دراسة تكشف مناطق عميقة تغذي براكين شرق أفريقيا والمحيط الهندي
قد تبدو البراكين المنتشرة في شرق أفريقيا وجزر المحيط الهندي ظواهر متفرقة لا يجمع بينها رابط واضح، إلا أن دراسة حديثة تقدم دليلًا جديدًا على أن بعضها قد يرتبط بمناطق عميقة جدًا داخل وشاح الأرض، بالقرب من الحد الفاصل بين الوشاح والنواة.
الدراسة، التي نشرت في مجلة Science في 13 أغسطس/آب 2026، جمعت بين علم الزلازل وكيمياء الصخور البركانية لرسم خريطة جديدة لمصادر النشاط البركاني العميقة تحت شرق أفريقيا والمحيط الهندي.
البحث عن مصدر البراكين في الأعماق
تصل بعض البراكين إلى السطح فوق ما يعرف بـ«النقاط الساخنة»، وهي مناطق يرتبط نشاطها البركاني بمصادر حرارية عميقة داخل الوشاح. لكن تحديد المكان الذي تبدأ منه هذه المواد الساخنة في أعماق الأرض ظل تحديًا للعلماء، لأن المسارات الصاعدة داخل الوشاح ليست بالضرورة مستقيمة أو رأسية.
ولهذا استخدم الباحثون التصوير الزلزالي المقطعي، الذي يعتمد على تحليل سرعة الموجات الزلزالية داخل الأرض للكشف عن البنى العميقة، وطوروا طريقة تعتمد على نظرية الرسوم البيانية لتتبع مجموعات المسارات المحتملة للأعمدة الصاعدة داخل الوشاح.
وطبق الفريق هذه الطريقة على ثماني نقاط ساخنة في شرق أفريقيا والمحيط الهندي، وتمكن من تحديد تجمعات لمناطق مصدر تقع بالقرب من حد النواة والوشاح.
الصخور البركانية تؤكد الصورة
لم يعتمد الباحثون على البيانات الزلزالية وحدها.
فالحمم البركانية التي تصل إلى سطح الأرض تحمل بصمات كيميائية ونظائرية يمكن أن تساعد العلماء في معرفة خصائص المواد التي جاءت منها.
لذلك أجرى الفريق تحليلًا متعدد المتغيرات لنسب النظائر في صخور البازلت المرتبطة بالنقاط الساخنة التي شملتها الدراسة.
واللافت أن أنماط التجمع التي ظهرت من التحليل الجيوكيميائي كانت متقاربة بصورة عامة مع المناطق التي حددتها البيانات الزلزالية.
وبذلك قدمت الدراستان المستقلتان، الجيوفيزيائية والجيوكيميائية، صورة مشتركة عن البنية العميقة للوشاح في هذه المنطقة.
ثلاثة نطاقات عميقة على الأقل
تكشف النتائج عن وجود ثلاثة نطاقات متميزة على الأقل داخل ما يعرف باسم المقاطعة الأفريقية الكبيرة منخفضة سرعة القص (African Large Low Shear Velocity Province – LLSVP).
وهذه منطقة ضخمة وغير متجانسة تقع في أعماق الوشاح بالقرب من النواة، وتظهر فيها الموجات الزلزالية سرعات أقل من المناطق المحيطة بها.
وتشير الدراسة إلى أن هذه المنطقة ليست بالضرورة كتلة متجانسة واحدة، بل تحتوي على اختلافات داخلية يمكن أن ترتبط باختلاف مصادر المواد التي تغذي بعض النقاط الساخنة البركانية.
لماذا تعد النتيجة مهمة؟
تكمن أهمية الدراسة في أنها تساعد على ربط ما يحدث على سطح الأرض بما يجري على عمق يقارب آلاف الكيلومترات.
فالبراكين لا تقدم للعلماء معلومات عن النشاط البركاني الحالي فقط، وإنما يمكن أن تحمل صخورها معلومات عن تركيب المواد الموجودة في أعماق الوشاح.
وعندما تتطابق الإشارات المستخرجة من الصخور مع البنى التي تظهر في التصوير الزلزالي، يصبح من الممكن بناء تصور أفضل عن كيفية انتقال المواد والحرارة من أعماق الأرض نحو السطح.
ولا يعني ذلك أن العلماء تمكنوا من «رؤية» البراكين وهي تبدأ عند النواة مباشرة، وإنما تمكنوا من تحديد مناطق عميقة ترتبط بها المسارات التي تغذي بعض النقاط الساخنة، باستخدام أدلة زلزالية وجيوكيميائية مستقلة.
باطن الأرض ليس طبقات منفصلة ببساطة
تدعم الدراسة فكرة أن وشاح الأرض أكثر تعقيدًا مما توحي به النماذج المبسطة.
فالمادة الساخنة يمكن أن تتحرك داخل الوشاح على هيئة أعمدة أو مسارات صاعدة، بينما يمكن أن تتغير اتجاهاتها وتتفرع أثناء صعودها نحو الطبقات العليا.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل ربط بركان معين بمصدره العميق مهمة صعبة؛ إذ إن المسار بين المصدر والسطح قد لا يكون خطًا مستقيمًا.
وتقدم الدراسة إطارًا جديدًا لتتبع هذه المسارات بصورة منهجية، بدل التعامل مع كل نقطة ساخنة باعتبارها ظاهرة منفصلة تمامًا.
هل يعني ذلك أن البراكين ستثور؟
لا.
هذه النتيجة لا تقدم توقعًا بثورات بركانية مستقبلية، ولا تشير إلى أن النشاط البركاني في شرق أفريقيا أو المحيط الهندي أصبح أكثر خطورة بسبب اكتشاف هذه البنى العميقة.
الهدف الأساسي للدراسة هو فهم مصادر البراكين وبنية الوشاح العميق وتنوعه الكيميائي والحراري.
لكن هذا الفهم يمكن أن يساعد مستقبلًا في تحسين النماذج التي يستخدمها علماء الأرض لدراسة تطور القشرة والوشاح، وفهم سبب تمركز بعض البراكين والنقاط الساخنة في مناطق معينة.
نافذة جديدة على أعماق الأرض
تمثل الدراسة خطوة مهمة في الجمع بين نوعين مختلفين من الأدلة: الموجات الزلزالية التي تكشف البنية الفيزيائية للأرض، والصخور البركانية التي تحفظ بصمات كيميائية من مصادرها العميقة.
ومن خلال الجمع بينهما، تمكن الباحثون من رسم أول خريطة مشتركة من هذا النوع لمناطق المصدر العميقة تحت شرق أفريقيا والمحيط الهندي، وكشفوا عن تعدد واضح في نطاقات الوشاح داخل المنطقة.
وقد لا تكون البراكين المتباعدة جغرافيًا مجرد نقاط منفصلة على سطح الأرض، بل قد تكون بعض خيوط قصتها مكتوبة في أعماق الوشاح، على بعد آلاف الكيلومترات تحت أقدامنا.
المصادر العلمية: الدراسة الأصلية في Science ، وبيانات المؤلف Xiyuan Bao المنشورة في سجل أبحاثه الأكاديمي ، إضافة إلى الملخص العلمي المفصل للدراسة الذي يوثق استخدام التصوير الزلزالي عالي الدقة والتحليل النظائري.
