تحذير علمي: تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية قد يسبب أضراراً طويلة الأمد وغير قابلة للعكس في الغلاف الجليدي للأرض

أطلقت تقارير علمية دولية جديدة تحذيراً من التداعيات بعيدة المدى لاستمرار ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، مشيرة إلى أن أنظمة الجليد والثلوج والتربة الصقيعية في العالم قد تتعرض لتغيرات واسعة يصعب عكسها، حتى في حال نجاح البشرية لاحقاً في خفض درجات الحرارة العالمية إلى المستويات المستهدفة.
وجاء التحذير في تقرير حالة الغلاف الجليدي لعام 2026 (State of the Cryosphere 2026: The Cost of Overshoot)، الصادر في 2 نوفمبر 2026 عن المبادرة الدولية للمناطق الجليدية (ICCI)، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، والذي يستند إلى أحدث الأبحاث والملاحظات العلمية المتعلقة بالتغيرات التي تشهدها المناطق القطبية والأنهار الجليدية والغطاء الثلجي والتربة الصقيعية.
وتكمن أهمية التقرير في أنه لا يقتصر على رصد ذوبان الجليد الحالي، بل يوضح كيف يمكن لفترة مؤقتة من الاحترار الشديد أن تترك آثاراً تستمر لقرون أو آلاف السنين، حتى بعد عودة درجات الحرارة إلى مستويات أقل. International Cryosphere Climate Initiative+1
أولاً: لماذا يمثل تجاوز 1.5 درجة مئوية خطراً على الغلاف الجليدي؟
يُقصد بالغلاف الجليدي (Cryosphere) جميع مكونات الأرض التي تحتوي على المياه في حالتها المتجمدة، ويشمل ذلك الصفائح الجليدية الضخمة في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية، والأنهار الجليدية الجبلية، والجليد البحري في القطبين، والغطاء الثلجي الموسمي، إضافة إلى التربة الصقيعية التي تبقى متجمدة لفترات طويلة.
وتؤدي هذه المكونات دوراً أساسياً في تنظيم النظام المناخي العالمي، إذ تعكس مساحات واسعة منها جزءاً كبيراً من الإشعاع الشمسي إلى الفضاء، كما تسهم في تنظيم درجات حرارة المحيطات والغلاف الجوي ودورة المياه العالمية.
لكن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى تقليص هذه المساحات الجليدية، الأمر الذي يضعف قدرة الأرض على عكس الإشعاع الشمسي، ويزيد من امتصاص الطاقة الحرارية، في عملية تُعرف باسم تأثير التغذية الراجعة للبياض السطحي (Ice-Albedo Feedback).
وبالتالي، فإن فقدان الجليد لا يمثل مجرد نتيجة للاحترار العالمي، بل يمكن أن يتحول أيضاً إلى عامل إضافي يعزز استمرار الاحترار.
وتشير التقارير الجديدة إلى أن تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية، خصوصاً إذا استمر لفترة طويلة ووصل الاحترار إلى مستويات أعلى، يزيد احتمالات حدوث تحولات عميقة في الأنظمة الجليدية يصعب عكسها على المدى الزمني البشري. International Cryosphere Climate Initiative+1
ثانياً: الصفائح الجليدية في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية
تُعد الصفائح الجليدية في غرينلاند والقارة القطبية الجنوبية من أهم مكونات النظام المناخي العالمي، نظراً لحجم المياه العذبة المخزنة فيها وتأثيرها المباشر في مستوى سطح البحر.
ويحذر التقرير من استمرار تسارع فقدان الكتلة الجليدية، مع الإشارة إلى أن الصفائح الجليدية في غرينلاند وأنتاركتيكا تفقد الجليد بمعدل يقارب ستة أضعاف ما كانت تفقده خلال تسعينيات القرن الماضي.
وتكمن الخطورة في أن ذوبان هذه الصفائح لا يتوقف بالضرورة بمجرد انخفاض درجات الحرارة مجدداً، إذ إن التغيرات التي تحدث في بنية الجليد وارتفاع سطحه ومواقع ارتكازه على قاع المحيط قد تجعل استعادة الوضع السابق عملية بطيئة للغاية أو غير ممكنة في بعض المناطق.
