انحسار البحر في الأرجنتين يكشف «جزيرة» صخرية.. هل كان المشهد مقدمة لتسونامي؟

شهدت سواحل مدينة مار دل بلاتا الأرجنتينية، في أوائل أغسطس/آب 2026، مشهدًا أثار اهتمام السكان وانتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعدما انحسرت مياه البحر بصورة ملحوظة أمام منطقة بونتا موغوتيس، لتظهر من تحت الماء كتلة صخرية بدت للوهلة الأولى وكأنها جزيرة جديدة.
لكن التحقيق في طبيعة الظاهرة أظهر أن الأمر لا يتعلق بظهور جزيرة جديدة، بل بانكشاف جزء من تكوين صخري طبيعي يعرف باسم Restinga del Faro، وهو تكوين يقع قبالة ساحل مار دل بلاتا وينتمي جيولوجيًا إلى نظام تانديلِيا، وتوجد أجزاء منه عادة تحت سطح الماء. وقد أدى الانخفاض الملحوظ في مستوى البحر إلى ظهوره بصورة أكثر وضوحًا من المعتاد.
لماذا انحسر البحر بهذه الصورة؟
لا يعني انخفاض مستوى البحر على ساحل معين بالضرورة حدوث تغير في حجم المحيط أو وجود ظاهرة جيولوجية خطيرة. فمستوى المياه الساحلية يتأثر بمجموعة من العوامل التي تعمل معًا، في مقدمتها المد والجزر، والضغط الجوي، والرياح، والأمواج وشكل الساحل وقاع البحر.
وتؤدي المكونات الفلكية للمد والجزر، المرتبطة أساسًا بجاذبية القمر والشمس ودوران الأرض، إلى ارتفاع وانخفاض دوري في مستوى المياه. لكن التأثير المحلي للرياح والضغط الجوي يمكن أن يزيد هذا التغير أو يقلله بصورة ملحوظة، خصوصًا في المناطق الساحلية الضحلة.
وتؤكد بيانات الأرصاد المحلية أن منطقة مار دل بلاتا شهدت في تلك الفترة اضطرابات جوية ورياحًا وأمطارًا قوية؛ ففي 6 أغسطس كانت المدينة تحت تأثير حالة جوية عاصفة مع رياح وهطولات وأمواج، بينما أشارت تقارير لاحقة إلى أن التغيرات في الظروف الهيدرومناخية على ساحل مقاطعة بوينس آيرس يمكن أن ترفع أو تخفض مستوى المياه عن القيم المتوقعة في جداول المد والجزر.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين انحسار محلي لمياه البحر بسبب العوامل الساحلية والجوية وبين الانحسار الناتج عن موجة تسونامي.
هل كان انحسار البحر علامة على تسونامي؟
من الناحية العلمية، نعم، يمكن أن يكون الانحسار المفاجئ وغير المعتاد لمياه البحر أحد العلامات الطبيعية التي تسبق وصول بعض موجات التسونامي.
وتوضح الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية NOAA أن التسونامي قد يصل إلى الساحل على هيئة انخفاض مفاجئ في مستوى المياه، بحيث ينكشف قاع البحر والشعاب والمناطق الصخرية قبل وصول الموجة التالية. كما تعتبر الهيئة الانخفاض أو الارتفاع المفاجئ وغير المعتاد لمستوى البحر، إلى جانب الشعور بزلزال قوي أو طويل وسماع هدير غير مألوف من البحر، من علامات الخطر الطبيعية التي تستوجب الابتعاد عن الساحل.
لكن وجود هذه العلامة في حد ذاته لا يعني أن كل انحسار للبحر هو تسونامي.
فالتسونامي عادة يرتبط باضطراب مفاجئ وكبير في كتلة المياه، وغالبًا ما يكون نتيجة زلزال قوي تحت البحر أو بالقرب منه، ويمكن أيضًا أن ينتج عن انهيارات أرضية بحرية أو ثورات بركانية أو انهيارات كبيرة تسقط في المياه.
ماذا تقول سجلات الزلازل في الأرجنتين؟
تُظهر بيانات المعهد الوطني للوقاية الزلزالية في الأرجنتين وقوع عدة هزات في 6 أغسطس 2026، من بينها زلزال بقوة 3.4 في منطقة خوخوي، وآخر بقوة 3.3 في سالتا، وهزات أخرى في لا ريوخا ومندوزا وسان خوان وغيرها. كما سجل المعهد في الساعة 21:00 بالتوقيت المحلي زلزالًا بقوة 4.5 في مندوزا، على عمق 10 كيلومترات، لكنه وقع بعيدًا عن ساحل مار دل بلاتا.
وبالتالي، لا تظهر السجلات الرسمية المتاحة وجود زلزال بحري قوي قبالة مار دل بلاتا بالتزامن مع انحسار المياه يمكن ربطه علميًا بحدوث تسونامي في المنطقة.
وهذه نقطة أساسية، لأن مجرد تزامن ظاهرة ساحلية مع وجود زلازل في مناطق أخرى من البلاد لا يكفي لإثبات وجود علاقة سببية بين الحدثين.
ما الذي يجعل المشهد يبدو أكثر غرابة؟
السبب الرئيسي في انتشار الصور ومقاطع الفيديو هو أن انخفاض مستوى المياه كشف جزءًا من Restinga del Faro، وهي منطقة صخرية بحرية طبيعية قد تبقى مغمورة في الظروف العادية. وعندما ينخفض مستوى البحر بما يكفي، تصبح أجزاء منها ظاهرة فوق سطح الماء، فتبدو من مسافة بعيدة وكأنها جزيرة منفصلة ظهرت فجأة.
كما أن الموقع نفسه يتمتع بأهمية بيئية؛ إذ تشير بيانات المناطق البحرية المحمية في الأرجنتين إلى أن Restinga del Faro تقع على بعد نحو 500 متر من ساحل منارة بونتا موغوتيس، وتضم موائل بحرية وشعابًا وتكوينات صخرية وكهوفًا مغمورة.
هل يمكن اعتبار ما حدث نذيرًا بزلزال أو تسونامي؟
لا توجد أدلة علمية على ذلك في هذه الحالة.
انحسار المياه الناتج عن المد والجزر أو الرياح أو تغير الضغط الجوي ظاهرة طبيعية يمكن أن تكون لافتة جدًا، خصوصًا عندما تتزامن عدة عوامل في الاتجاه نفسه. أما انحسار المياه المرتبط بتسونامي فعادة يكون جزءًا من اضطراب سريع وغير اعتيادي في مستوى البحر، وقد يتبعه وصول موجات قوية ومتتابعة.
وتؤكد NOAA وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS أن الانحسار المفاجئ للبحر يمكن أن يكون علامة خطرة عندما يحدث في سياق مناسب، خصوصًا بعد زلزال قوي أو طويل قرب الساحل. لكن ذلك لا يعني أن كل انحسار ساحلي يمثل تسونامي.
الخلاصة
المشهد الذي أثار القلق في مار دل بلاتا خلال أغسطس/آب 2026 حدث بالفعل، لكنه لم يكن دليلًا على اقتراب تسونامي. الظاهرة كشفت تكوينًا صخريًا طبيعيًا يعرف باسم Restinga del Faro نتيجة انخفاض ملحوظ في مستوى مياه البحر.
أما الزلازل التي سجلتها الأرجنتين خلال الفترة نفسها، فلم تقدم السجلات الرسمية دليلًا على وقوع هزة بحرية قوية قرب مار دل بلاتا يمكن أن تفسر المشهد كتسونامي.
ومع ذلك، فإن القاعدة العلمية المتعلقة بالسلامة الساحلية تبقى مهمة: إذا حدث انحسار مفاجئ وكبير وغير معتاد لمياه البحر، وخصوصًا إذا سبقه زلزال قوي أو طويل، فلا ينبغي انتظار تفسير الظاهرة أو صدور تحذير رسمي، بل يجب الابتعاد فورًا عن الساحل والتوجه إلى منطقة مرتفعة وآمنة.
المصادر العلمية والرسمية: المعهد الوطني للوقاية الزلزالية في الأرجنتين INPRES، المعهد الوطني للبحوث والتنمية السمكية INIDEP، الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي الأمريكية NOAA، وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS، إضافة إلى التقارير المحلية في مار دل بلاتا.



