الحرارة والجفاف والحرائق والفيضانات.. أين يتركز التطرف المناخي عالميًا وماذا ينتظرنا؟

تشهد مناطق مختلفة من العالم خلال صيف 2026 سلسلة متزامنة من الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة، تشمل موجات حر شديدة، وجفافًا وحرائق غابات، إلى جانب أمطار غزيرة وفيضانات في مناطق أخرى.
وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن الأشهر الأخيرة اتسمت باستمرار درجات الحرارة المرتفعة فوق اليابسة والمحيطات، بالتزامن مع عدد من الأحداث المتطرفة التي أثرت في أوروبا وآسيا وأفريقيا والأميركتين. لكن الصورة العلمية لا تعني أن العالم كله يتجه إلى الظواهر نفسها، بل إن تأثير الاحترار يتباين بصورة كبيرة من منطقة إلى أخرى.
أوروبا.. الحرارة والجفاف والحرائق في مقدمة المخاطر
تعد أوروبا من أكثر مناطق العالم تأثرًا بارتفاع درجات الحرارة، وهي أيضًا القارة التي تشهد أسرع معدل احترار بحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
وخلال صيف 2026، أدى استمرار الحرارة المرتفعة والجفاف في أجزاء من القارة إلى زيادة جفاف التربة والغطاء النباتي، ما وفر ظروفًا أكثر ملاءمة لاندلاع وانتشار حرائق الغابات.
وأظهرت البيانات الأوروبية خلال الأسابيع الماضية احتراق مساحات واسعة من الغابات والأراضي، خصوصًا في دول جنوب وغرب أوروبا. وفي الوقت نفسه، بدأت بعض مناطق غرب القارة تشهد عودة الأمطار وانخفاض درجات الحرارة، وهو ما ساعد على تخفيف خطر الحرائق محليًا، لكنه لا يعني انتهاء موسم الحرائق.
وتكمن خطورة هذا النوع من الأحداث في التفاعل بين العوامل المختلفة؛ فارتفاع الحرارة يزيد فقدان المياه من التربة والنبات، بينما يؤدي الجفاف إلى زيادة قابلية الغطاء النباتي للاشتعال، ثم تؤدي الحرائق إلى تدهور التربة وتلوث الهواء وخسائر في النظم البيئية.
آسيا.. الحرارة والأمطار الغزيرة في الوقت نفسه
تواجه آسيا نمطًا مختلفًا، إذ يمكن أن تتزامن موجات الحرارة مع أمطار موسمية شديدة وفيضانات واسعة.
وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن ارتفاع حرارة الغلاف الجوي والمحيطات يؤثر في دورة المياه، بما في ذلك زيادة مخاطر الهطولات الشديدة في بعض المناطق.
فالغلاف الجوي الأكثر دفئًا قادر على الاحتفاظ بكمية أكبر من بخار الماء، وعندما تتوافر الظروف الجوية المناسبة لرفع هذا الهواء وتكثفه، يمكن أن تنتج أمطار غزيرة خلال فترات قصيرة.
ولهذا شهدت مناطق في شرق وجنوب آسيا خلال الفترة الأخيرة حالات من الأمطار الغزيرة والفيضانات، بينما عانت مناطق أخرى من الحرارة والجفاف.
وهذا التباين مهم؛ فالاحترار العالمي لا يعني أن جميع المناطق ستصبح أكثر جفافًا، بل يمكن أن يؤدي إلى زيادة التباين في دورة المياه بين الجفاف الشديد والهطولات الغزيرة.
أفريقيا.. ارتفاع المخاطر مع محدودية القدرة على التكيف
تعد أجزاء واسعة من أفريقيا من أكثر المناطق هشاشة أمام تغير المناخ والظواهر الجوية المتطرفة.
وتواجه القارة مزيجًا من موجات الحرارة والجفاف والأمطار الغزيرة والفيضانات والأعاصير المدارية في بعض المناطق.
لكن حجم التأثير لا يعتمد على شدة الظاهرة الجوية وحدها. فضعف البنية التحتية ونقص أنظمة الإنذار المبكر ومحدودية الموارد الاقتصادية يمكن أن تجعل حدثًا جويًا معينًا أكثر تأثيرًا على السكان.
وتشير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن نسبة كبيرة من سكان أفريقيا لا تزال تفتقر إلى تغطية كافية لأنظمة الإنذار المبكر، ما يمثل أحد أهم التحديات أمام تقليل الخسائر البشرية والاقتصادية.
الأميركتان.. حرائق وأمطار شديدة وتباين إقليمي
في الأميركتين، تختلف الصورة بصورة كبيرة بين المناطق.
فقد شهدت أجزاء من أمريكا الشمالية خلال الصيف فترات من الحرارة الشديدة، بينما واجهت مناطق أخرى أمطارًا غزيرة وعواصف وفيضانات.
وفي أمريكا الجنوبية، يمكن أن تتداخل الحرارة والجفاف مع مخاطر حرائق الغابات، بينما قد تشهد مناطق أخرى هطولات شديدة مرتبطة بالأنظمة الجوية الموسمية.
وتؤكد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تغير المناخ لا يلغي التباين الطبيعي بين المناطق والفصول، لكنه يرفع خط الأساس الحراري ويغير احتمالات حدوث بعض الظواهر المتطرفة.
المحيطات.. العامل الذي لا يظهر دائمًا في عناوين الأخبار
وراء العديد من هذه التغيرات يوجد عامل أساسي هو استمرار ارتفاع حرارة المحيطات.