وفي دراسة علمية نُشرت في 2 نوفمبر 2026 في مجلة The Cryosphere التابعة للاتحاد الأوروبي لعلوم الأرض، درس الباحثون العلاقة المتبادلة بين المحيطات والصفائح الجليدية في القارة القطبية الجنوبية، ووجدوا أن بعض تيارات الجليد قد تستمر في التراجع لعدة قرون حتى بعد زوال الاضطراب الحراري الذي تسبب في تسارع الذوبان.
وأظهرت المحاكاة أن الظروف المحيطية قد تعود إلى حالتها السابقة خلال نحو 40 عاماً بعد انتهاء الاضطراب، بينما تبقى استجابة الصفائح الجليدية أبطأ بكثير، مع استمرار التراجع غير القابل للعكس في 14 تياراً جليدياً ضمن الأحواض التي شملتها الدراسة. tc.copernicus.org
ويعني ذلك أن استجابة الجليد للتغيرات المناخية قد تستمر طويلاً بعد تغير الظروف الجوية والمحيطية التي بدأت هذه العملية.
ثالثاً: تراجع الأنهار الجليدية وتهديد الموارد المائية
لا تقتصر آثار الاحترار على المناطق القطبية، بل تمتد إلى السلاسل الجبلية الكبرى التي تعتمد عليها ملايين المجتمعات في الحصول على المياه العذبة.
وتشير نتائج دراسة منشورة في مجلة Nature Climate Change في مايو 2025، بعنوان:
Irreversible glacier change and trough water for centuries after overshooting 1.5°C
إلى أن تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية ثم العودة لاحقاً إلى ما دونها قد يؤدي إلى خسائر إضافية لا يمكن تعويضها سريعاً في الكتلة الجليدية ومعدلات الجريان المائي.
واعتمد الباحثون على نماذج مناخية وجليدية شملت أكثر من 200 ألف نهر جليدي حول العالم، وأظهرت النتائج أن سيناريو ارتفاع الحرارة مؤقتاً إلى 3 درجات مئوية ثم انخفاضها إلى 1.5 درجة مئوية قد يؤدي إلى فقدان كتلة جليدية عالمية إضافية بنسبة 11% بحلول عام 2500، مقارنة بسيناريو تثبيت الاحترار عند 1.5 درجة دون تجاوزها.
كما توصلت الدراسة إلى ظاهرة أطلقت عليها اسم Trough Water، وتعني حدوث انخفاض إضافي في المياه الناتجة عن ذوبان الأنهار الجليدية خلال مرحلة تعافيها أو إعادة نموها، ما قد يفاقم نقص المياه في بعض الأحواض الجبلية لعقود أو قرون.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة بالنسبة إلى المناطق التي تعتمد على ذوبان الثلوج والجليد في تغذية الأنهار خلال فترات الجفاف وانخفاض الهطولات المطرية. Nature Climate Change+1
رابعاً: ذوبان التربة الصقيعية واحتمالات تعزيز الاحترار العالمي
تُعد التربة الصقيعية (Permafrost) من أكثر مكونات الغلاف الجليدي أهمية في النظام المناخي، إذ تختزن كميات ضخمة من الكربون العضوي المتراكم عبر آلاف السنين.
ومع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، تبدأ الطبقات السطحية من هذه التربة بالذوبان، ما يسمح للكائنات الدقيقة بتحليل المواد العضوية وإطلاق ثاني أكسيد الكربون والميثان إلى الغلاف الجوي.
وتكمن الخطورة في أن هذه الانبعاثات الإضافية قد تعزز الاحترار العالمي، ما يؤدي بدوره إلى مزيد من ذوبان التربة الصقيعية، في حلقة تغذية راجعة إيجابية تزيد من تعقيد السيطرة على تغير المناخ.
