغلاف الجوي والنشاط الحيوي والتلوث البشري.

والأكثر أهمية أن الدراسات الحديثة نقلت الدليل من مجرد رصد الزئبق في الرواسب إلى إثبات وجوده وانتقاله داخل الشبكة الغذائية البحرية في أنتاركتيكا، وهو ما يجعل مراقبة الكريل والأسماك والمفترسات البحرية أمراً مهماً لفهم تأثير تغير المناخ مستقبلاً.

المصادر العلمية

  • Zhou et al. (2025), Nature Communications – تأثير تراجع الأنهار الجليدية في غرب أنتاركتيكا على دورة الزئبق.
  • Zhu et al. (2025), Environmental Research – تراكم الزئبق في الكريل القطبي.
  • Korejwo et al. (2025), Journal of Hazardous Materials – الزئبق والميثيل زئبق عند قاعدة الشبكة الغذائية في أنتاركتيكا.
  • Jurczyk et al. (2026), Science of the Total Environment – تراكم وتضخم الزئبق في الأسماك القطبية.
  • Liu et al. (2025), Nature Sustainability – الجروف القارية كمخازن للزئبق وتأثير تغير المناخ وإعادة تحريك الرواسب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى