الجفاف يضرب أوروبا صيف 2026.. الأنهار تسجل أدنى تدفقات منذ عام 1992 رغم انحسار موجات الحر

المركز السوري للطقس والمناخ
لم تنتهِ التداعيات المناخية لموجات الحر التي اجتاحت أجزاء واسعة من أوروبا خلال صيف 2026 مع تراجع درجات الحرارة وانحسار الظروف الحارة، إذ استمر الجفاف في التأثير على الموارد المائية والأنهار، مسجلاً واحدة من أشد حالات انخفاض التدفق النهري خلال أكثر من ثلاثة عقود، وفق أحدث مراجعات خدمة كوبرنيكوس الأوروبية لتغير المناخ.
وأظهر تقرير المراجعة الصيفية الأوروبية لعام 2026، الصادر في 2 أكتوبر عن خدمة كوبرنيكوس (C3S)، أن القارة شهدت أدنى تدفقات نهرية صيفية منذ بدء سجلات النظام الأوروبي للتوعية بالفيضانات (EFAS) عام 1992، مع تسجيل مستويات قياسية أو قريبة من القياسية في عدد من الأنهار الرئيسية، بينها الراين والدانوب والبو واللوار والرون والسين.
ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على كونها مؤشراً هيدرولوجياً استثنائياً، بل تكشف عن تراكم آثار الجفاف خلال أشهر متتالية، وكيف يمكن للضغوط المناخية أن تستمر حتى بعد انتهاء موجات الحر نفسها.
صيف استثنائي من الحرارة والجفاف
بحسب كوبرنيكوس، كان صيف 2026 ثالث أحر صيف مسجل في أوروبا، بينما سجلت أوروبا الغربية أكثر فصول الصيف حرارة في تاريخ سجلاتها، بمتوسط حرارة بلغ 21.7 درجة مئوية، أي أعلى بنحو 2.5 درجة مئوية من متوسط الفترة المرجعية 1991–2020.
كما تعرضت 52% من مساحة القارة بحلول نهاية الصيف لمستويات مرتفعة جداً من الإجهاد الحراري، وفق مؤشر المناخ الحراري العالمي (UTCI)، الذي يأخذ في الاعتبار تأثير الحرارة والرطوبة والرياح والإشعاع على جسم الإنسان.
وترافقت هذه الظروف مع نقص واسع في الأمطار، ولا سيما في غرب ووسط أوروبا وأجزاء من جنوب شرق القارة، ما أدى إلى تفاقم جفاف التربة وتراجع التغذية المائية للأنهار.
وتوضح بيانات كوبرنيكوس أن العجز المطري لم يكن متساوياً في جميع أنحاء القارة؛ فقد انتقل مركز النقص المطري تدريجياً من المناطق الغربية خلال يونيو باتجاه مناطق شرقية خلال أجزاء لاحقة من الصيف، بينما شهدت مناطق أخرى، مثل أجزاء من شبه الجزيرة الإيبيرية وشمال شرق أوروبا، ظروفاً أكثر رطوبة من المعدل الموسمي.
لماذا استمر انخفاض تدفق الأنهار بعد تراجع الحرارة؟
لفهم ما حدث، لا بد من التمييز بين الجفاف الجوي والجفاف الهيدرولوجي.
فالجفاف الجوي يرتبط أساساً بنقص الهطولات المطرية مقارنة بالمعدلات المناخية، أما الجفاف الهيدرولوجي فيظهر عندما تتراجع كميات المياه في الأنهار والبحيرات والخزانات والمياه الجوفية.
وقد تتأخر استجابة الأنهار لانتهاء فترة الجفاف الجوي، لأن الأحواض المائية تحتاج إلى وقت لاستعادة مخزونها، كما أن جزءاً من الأمطار التي تهطل بعد فترة جفاف طويلة يُستهلك في ترطيب التربة وتعويض نقص رطوبتها قبل أن يتحول إلى جريان سطحي يغذي الأنهار.
كذلك يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة التبخر والنتح، أي فقدان المياه من سطح الأرض والنباتات إلى الغلاف الجوي. وعندما تتكرر موجات الحر بالتزامن مع نقص الأمطار، يتفاقم العجز المائي وتتراجع قدرة الأحواض النهرية على الحفاظ على تدفقاتها المعتادة.
وبالتالي، فإن انتهاء موجة الحر لا يعني بالضرورة انتهاء الجفاف، لأن استعادة التوازن المائي قد تستغرق أسابيع أو أشهراً، وقد تمتد لفترة أطول عندما تكون المياه الجوفية ومخزونات التربة قد تعرضت لاستنزاف كبير.
أنهار أوروبية رئيسية تحت ضغط مائي شديد
أظهرت بيانات النظام الأوروبي للتوعية بالفيضانات (EFAS)، التي اعتمدت عليها مراجعة كوبرنيكوس، أن انخفاض التدفقات شمل عدداً كبيراً من الأحواض النهرية الرئيسية.
ومن أبرز النتائج:
- نهر الراين: امتدت ظروف التدفق المنخفض على أجزاء واسعة من مجراه، ما زاد الضغوط على حركة الشحن والنقل النهري.
- نهر الدانوب: شهد مستويات تدفق منخفضة بصورة استثنائية، مع تداعيات على الملاحة وإمدادات المياه والأنشطة الزراعية في بعض المناطق.
- نهر اللوار: سجلت أجزاء واسعة منه تدفقات موسمية قياسية الانخفاض.
- نهر الرون: تأثرت أجزاء من حوضه بانخفاض شديد في التدفق.
- نهر السين: سجلت امتدادات واسعة منه مستويات تدفق قياسية الانخفاض خلال الموسم.
- نهر البو: واجه حوضه إجهاداً مائياً شديداً، في سياق الجفاف الذي أثر على شمال إيطاليا.
وتؤكد البيانات أن التأثير لم يكن محصوراً في نقطة واحدة أو نهر واحد، بل شمل أجزاء واسعة من الشبكة النهرية الأوروبية. ومع ذلك، تختلف شدة الانخفاض من حوض إلى آخر، ولا يعني تسجيل تدفق قياسي في جزء من النهر أن جميع أجزائه سجلت القيمة نفسها.
الأمطار المتأخرة لم تكن كافية لإنهاء الجفاف
شهدت بعض المناطق الأوروبية تحسناً محلياً في كميات الأمطار خلال أواخر الصيف، وساعد ذلك على رفع التدفقات في أجزاء من بعض الأنهار، ولا سيما في مناطق من شمال إيطاليا وحوض الألب.
لكن هذا التحسن لم يكن كافياً لتعويض العجز المائي المتراكم خلال أشهر الربيع والصيف.
وتشير مراجعة كوبرنيكوس إلى أن التدفقات المنخفضة ظلت واسعة الانتشار خلال صيف 2026، رغم الزيادات المحلية التي أعقبت هطولات أواخر الموسم.
وتبرز هذه الحالة أهمية النظر إلى الجفاف بوصفه عملية تراكمية، لا مجرد استجابة مباشرة لكمية الأمطار خلال بضعة أيام. فقد تهطل أمطار غزيرة في منطقة معينة دون أن تعيد فوراً مستويات المياه الجوفية أو مخزون التربة أو التدفقات النهرية إلى معدلاتها الطبيعية.
تداعيات تتجاوز البيئة إلى الاقتصاد والطاقة
يمثل انخفاض التدفق النهري مشكلة تتجاوز المشهد الطبيعي، نظراً إلى اعتماد قطاعات اقتصادية أوروبية واسعة على الأنهار بوصفها ممرات للنقل ومصادر للمياه والطاقة.
1. النقل النهري وسلاسل الإمداد
يؤدي انخفاض عمق المياه إلى تقليل الحمولة التي تستطيع السفن نقلها بأمان، ما يرفع تكاليف الشحن وقد يسبب تأخيرات في نقل البضائع، خصوصاً على نهر الراين الذي يعد من أهم الممرات التجارية المائية في أوروبا.
2. الزراعة والري
تراجع الموارد المائية يزيد الضغوط على القطاع الزراعي، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على مياه الأنهار للري. كما يمكن أن يؤدي استمرار نقص المياه وارتفاع الحرارة إلى إجهاد المحاصيل وتراجع الإنتاجية الزراعية.
3. الطاقة الكهرومائية والتبريد الصناعي
تعتمد محطات الطاقة الكهرومائية على توفر تدفق مائي مناسب لتشغيل التوربينات. وعندما تنخفض كميات المياه، قد يتراجع إنتاج الكهرباء.
كما يمكن أن تتأثر بعض محطات الطاقة الحرارية والنووية، التي تحتاج إلى مياه التبريد، عندما تصبح المياه المتاحة أقل أو ترتفع حرارتها إلى مستويات تحد من عمليات التبريد الآمنة.
4. النظم البيئية المائية
يؤدي انخفاض التدفق بالتزامن مع ارتفاع حرارة المياه إلى زيادة الضغط على الكائنات المائية. فالمياه الأكثر دفئاً تستطيع الاحتفاظ بكميات أقل من الأكسجين الذائب، ما قد يفاقم ظروف الإجهاد لدى الأسماك والكائنات الأخرى، خصوصاً خلال فترات الجفاف الطويلة.
هل أصبح تغير المناخ عاملاً أساسياً في تفاقم الجفاف الأوروبي؟
يرتبط الاحترار العالمي بزيادة احتمالات وشدة بعض الظروف التي تساعد على تفاقم الجفاف، ولا سيما موجات الحر وارتفاع الطلب التبخري من سطح الأرض.
فمع ارتفاع درجات الحرارة، يزداد فقدان المياه من التربة والنباتات، وقد تتفاقم آثار نقص الأمطار عندما تتزامن فترات الجفاف مع موجات حر متكررة وطويلة.
لكن التفسير العلمي الدقيق لا يحمّل تغير المناخ وحده مسؤولية كل حدث جفاف. فالتوزيع المكاني للضغط الجوي ومسارات المنخفضات والمرتفعـات، وتوقيت الهطولات، وطبيعة الأحواض النهرية، واستخدام المياه وإدارتها، كلها عوامل تؤثر في شدة الجفاف ومدته.
ولإثبات مقدار مساهمة الاحترار العالمي في حدث محدد، يحتاج العلماء إلى دراسات إسناد مناخي تقارن احتمال وشدة الحدث في المناخ الحالي مع عالم افتراضي لم يتعرض للتأثير البشري في المناخ.
لذلك، فإن الاستنتاج الأكثر دقة هو أن الاحترار العالمي يزيد الضغوط المناخية التي يمكن أن تجعل الجفاف أشد أثراً، بينما تتحدد شدة كل حالة أيضاً بالعوامل الجوية والهيدرولوجية المحلية والإقليمية.
هل تتجه أوروبا إلى أزمة مائية طويلة الأمد؟
لا يعني انخفاض التدفقات خلال صيف 2026 أن الأنهار الأوروبية ستبقى عند مستوياتها المنخفضة نفسها، إذ يمكن للأمطار الشتوية وتساقط الثلوج في المناطق الجبلية وذوبانها لاحقاً أن تساعد على استعادة جزء من المخزون المائي.
لكن سرعة التعافي ستعتمد على كمية الأمطار وتوزيعها، ومستوى رطوبة التربة، وحالة المياه الجوفية، ودرجات الحرارة خلال الأشهر التالية.
وتكمن المشكلة في أن الهطولات المطرية وحدها لا تكفي دائماً لإعادة التوازن المائي بسرعة، خصوصاً إذا جاءت على شكل فترات قصيرة من الأمطار الغزيرة تفصل بينها فترات جفاف طويلة.
كما أن تكرار موجات الحر والجفاف يضع موارد المياه والبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية أمام تحديات متزايدة، ما يجعل تحسين إدارة المياه ورفع كفاءة استخدامها وتعزيز أنظمة الإنذار المبكر من الأولويات الأساسية للتكيف مع التغيرات المناخية.
المصدر العلمي الأساسي: خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ (C3S)، والمركز الأوروبي للتنبؤ بالفيضانات (EFAS)، ومركز البحوث المشتركة التابع



