دراسات مناخية

موجات الحر ليست ظاهرة سطحية فقط.. دراسة جديدة تكشف تطورها داخل طبقات الغلاف الجوي وعلاقتها بحرارة الشرق الأوسط

خاص.. المركز السوري للطقس والمناخ

دراسة علمية حديثة تحلل تطور موجات الحر رأسياً وعلى أساس زمني ساعي، وتكشف اختلاف آليات تشكلها بين سطح الأرض وطبقات التروبوسفير، في نتائج تفتح مجالاً أوسع لفهم موجات الحر الشديدة في الشرق الأوسط.

لم تعد دراسة موجات الحر تقتصر على قياس درجات الحرارة عند سطح الأرض أو متابعة امتداد المرتفعات الجوية في الطبقات العليا، إذ أصبح تحليل البنية الرأسية لدرجات الحرارة داخل الغلاف الجوي أحد المسارات المهمة لفهم كيفية نشوء هذه الظواهر وتطورها واستمرارها.

وفي دراسة علمية نُشرت بتاريخ 7 نوفمبر 2026 في مجلة Scientific Reports التابعة لمجموعة Nature، بعنوان:

Evolution of the vertical structure of heat waves in Europe at hourly resolution

بحثت الباحثتان إيفا بلافكوفا وأوندريه لهوتكا تطور موجات الحر داخل طبقات الغلاف الجوي باستخدام بيانات درجات الحرارة على مستويات ضغط متعددة، وبدقة زمنية ساعية، للكشف عن الاختلافات بين الأنواع المختلفة لموجات الحر والعمليات الجوية المرتبطة بها.

وتكتسب هذه النتائج أهمية عند مقارنتها بالأبحاث الإقليمية التي تناولت موجات الحر في الشرق الأوسط، حيث أظهرت دراسات العراق وشبه الجزيرة العربية أن ارتفاع درجات الحرارة يرتبط بتفاعلات بين الدوران الجوي واسع النطاق والهبوط الهوائي وضعف الرياح الشمالية الغربية والظروف السطحية الجافة.

أولاً: كيف درست الأبحاث الجديدة البنية الرأسية لموجات الحر؟

اعتمدت الدراسة على بيانات إعادة التحليل المناخي ERA5 الصادرة عن المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى ECMWF.

واستخدم الباحثون بيانات درجات الحرارة الساعية على 19 مستوى من مستويات الضغط الجوي، بهدف تتبع التغيرات الحرارية من الطبقات القريبة من سطح الأرض وصولاً إلى طبقات أعلى في التروبوسفير.

وتختلف هذه المقاربة عن الدراسات التي تعتمد بصورة أساسية على درجة الحرارة عند ارتفاع مترين، لأنها تسمح بمراقبة كيفية توزع الشذوذ الحراري رأسياً، وما إذا كان يبدأ بالقرب من السطح أو يظهر أولاً في الطبقات الأعلى ثم يمتد نحو الأسفل.

وصنفت الدراسة موجات الحر إلى أربعة أنماط رئيسية وفق توزيع الشذوذ الحراري في المقطع الرأسي للغلاف الجوي:

  1. موجات الحر القريبة من السطح (Near-surface heat waves): تتركز الزيادة الحرارية بصورة أساسية في الطبقات القريبة من سطح الأرض.
  2. موجات الحر في التروبوسفير السفلي (Lower-tropospheric heat waves): تظهر فيها الزيادة الحرارية بصورة واضحة في الطبقات السفلى من التروبوسفير.
  3. موجات الحر في التروبوسفير العلوي (Higher-tropospheric heat waves): تتركز الشذوذات الحرارية في مستويات أعلى من التروبوسفير.
  4. موجات الحر الممتدة رأسياً (Omnipresent heat waves): تظهر فيها الشذوذات الحرارية الموجبة عبر نطاق رأسي واسع، من الطبقات العليا إلى المستويات القريبة من السطح.

ثانياً: اكتشاف مهم.. الحرارة لا تبدأ دائماً من سطح الأرض

من أبرز نتائج الدراسة أن الأنماط المختلفة لموجات الحر لا تتطور بالطريقة نفسها داخل الغلاف الجوي.

ففي موجات الحر القريبة من السطح، كان تطور الشذوذ الحراري تدريجياً، إذ تبدأ الزيادة الحرارية بالقرب من سطح الأرض ثم تمتد نحو الطبقات الأعلى.

أما في نمط موجات الحر الممتدة رأسياً، فقد رصد الباحثون سلوكاً مختلفاً، يتمثل في انتقال الشذوذات الحرارية الموجبة بسرعة نسبية من طبقات التروبوسفير العليا باتجاه الأسفل.

وكان هذا الانتقال الهابط أقل وضوحاً، لكنه ظل موجوداً أيضاً في نمطي موجات الحر المرتبطة بالتروبوسفير السفلي والعلوي.

وتشير هذه النتيجة إلى أن ارتفاع حرارة سطح الأرض قد يكون في بعض الحالات جزءاً من تطور حراري أوسع داخل الغلاف الجوي، وليس بالضرورة نقطة البداية الوحيدة للحالة.