تمتص المحيطات الجزء الأكبر من الحرارة الإضافية الناتجة عن اختلال توازن الطاقة في النظام المناخي، وهو ما يؤثر بدوره في دورة المياه والغلاف الجوي.
كما يستمر ارتفاع مستوى سطح البحر وتراجع الأنهار الجليدية والجليد البحري في مناطق مختلفة.
وتعتبر حرارة المحيطات مهمة أيضًا لأنها تؤثر في كمية الرطوبة المتاحة للغلاف الجوي، وفي تطور بعض العواصف والأنظمة المدارية، وبالتالي يمكن أن تمتد آثار ارتفاع حرارة البحر إلى مناطق بعيدة عن المحيط نفسه.
لماذا نشهد الحرارة والفيضانات في العالم نفسه؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن ارتفاع الحرارة والجفاف من جهة، والأمطار الغزيرة والفيضانات من جهة أخرى، ظاهرتان متناقضتان.
لكن من الناحية الفيزيائية، يمكن أن يحدثا ضمن النظام المناخي نفسه.
فالهواء الأكثر دفئًا يستطيع حمل كمية أكبر من بخار الماء. وفي المناطق التي تتوافر فيها الرطوبة والظروف الجوية المناسبة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى زيادة شدة الهطولات.
وفي مناطق أخرى، يؤدي ارتفاع الحرارة إلى زيادة التبخر وفقدان المياه من التربة، خصوصًا عندما لا تعوض الأمطار هذا الفقد، ما يزيد خطر الجفاف والحرائق.
لذلك يمكن أن يكون أحد آثار تغير المناخ هو زيادة شدة التباين بين فترات الجفاف وفترات الأمطار الغزيرة في بعض المناطق.
ماذا ينتظر العالم خلال الأشهر المقبلة؟
تتجه الأنظار حاليًا إلى تطور ظاهرة إل نينيو في المحيط الهادئ الاستوائي.
وتشير أحدث توقعات المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن إل نينيو يتطور خلال هذه الفترة، مع احتمال استمرار قوته خلال أغسطس وأكتوبر.
وتؤثر إل نينيو في توزيع الحرارة والأمطار على مناطق واسعة من العالم، إلا أن تأثيراتها تختلف من منطقة إلى أخرى، كما تتداخل مع عوامل أخرى مثل حالة المحيطات والضغط الجوي والتذبذبات المناخية الإقليمية.
ولهذا لا يمكن استخدام إل نينيو وحده للتنبؤ بما سيحدث في بلد معين، لكنه يمثل عاملًا مهمًا في تحديد الخلفية المناخية العالمية خلال الأشهر المقبلة.
هل يعني ذلك أن التطرف المناخي سيزداد في كل مكان؟
ليس بهذه البساطة.
العلم لا يقول إن كل منطقة ستشهد مزيدًا من الحر والجفاف والفيضانات في الوقت نفسه.
لكن ارتفاع متوسط حرارة الكوكب يعني أن نقطة البداية أصبحت أكثر دفئًا، وهذا يرفع احتمال تسجيل درجات حرارة شديدة في العديد من المناطق.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن تزداد شدة الهطولات في المناطق التي تتوافر فيها الظروف المناسبة، بينما يرتفع خطر الجفاف في مناطق أخرى.
ولهذا فإن المخاطر المستقبلية تعتمد على الموقع والفصل والنمط الجوي المحلي، وليس على متوسط حرارة الكوكب وحده.
المناطق الأكثر حساسية
عند تقييم الخطر المناخي، لا يكفي النظر إلى شدة الظاهرة الجوية. فالمناطق الأكثر تعرضًا هي التي يجتمع فيها الخطر الطبيعي مع ارتفاع عدد السكان أو ضعف البنية التحتية أو محدودية القدرة على التكيف.
ومن بين المناطق التي تستحق مراقبة خاصة خلال المرحلة المقبلة:
أوروبا والبحر المتوسط: بسبب الحرارة والجفاف وحرائق الغابات.
جنوب وشرق آسيا: بسبب الحرارة والأمطار الموسمية والفيضانات.
أجزاء واسعة من أفريقيا: بسبب الجفاف والحرارة ومخاطر الفيضانات وضعف القدرة على التكيف.
أجزاء من الأميركتين: بسبب تداخل الحرارة والحرائق والأمطار الشديدة والظواهر المدارية.
الخلاصة
المشهد المناخي العالمي في صيف 2026 لا يتمثل في كارثة واحدة، وإنما في تزامن عدة مخاطر مناخية وجوية في مناطق مختلفة.
الحرارة المرتفعة تزيد التبخر وتجهد الموارد المائية، والجفاف يزيد خطر حرائق الغابات، بينما يمكن للغلاف الجوي الأكثر دفئًا أن يوفر كمية أكبر من الرطوبة للعواصف والهطولات الغزيرة عندما تتوافر الظروف المناسبة.
وتشير البيانات العلمية إلى أن هذه الظواهر يجب أن تُقرأ ضمن سياق طويل الأمد من ارتفاع حرارة الأرض والمحيطات.
أما خلال الأشهر المقبلة، فستكون متابعة تطور إل نينيو وحالة المحيطات وأنماط الضغط الجوي العالمية مهمة لفهم كيفية إعادة توزيع مناطق الحرارة والأمطار والجفاف.
لكن يبقى العامل الأهم هو أن الاحترار العالمي لا يعني طقسًا متطرفًا في كل مكان، بل يزيد احتمال وشدة بعض أنواع التطرف عندما تتوافر الظروف الجوية المناسبة.
المصادر: المنظمة العالمية للأرصاد الجوية (WMO)، برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى (ECMWF)، والمراكز المناخية الوطنية المختصة.