ويحذر تقرير 2026 من أن استمرار الاحترار وفق السياسات المناخية الحالية، مع بلوغ درجات الحرارة ذروة تقارب 2.8 إلى 3 درجات مئوية، قد يؤدي إلى ذوبان مساحات واسعة من التربة الصقيعية القريبة من السطح، مع احتمالات حدوث تغيرات مفاجئة وشديدة في بعض المناطق.
كما تشير أبحاث حديثة إلى أن استجابة الكربون المخزن في التربة الصقيعية لارتفاع درجات الحرارة قد تكون أكبر مما تفترضه بعض التقديرات التقليدية، ما يستدعي تحسين تمثيل هذه العمليات في النماذج المناخية المستقبلية. International Cryosphere Climate Initiative+1
خامساً: تراجع الجليد البحري واضطراب المحيطات القطبية
يمثل الجليد البحري أحد العناصر الرئيسية في تنظيم التبادل الحراري بين المحيط والغلاف الجوي، كما يؤدي دوراً مهماً في التأثير على ملوحة المياه وكثافتها وحركة التيارات المحيطية.
ويؤدي تراجع الجليد البحري إلى زيادة مساحة المياه المكشوفة، التي تمتص الإشعاع الشمسي بدرجة أكبر من الأسطح الجليدية، الأمر الذي يعزز الاحترار المحلي والإقليمي.
لكن المخاطر لا تتوقف عند حدود القطبين، إذ يمكن أن تؤثر التغيرات في درجة حرارة المياه وملوحتها وكثافتها في عمليات تشكل المياه العميقة والدوران المحيطي واسع النطاق.
ويحذر تقرير ICCI وUNEP من احتمال تعرض بعض أنظمة الدوران المحيطي لاضطرابات شديدة، وربما مفاجئة، في ظل سيناريوهات الاحترار المرتفع.
كما يشير إلى أن استعادة الجليد البحري قد تكون أبطأ مما كان يُعتقد سابقاً، وهو ما يعني أن عودة درجات الحرارة إلى مستويات أقل لا تضمن استعادة النظام الجليدي والمحيطي إلى حالته السابقة بسرعة. International Cryosphere Climate Initiative+1
سادساً: ارتفاع مستوى سطح البحر وتداعياته العالمية
يُعد ارتفاع مستوى سطح البحر أحد أكثر التداعيات طويلة الأمد لفقدان الكتلة الجليدية، إذ إن المياه الناتجة عن ذوبان الأنهار الجليدية والصفائح الجليدية القارية تنتقل إلى المحيطات، وتبقى مساهمتها في ارتفاع مستوى البحر حتى بعد توقف الاحترار أو انخفاضه.
وتشير الأبحاث إلى أن استجابة الصفائح الجليدية بطيئة للغاية مقارنة بسرعة التغيرات الجوية، ولذلك يمكن أن يستمر ارتفاع مستوى البحر لقرون أو آلاف السنين.
وتترتب على ذلك مخاطر متزايدة على المناطق الساحلية المنخفضة، تشمل:
- زيادة احتمالات الفيضانات الساحلية وغمر المناطق المنخفضة.
- تزايد مخاطر تداخل مياه البحر المالحة مع المياه الجوفية.
- تضرر البنية التحتية الساحلية والموانئ والمناطق السكنية.
- زيادة تعرض المناطق الساحلية للعواصف وارتفاع الأمواج.
- تراجع الأراضي الساحلية والأنظمة البيئية المرتبطة بها.
وتؤكد هذه المخاطر أن آثار فقدان الجليد لا تقتصر على المناطق القطبية والجبلية، بل تمتد إلى المجتمعات الساحلية في مختلف أنحاء العالم.
سابعاً: هل يمكن استعادة الغلاف الجليدي إذا انخفضت درجات الحرارة مستقبلاً؟
من أهم الرسائل العلمية التي يحملها تقرير 2026 أن عودة درجات الحرارة إلى ما دون 1.5 درجة مئوية لن تعني بالضرورة عودة الغلاف الجليدي إلى حالته السابقة.
فبعض الأنظمة الجليدية تمتلك زمناً طويلاً للاستجابة للتغيرات الحرارية، وقد يستغرق تعافيها قروناً أو آلاف السنين، بينما قد تكون بعض التحولات قد تجاوزت بالفعل حدود التعافي الطبيعي ضمن الأطر الزمنية البشرية.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الأضرار أصبحت حتمية بالكامل أو أن خفض الانبعاثات فقد أهميته.
بل على العكس، يؤكد التقرير أن تقليل مدة تجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية والحد من ذروة الاحترار يمكن أن يقللا بصورة كبيرة من حجم الخسائر المستقبلية.
وتشير التوصيات العلمية إلى ضرورة تسريع خفض انبعاثات غازات الدفيئة، والتخلص التدريجي من الاعتماد على الوقود الأحفوري، إلى جانب تطوير وسائل إزالة الكربون من الغلاف الجوي، مع الحفاظ على النظم البيئية القادرة على تخزين الكربون.
ثامناً: ماذا تعني هذه النتائج لمستقبل المناخ العالمي؟
تضع النتائج الواردة في التقارير والدراسات العلمية الجديدة المجتمع الدولي أمام تحدٍ مناخي يتجاوز مجرد خفض درجات الحرارة خلال العقود القادمة، إذ أصبح من الضروري التعامل مع التأثيرات المتراكمة التي قد تستمر حتى بعد نجاح سياسات خفض الانبعاثات.
وتشير السيناريوهات التي يناقشها تقرير 2026 إلى أن الوصول إلى احترار عالمي يقارب 2.8–3 درجات مئوية في ظل السياسات الحالية قد يؤدي إلى أضرار واسعة في الأنظمة الجليدية، تشمل فقدان كميات كبيرة من الجليد الجبلي، وتراجع الصفائح القطبية، وذوبان التربة الصقيعية، وزيادة مخاطر اضطراب المحيطات.
وفي المقابل، فإن الحد من ذروة الاحترار وتقليص الفترة التي تبقى فيها درجات الحرارة فوق 1.5 درجة مئوية يمكن أن يحدا من الخسائر، ويحافظا على فرص تعافي بعض الأنظمة الجليدية مستقبلاً.
ومن المهم التأكيد أن عتبة 1.5 درجة مئوية ليست مفتاحاً واحداً يؤدي تجاوزه تلقائياً إلى انهيار جميع الأنظمة الجليدية؛ فمستوى الخطر يختلف باختلاف النظام الجليدي ومدة الاحترار وذروته والظروف الإقليمية.
المصادر والمراجع العلمية
اعتمد هذا المقال على التقارير والأبحاث العلمية التالية:
1. التقرير الرئيسي – 2026
International Cryosphere Climate Initiative (ICCI), 2026.
State of the Cryosphere 2026: The Cost of Overshoot.
صدر في 2 نوفمبر 2026، بدعم ومراجعة أكثر من 50 عالماً متخصصاً في علوم الغلاف الجليدي.التقرير العلمي الأصلي – ICCI
2. تقرير برنامج الأمم المتحدة للبيئة – 2026
UNEP & ICCI, 2026.
Overshoot and the Cryosphere: Averting Global Meltdown.التغطية والتفاصيل العلمية للتقرير
3. بحث علمي منشور في Nature Climate Change – 2025
Schuster, L., Maussion, F., Rounce, D.R. et al.
Irreversible glacier change and trough water for centuries after overshooting 1.5 °C.
Nature Climate Change, 15, 634–641 (2025).
DOI: 10.1038/s41558-025-02318-wالدراسة العلمية كاملة
4. بحث علمي منشور في The Cryosphere – 2026
Mathiot, P. et al.
Transition to a much warmer climate for the global ocean and Antarctic Ice Sheet coupled system, and its reversibility.
Published: 2 November 2026.الدراسة العلمية – European Geosciences Union
5. بحث علمي منشور في Nature Communications – 2026
Permafrost tipping point triggered by warming-driven loss of old carbon.الدراسة العلمية عن التربة الصقيعية