ثالثاً: ماذا يحدث ليلاً داخل الغلاف الجوي أثناء موجات الحر؟

لم تقتصر الدراسة على تحليل درجات الحرارة، بل تناولت أيضاً الاستقرار الرأسي للغلاف الجوي من خلال دراسة معدلات التناقص الرأسي لدرجة الحرارة الكامنة.

وأظهرت النتائج وجود طبقات ليلية ذات معدلات تناقص رأسي منخفضة، تكون منفصلة نسبياً عن تأثير سطح الأرض، لكنها ظهرت بصورة مميزة في نمط موجات الحر القريبة من السطح.

ولم تكن هذه الطبقات الليلية موجودة بالطريقة نفسها في الأنماط الأخرى، حتى في الحالات التي سجلت ارتفاعاً حرارياً بالقرب من السطح.

وتوضح هذه النتيجة أن السلوك الليلي للغلاف الجوي يختلف باختلاف النمط الرأسي لموجة الحر، وأن الاعتماد على درجات الحرارة السطحية وحدها قد لا يكشف جميع العمليات التي تحافظ على استمرار الحالة الحرارية.

رابعاً: كيف ترتبط هذه النتائج بموجات الحر في الشرق الأوسط؟

على الرغم من أن الدراسة الجديدة تناولت ثلاث مناطق أوروبية، فإن منهج تحليل البنية الرأسية للحرارة يمكن الاستفادة منه في دراسة موجات الحر في الشرق الأوسط، خصوصاً أن الأبحاث الإقليمية بدأت بالفعل في تحليل العلاقة بين درجات الحرارة والأنظمة الجوية في مستويات الضغط المختلفة.

وتظهر أهمية هذا الربط في ثلاثة جوانب رئيسية:

1. المرتفعات الجوية والهبوط الهوائي فوق المنطقة

تترافق كثير من موجات الحر في الشرق الأوسط مع امتداد أنظمة ضغط مرتفع في الطبقات المتوسطة والعليا من الغلاف الجوي.

وتؤدي حركة الهواء الهابطة المرتبطة بهذه الأنظمة إلى انضغاط الهواء وارتفاع حرارته، كما تساعد على استقرار الغلاف الجوي وتقليل فرص تطور السحب والحمل الحراري.

وتتوافق هذه الآلية مع ما رصدته الدراسات الإقليمية في العراق وشبه الجزيرة العربية، حيث ظهر ارتباط بين الأنظمة المضادة للإعصار والهبوط الهوائي واستمرار درجات الحرارة المرتفعة.

2. ضعف رياح الشمال والشمال الغربي في العراق والخليج

في دراسة منشورة في مجلة International Journal of Climatology بتاريخ 27 يونيو 2025، بعنوان:

Circulation Aspects Associated With Heatwave Events Over Iraq

حلل الباحث حسن الشمّارتي وزملاؤه موجات الحر الصيفية في جنوب العراق خلال الفترة 1980–2022 باستخدام بيانات ERA5.

وأظهرت الدراسة أن موجات الحر كانت تتطور تدريجياً خلال الأسبوع السابق ليوم الذروة، ثم تتراجع قوتها بصورة أسرع بعد ذلك.

ومن أبرز النتائج أن معظم هذه الحالات ارتبطت بضعف واضح في الرياح الشمالية الغربية المنخفضة، المعروفة باسم رياح الشمال أو الشمال الغربي (Shamal)، وهي رياح تؤدي عادةً دوراً في نقل الهواء الأقل حرارة نحو العراق ومنطقة الخليج.

وأشارت الدراسة إلى أن ضعف تدرج الضغط الجوي المسؤول عن هذه الرياح يرتبط في كثير من الحالات بوجود مرتفع جوي شبه ثابت شمال شرقي العراق، كما قد تسهم حركة الهواء الهابطة على الجانب الغربي من جبال زاغروس في زيادة التسخين.

وهذا يوضح أن استمرار موجات الحر في المنطقة لا يرتبط فقط بوجود هواء ساخن، بل يتأثر أيضاً بتغير أنماط الدوران الجوي التي تتحكم في حركة الهواء وتبادل الحرارة بين المناطق.

3. القبة الحرارية والبنية الرأسية فوق شبه الجزيرة العربية

في دراسة علمية منشورة عام 2026 بعنوان:

Large and regional-scale processes influencing Heat Waves: Insights from Qatar

درس الباحثون موجات الحر في قطر خلال الفترة 2003–2024، مع تحليل التفاعلات بين الغلاف الجوي وسطح الأرض.

وأظهرت الدراسة وجود بنية حرارية رأسية مترابطة خلال موجات الحر، مع ارتفاع واضح في درجات الحرارة في الطبقات القريبة من السطح، وامتداد الشذوذ الحراري نحو مستويات أعلى.

كما رصدت الدراسة:

  • حركة هابطة للهواء في طبقات التروبوسفير السفلى والمتوسطة.
  • وجود انقلاب حراري في مستويات من التروبوسفير الأوسط.
  • ضعف حركة الهواء الصاعدة قرب السطح.
  • انخفاض رطوبة التربة وتراجع تدفق الحرارة الكامنة.
  • زيادة تدفق الحرارة المحسوسة من سطح الأرض إلى الغلاف الجوي.

وأوضحت النتائج أن هذه العوامل تعمل معاً على تعزيز تراكم الحرارة بالقرب من سطح الأرض وإطالة ظروف موجة الحر.

ومن النتائج المهمة أيضاً أن البنية الحرارية المرصودة لم تكن قبة حرارية عميقة تمتد بالقوة نفسها عبر كامل التروبوسفير، بل بنية دافئة مترابطة رأسياً لكنها أكثر تركيزاً في الطبقات السفلى والمتوسطة.

خامساً: ماذا تعني هذه الدراسات بالنسبة إلى موجات الحر في سوريا وشرق المتوسط؟

تقع سوريا وبلاد الشام ضمن منطقة تتأثر بتفاعل أنظمة جوية متعددة، تشمل المرتفعات شبه المدارية والكتل الهوائية الحارة القادمة من المناطق الصحراوية، إلى جانب أنظمة الضغط والدوران الجوي الممتدة من شرق المتوسط وشبه الجزيرة العربية.

ولهذا فإن دراسة موجات الحر في المنطقة من منظور رأسي يمكن أن تساعد على التمييز بين الحالات التي يكون فيها التسخين متركزاً بالقرب من السطح، والحالات التي تكون فيها الزيادة الحرارية ممتدة إلى مستويات أعلى من الغلاف الجوي.

كما أن تحليل التغيرات في الارتفاع الجهدي عند مستوى 500 هكتوباسكال، ودرجات الحرارة عند مستويات 850 و700 و500 هكتوباسكال، وحركة الهواء الرأسية، يمكن أن يوفر صورة أكثر اكتمالاً عن طبيعة النظام الجوي المصاحب لموجات الحر.

ومن المهم عدم اعتبار جميع حالات الارتفاع الشديد في درجات الحرارة متشابهة؛ فقد تتشابه درجات الحرارة المسجلة عند سطح الأرض، بينما تختلف البنية الرأسية والآليات الجوية التي أدت إلى حدوث الحالة.

وتوفر هذه المقاربة أساساً علمياً لدراسة موجات الحر في سوريا وشرق المتوسط بصورة أكثر تفصيلاً، مع ضرورة إجراء تحليل مستقل لبيانات المنطقة وعدم نقل نتائج الدراسات الأوروبية أو الخليجية إليها بصورة مباشرة.

سادساً: لماذا تهم البنية الرأسية في تحسين فهم موجات الحر؟

توضح الدراسات أن تحليل درجات الحرارة على مستوى سطح الأرض لا يكفي وحده لتحديد طبيعة موجة الحر أو آلية تطورها.

فقد تكون الزيادة الحرارية مرتبطة بتسخين يبدأ من السطح، أو بانتقال شذوذ حراري من مستويات أعلى، أو بتفاعل بين التسخين السطحي والهبوط الهوائي والاستقرار الرأسي.

ويتيح تحليل مستويات الضغط المختلفة تحديد مدى عمق الكتلة الهوائية الحارة، ومراقبة تغير موقع الشذوذ الحراري مع الزمن، وفهم العلاقة بين حركة الهواء الرأسية واستمرار درجات الحرارة المرتفعة.

وتشير هذه النتائج إلى أهمية استخدام البيانات الساعية ومتعددة المستويات في الدراسات المناخية المستقبلية، إلى جانب بيانات محطات الرصد والأقمار الصناعية، للوصول إلى فهم أدق للعمليات الجوية التي تقف خلف موجات الحر الشديدة.

الخلاصة

تكشف الدراسة المنشورة في نوفمبر 2026 أن موجات الحر يمكن أن تتخذ أشكالاً رأسية مختلفة داخل الغلاف الجوي، وأن تطورها لا يسير وفق آلية واحدة؛ ففي بعض الحالات يبدأ التسخين بالقرب من السطح ويمتد إلى الأعلى، بينما تظهر في حالات أخرى شذوذات حرارية في مستويات أعلى ثم تنتقل باتجاه الأسفل.

وعند مقارنة هذه النتائج بالدراسات الإقليمية، يتضح أن موجات الحر في الشرق الأوسط ترتبط أيضاً بتفاعلات معقدة بين المرتفعات الجوية والهبوط الهوائي وضعف رياح الشمال والتغيرات في تدفقات الحرارة والرطوبة بين سطح الأرض والغلاف الجوي.

وبذلك فإن فهم موجات الحر في سوريا وشرق المتوسط يتطلب النظر إلى الغلاف الجوي بوصفه نظاماً ثلاثي الأبعاد، وليس الاكتفاء بمتابعة درجات الحرارة المسجلة عند سطح الأرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى